التقنية والحرية والقانون: 1. الأصل في الأشياء التجريم

أواخر العام 2008، نشرت شركة «أبل» للتقنية على موقعها ما يفيد أن أحدث هواتفها آنذاك، آيفون 3جي، لن يباع بالمواصفات الكاملة في مصر، لأنه يحوي ضمن مكوناته «مستقبِلًا لتحديد الموقع الجغرافي GPS» بينما يحتاج استخدام أجهزة من هذا النوع في مصر إلى ترخيص. في ذات الوقت، وصلت مفاوضات شركة نوكيا، والتي كانت تحظى وقتها بالنصيب الأكبر من مبيعات الهواتف المحمولة حول العالم، مع الحكومة المصرية، إلى نقطة حرجة، فهواتف نوكيا الأحدث، مثل N95 وN97، صارت هي أيضًا تحمل مستقبِل نظام تحديد الموقع الجغرافي ولا تنوي في أغلب إصداراتها القادمة إنتاج أي هواتف تخلو من تلك الإمكانية، بينما لا تزال مصر متخوفة من انتشار أجهزة بتلك الإمكانيات في أيدي الناس، ما قد يؤدي إلى توقف أكبر منتجي الهواتف المحمولة في العالم عن التصدير إلى مصر، ما سيؤثر بدوره بلا شك على حالة الاتصالات في البلد كلها.

نحن الآن في العام 2018، وأغلب الظن أن قارئ هذا المقال يقرأه من موقع محجوب في مصر، (وسنأتي لهذا لاحقًا) مستخدمًا هاتفًا أو جهازًا لوحيًا محمولًا (وليس حاسوبًا) يحوي مستقبِلًا لنظام تحديد الموقع الجغرافي، أي أن عشر سنوات كاملة مرت منذ أن وضع التقدم التقني متخذي القرار بخصوص في الشؤون في مصر – وهم نظريًا الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وعمليًا أجهزة الأمن القومي الأربعة التي ينص عليها قانون الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 – أمام الأمر الواقع.

نحن نعرف الآن بالطبع أن كل التخوفات أو الأسباب التي كانت موجودة وقتها لم تصمد أمام مسيرة الزمن ولا أمام المصالح الاقتصادية للبلد التي تتطلب وجود هواتف حديثة. لكن يبقى السؤال: ماذا كانت تلك التخوفات بالضبط؟ وكيف حافظت الدولة على مدار الأعوام العشرة تلك، وكيف ستحافظ مستقبلًا، على المصلحة العامة بينما بإمكان أي مَن يرغب في استعمال نظام تحديد المواقع الجغرافية في مصر أن يفعل ذلك دون منع؟

الحقيقة أن المنع لا يزال قائمًا، فمستقبِلات نظام تحديد المواقع الجغرافية، التي هي ببساطة أجهزة راديو تستقبل – ولا ترسل- على تردد محدد مخصص في العالم كله لذلك النظام، ممنوعة اليوم في مصر، وما حدث هو أن كل هاتف محمول (وكل جهاز استقبال أو إرسال من أي نوع، وبغض النظر عن قدرته أو الترددات التي يعمل فيها) جرى استثناؤه من المنع المبدئي المفروض بقوة القانون، فلا يزال حتى اليوم على موقع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات نموذج رقمه CS13، يتعين على أي مَن يرغب في استخدام مستقبلات أنظمة تحديد المواقع الجغرافية الأخرى، كتلك التي تحويها الأجهزة الملاحية للقوارب والطائرات أو السيارات، أو تلك المحمولة يدويًا والتي يحتاجها ممارسو رياضة التنزه في الخلاء، تسجيل جهازه وتحديد الإحداثيات الجغرافية ومنطقة العمل التي يطلب وجود الجهاز فيها. كل ما في الأمر أن جهاز تنظيم الاتصالات رفع المنع عن استيراد تلك الهواتف وبيعها واستخدامها وحيازتها، بينما لم يرفع المنع عن كل مستقبِلات نظم تحديد المواقع الجغرافية.

اليوم، تمامًا كما كان الحال منذ عشرين عامًا مثلًا، إذا ضبطتك السلطات وفي حيازتك جهاز مخصص لتحديد المواقع الجغرافية، حتى إن لم تكن تستخدمه وقتها، ستحاسبك على تلك الجريمة. فكر قليلًا في الضرر المتخيل الذي قد يحدثه مثل هذا الجهاز ولا يحدثه الهاتف المحمول، وإن وجدت سببًا وجيهًا يبرر السماح بهذا ومنع ذاك، اترك لي تعليقًا في الصندوق أدناه.

معاداة التقنية

هذا الحال من المنع المبدئي للأدوات وتطبيق نظام ترخيص صارم، والذي يُجرَّم فيه استخدام الأداة بل ومجرد حيازتها، حتى يصدر الاستثناء بوضعها على «قائمة سماح whitelist» أو الترخيص لكل جهاز وكل مستخدم على حدة، في نظام مراقبة دقيق، ليس وضعًا خاصًا لأجهزة استقبال نظام تحديد المواقع الجغرافية، بل هو حال كل معدات الاتصالات أيًا كانت، حتى أنني كنت أزعم أن القانون المصري يجرّم مجرد حيازة ثلاثة أنواع من الأشياء يراها من الخطورة بمكان: المفرقعات والمخدرات، ومعدات الاتصالات، إلا أنني كنت مخطئًا. فالفاكس (هل تذكره؟) و«مُسَيِّر الإنترنت router» ومقوي إشارة الواي فاي ولاسلكي الهواة كلها من معدات الاتصالات التي تحتاج إلى ترخيص، لكن يضاف إليها، كما صرنا نقرأ مؤخرًا، كل الكاميرات الصغيرة والتلسكوبات التي تنشر مصلحة الجمارك أخبارًا عن «ضبطها» باعتبارها أجهزة للتجسس، والطائرات المُسَيََّرَة لاسلكيًا التي صدر مؤخرًا قانون بمنعها، و«الحواسيب الفائقة super computers»، إن أردت بناء واحد من عشرات من الحواسيب الأصغر، و«معدنات البتكُوين bitcoin miners»، وهذه الأخيرة لم يصدر بخصوصها قانون بعد، وإن كانت تصادَر في الجمارك هي الأخرى، ومواقع الوب، بل وحتى حسابات تويتر وفيسبوك إن كانت تحظى بقدر من الشهرة، كما صار الحال بعد تمرير قوانين الإعلام والصحافة الأخيرة، بل وحتى مطابع الحبر والورق وحتى طلمبات ضخ المياه الجوفية -وأنا لا أمزح هنا – هي كلها أشياء ممنوع استخدامها، بل ومجرد حيازتها دون ترخيص.

وتتنوع عقوبات استخدام هذه الأشياء أو حيازتها، لكنها تشترك جميعها في أن -1 – العقوبة هنا جنائية أساسها الحبس، وأن – 2 – ما يعاقب عليه القانون ليس إحداث ضرر ما باستخدام هذه الأشياء لكن مجرد استخدامها وإن كان استخدامًا مشروعًا، أو حتى حيازتها دون استخدام. هذا القدر المبالغ فيه من «التنظيم»، كما قد يصفه البعض، يفوق تجريم أنواع من السكاكين مثلًا التي تظل حيازتها واستخدامها لا يحتاجان إلى ترخيص وغير مجرمين، حتى تُرفع السكين في فعل غير مشروع كالقتل أو الجرح، أو تشرع فيه أو تهدد بإتيانه.

يضاف إلى هذا المنع والتجريم أن الأشياء نفسها التي يُجرَّم استخدامها أو حيازتها والأفعال المفعولة أو الحريات المقيَّدة ليست بالضرورة محددة بوضوح في القانون. أتابع عن قرب منذ دستة من الأعوام تفاعلات التقنية والقانون والحرية في مصر، وأزعم أن هذه الضبابية في لغة القانون هي نتيجة عاملين اثنين: أولهما أن القانون يبدو وكأنه يستحي بعض الأحيان من تسمية الأشياء بأسمائها، فلا توجد مثلًا في القانون المصري على حد ما قرأت إشارة واحدة لـ «التنصت المشروع» على الاتصالات الذي يفترض أن تمارسه السلطات في بعض الحالات لأغراض إنفاذ القانون، وإنما يشير القانون إلى ما يسميه «ممارسة السلطات اختصاصاتها»، دون أن تُحدَّد على سبيل الحصر هذه الاختصاصات في أي مكان آخر. وسنأتي لاحقًا على أمثلة عديدة لهذا الغموض في الصياغة الذي أظنه مقصودًا.

ثاني العوامل التي تنتج نصوصًا قانونية ضبابية هي المفاهيم، لا سيما تلك المتعلقة بتقنيات المعلوماتية، في ذهن مَن يكتبون القوانين، ما يؤدي إلى تعريفات مختلطة ومتداخلة أو لا تدل على شيء أو فعل محدد بعينه، أو تدل على شيء أو فعل محدد لكنه أوسع بكثير مما يدعي القانون تنظيمه، فينتهي الأمر بالقانون مجرِّمًا أشياء وأفعالًا مشروعة تمامًا، لنصبح كلنا في نظر القانون المصري من معتادي الإجرام، حتى وإن اختارت السلطات فعليًا تطبيق هذه القوانين على مَن تريد وترك مَن تريد. وهذا أيضًا ما سنقرأه بالتفصيل في حلقات لاحقة في هذه السلسلة.

المشكلة في القانون أكبر وأقدم

إذا نحينا جانبًا الحيرة الإضافية التي تصيب مَن يكتبون القانون عندما يتعلق الأمر بتفاصيل تقنيات المعلوماتية الحديثة، نجد أن هذا التقليد في تجريم الأشياء والأفعال – في مقابل تجريم التعدي على الحقوق – أصيل على ما يبدو في التراث القانوني المصري. مثلًا، استقر القانون في مصر منذ مطلع القرن الماضي على الأقل على تقسيم الأشياء إلى عقارات، وهي الأشياء التي لا يمكن تحريكها كالأرض والمباني، ومنقولات، وهي الأشياء التي يمكن نقلها.

على هذا الأساس، عرَّف القانون السرقة على أنها الأخذ غير المشروع للمنقولات، وهذا تعريف ومنطق لا بأس به على الإطلاق، حتى يبدأ البعض في الدفع بأن بعض الأشياء ليست عقارات ولا منقولات، وهو بالضبط ما حدث عندما دخلت الكهرباء التي هي ليست منقولًا كبقية المنقولات، وبالتالي فعوضًا عن إعادة تعريف السرقة كي تشمل ما لا تشمله الصياغة الحالية، استُحدثت في القانون مادة خاصة تعاقب على سرقة التيار الكهربي. ماذا عن المواشي وحيوانات أخرى؟ هذه أيضًا ليست «أشياء» بالضبط، وبدورها أصبحت لها هي الأخرى مادة تخصها في القانون. بنفس المنطق، نسمع اليوم أن أنواعًا جديدة من الجرائم ظهرت نتيجة تقدم التقنية وأن هناك الآن جريمة جديدة اسمها «سرقة البيانات» تستدعي تشريعًا جديدًا – صدر بالفعل – لشيء لا أفهم ما هو بالضبط يُسمّى «الجريمة الإلكترونية»، فصلًا عن بقية الجرائم، أو أن انتشار مواقع الإنترنت وخدماتها الاجتماعية خلقت مجالًا جديدًا – وبالتالي خطرًا جديدًا – يستدعي التدخل بالتنظيم والترخيص والعقاب والحجب، وكأن الإنترنت شيء منفصل عن بقية المجال العام (أو الخاص) في حياتنا، وكأن الكلام على الإنترنت ليس كبقية الكلام.

سبب هذا كله، في رأيي، هو أن القانون المصري اعتاد تجريم الأشياء، وهو ما لا ينبغي أن يكون إلا في أضيق الحدود لأشياء كالمفرقعات مثلًا، وعلى سبيل الحصر والتحديد، أي أن يكون التجريم في «قائمة منع blacklist» يتاح كل ما ليس فيها، وليس كما في الوضع الحالي الذي يمنع كل شيء إلا ما تضعه الحكومة في «قائمة سماح whitelist». يجرم القانون أيضًا استخدام الأشياء دون ترخيص، فلا تحتاج النيابة العامة إلى سوق الدلائل عن ضرر بعينه وقع على أشخاص بعينهم، بل يكفي أن تثبت أنك امتلكت موقع إنترنت مثلًا، وتدعي أنك تمتلكه أو تستخدمه بغرض إرهابي (وهذا تعريف ضبابي آخر)، في ما يكفي لسجنك لمدة تصل لخمس سنوات، بنص المادة 29 من قانون مكافحة الإرهاب الجديد رقم 94 لسنة 2015، حتى إن لم تتسبب في حدوث ضرر بآخرين على الإطلاق. ولذلك تنظر الآن المحكمة الدستورية العليا طعنًا قدمته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مدى اتفاق هذه المادة مع الدستور ومبادئ العدالة. هنا يكمن جوهر الخلل في السياسة العقابية المصرية، فهي في مجملها لا تُعَرِّف الجريمة بأنها اعتداء على حق (فتصبح السرقة في مثالنا أعلاه هي الاعتداء على الحق في الملكية الخاصة) بل تعرفها بأنها أفعال ترتبط عادة باستخدام أشياء، ويتوه الناس في ألوف من مواد القانون الجنائي ولا يعرفون ماهية الأفعال التي تعد جرائم في البلد، في حين أن شرطًا أساسيًا للقاعدة القانونية هو أن تكون بسيطة واضحة مفهومة معروفة لأواسط الناس.

ولأن القانون الذي لا نفهمه، نحن أواسط الناس، ولا نلم به، ليس قانونًا ينطبق على الناس، أدعوكم على مدار الأسابيع القادمة لقراءة مجموعة القوانين التي تُمرَّر حاليًا في مصر وتؤثر على المجال العام وعلى حياة كل الناس، ومنها قوانين كاميرات المراقبة والجريمة الإلكترونية والصحافة وغيرها.

اعلان