عن الجيش وحكم مصر اتجاهات الجدل حول نبوءة عز الدين شكري فشير

ما الذي يخبرنا به الاهتمام الكبير بمقال الدبلوماسي والروائي والأكاديمي الدكتور عز الدين شكري فشير حول حتمية تخلي الجيش عن حكم مصر ، المنشورة في موقع «مدى مصر»؟

أول ما يخبرنا به هذا الاهتمام هو أن التأييد الشعبي الكاسح لمبدأ الحكم العسكري، أو الحكم ذي الصبغة العسكرية للدولة المصرية، قد انحسر لدى قطاعات كبيرة من النُخب الثقافية والأكاديمية والبيروقراطية و دوائر المال والأعمال، وكذلك لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، بالمقارنة بما كان عليه مستوى هذا التأييد ودرجته، في أعقاب سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين، أو على أقل تقدير، فإن هذا المبدأ قد أصبح قابلًا للمناقشة والأخذ والرد، بعد أن كان من المسلمات أو المقدسات طوال أعوام 2013 و2014 و2015 و2016، وقد وقفنا عند عام 2016 لأنه العام الذي اتُخذ فيه قرار تسليم (أو اعادة) جزيرتَي تيران وصنافير إلى المملكة السعودية، ليكون القرار بمثابة «نوبة صحيان»، أدت إلى تساؤلات، ليس فقط حول الأحقية السعودية في الجزيرتين من عدمها، ولكن أيضًا حول طريقة اتخاذ القرار، وحق المواطن في المعرفة والاحتجاج، تساؤلات حول تغول السلطوية على بقية مؤسسات الدولة، فضلًا عن الرأي العام، مثلما حول علاقة كل ذلك بترتيبات إقليمية محتملة، يزيد فيها المجهول كثيرًا عن المعلوم.

لكن الاستطراد في رصد مواقيت وأسباب الانحسار المتوالي للتأييد المطلق بلا قيد ولا شرط لمبدأ الحكم العسكري، أو الحكم ذي الصبغة العسكرية لمصر، سيخرجنا عن موضوعنا الأصلي، وهو مقولة فشير حول حتمية تخلي الجيش عن حكم البلاد، واتجاهات المناقشة حولها، من جانب السياسيين والكُتّاب والمعلقين المحترفين، ومن جانب رواد شبكات التواصل الاجتماعي.

بداية، فليأذن لي قارئ «مدى مصر» بتذكيره بأنني عالجت هذه القضية في أكثر من مقال هنا، وربما كان أكثرها اتصالًا بهذه النقطة مقال بعنوان «تفنيد خرافة: لا ديمقراطية لرعايا فرعون»، وقد أثبتُّ فيه  أن الفرعون عندما كان قائدًا عسكريًا، فإن ذلك لم يكن مقصورًا على مصر،  وإنما كان حال العالم كله.

ويليه مقال آخر لي بعنوان «جدلية المجتمع والجيش في مصر»، وقدمتُ فيه الأدلة على أن النخبة المدنية هي التي تولت السلطة والقيادة والإدارة في مصر بالتدريج منذ معاهدة لندن 1840 التي خفضت حجم الجيش المصري، وألغت، وهذا مهم جدًا، نظام الاحتكار الذي فرضه محمد علي باشا. ثم تعزز دور النخبة بصدور اللائحة السعيدية عام 1858 لتقرر حق المصريين في تملك الأراضي الزراعية، فظهرت طبقتا كبار وصغار الملاك، ثم شريحة التجار، ثم اندمج الاقتصاد المصري في الاقتصاد الدولي، وتعاظمت المصالح الأجنبية، مع ظهور نخبة متعلمة شكلت الروافد اللازمة للبيروقراطية، ولشريحة المهنيين، فضلًا عن ترقي أبناء الفلاحين إلى رُتب الضباط في الجيش.

ويأتي أخيرًا مقال بعنوان «الحل الوسط التاريخي»، وكانت فرضيته الأساسية أن مستقبل مصر يتوقف على اقتناع كافة القوى السياسية فيها بأنه لاقوة فيها تستطيع وحدها صنع هذا المستقبل، بما أنه ليس عادلًا ولا ناجحًا أن تتحكم السلطوية أو تدير كل شيء من التعليم إلى البنوك، ومن المحليات إلى الصحف والإعلام، ومن المجتمع المدني إلى النقابات والأحزاب، ومن النقل إلى المستشفيات ومياه الشرب والصرف الصحي والطاقة والكهرباء، إلخ.

وفي الوقت نفسه، وبسبب هشاشة النخبة المدنية، وإبعادها، أو عدم اطلاعها، ومن ثم انعدام خبرتها بملفات الأمن القومي، وقضايا السياسة الخارجية الرئيسية، و العلاقات الإقليمية والدولية الكبرى، فإن مصر في حاجة الى صيغة (حل وسط تاريخي) تطلق طاقات المجتمع و خبراته وكوادره في إدارة شؤونه كافة، وفي الوقت نفسه تحفظ للمؤسسة العسكرية دورها المحوري في قرارات وسياسات الأمن القومي والعلاقات الدولية، وذلك على أمل أن يعزز التفاعل والحوار والإنجاز عملية مطولة لبناء الثقة، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تطبيع الحياة السياسية، ومعها العلاقات العسكرية المدنية.

ولعلي اليوم أضيف إلى كل ذلك، وبعيًدا عن المتشائمين من «المدنيين»، ومن أنصار الإسلام السياسي، ضرورة وجود دور سياسي مقنن ومنضبط للجيش في معادلة الحكم في مصر، وذلك لدرء أية احتمالات تحرم الوطن من قوات مسلحة قوية وفعّالة وموحدة، إما كراهة في تراث نظام يوليو 1952، وتوجسًا من عودة الكَرَّة، وإما تأثرًا بنظريات خارجية حول الأمن القومي، مثل القول بتحييد مصر، وغيرها من النظريات التي تخرج بين وقت وآخر من مراكز الأبحاث اليمينية في إسرائيل والولايات المتحدة.

كما أضيف إلى ما تقدم لمحة تاريخية تعمق وتؤكد الأهمية القصوى للجيش المصري القوي، إذ أن مصر كانت دائمًا ما  تفقد استقلالها عندما تفقد جيشها، وقد حدث ذلك في نهاية العصور الفرعونية، أما عندما تملك جيشًا، فإنها تسترد استقلالها، بل وتصبح قوة إقليمية كبيرة، كما حدث في العصر البطلمي بعد عدة قرون من الخضوع للأشوريين، ثم الفرس، ثم إمبراطورية الإسكندر قبل وفاته، وهو ما لم يحدث طوال العهود الرومانية الطويلة، وكذلك طوال عصور الخلافة الإسلامية، حتى الدولة الأيوبية ثم المملوكية، حين أصبحت مصر تملك جيشها المستقل عن جيوش الخليفة، ولا محل هنا للقول إن الجيش الأيوبي أو المملوكي لم يكونا مصريين، لأن ذلك كان حال الجيش البطلمي، ولم يمنع ذلك من الإقرار بحقيقة وجود كيان سياسي مصري مستقل وقوي تحت حكم البطالمة الإغريق، فقد كانت مصر في الحالتين هي القاعدة الاقتصادية والوعاء الإقليمي والسياسي لهذه الجيوش الخاضعة أصلًا لحاكم مصر بصفته هذه، وهو ما تكرر بحذافيره مع الدولة العثمانية، إذ بقيت البلاد مجرد ولاية مثل غيرها حتى مجيء محمد علي، وتأسيس الدولة والجيش المصريين الحديثين، وبهما أصبحت السيادة العثمانية شكلية كما نعلم جميعًا، بل وبهما أوشكت مصر على الحلول محل الدولة العثمانية في السيادة على المشرق العربي والجزيرة العربية وحوض المتوسط التركي والبلقاني.

بعد هذا الاستطراد الذي رأيته ضروريًا، نعود إلى النقاش الذي أثاره مقال فشير، لنرصد ثلاثة اتجاهات رئيسية فيه:

الأول متشائم تاريخيًا، ويرى أن الجيش المصري بطبيعته يقف ضد الحداثة منذ ثورة عرابي، لغلبة الثقافة الريفية أو الشعبوية المدينية المحافظة عليه، ومن ثم فهو لا يهتم إلا باحتكار السلطة والامتيازات وكبت المجتمع، وبالتالي فليس من المتصور أبدًا أن يتخلى عن ذلك، ليقبل بمشاركة حقيقية قائمة على تقسيم الأدوار الوظيفية في دولة قانون، على أساس من ذلك الحل الوسط التاريخي، أو على أي أساس آخر، فضلًا عن الخروج النهائي من معادلة السياسة والحكم.

ويضيف هذا الفريق «المتشائم» أن العوامل الموضوعية الإقليمية والدولية تعزز هذه الفرضية بقوة، وأن مقال فشير في واقع الأمر هو مجرد نص أدبي تحدوه الأماني، وليس تحليلًا سياسيًا ولا استقراء تاريخيًا.

وفي رأينا أن هذه النظرة المتشائمة تغفل تراث الوعي الذي بلغ مرتبة العقيدة لدى المؤسسة العسكرية المصرية، بعد هزيمة 1967، كما تجلى في كتابات وتحليلات كبار القادة، لأسباب الهزيمة، والتي ركزت على أن الانشغال بالحكم والصراع على السلطة، والانغماس في إدارة الحياة المدنية، والارتباط بمصالح اقتصادية ومالية، كانت هي الأسباب الرئيسية للهزيمة، كما تغفل هذه النظرة أيضًا أن ذلك الوعي عينه كان ولا يزال سائدًا بين أغلب قطاعات المجتمع والرأي العام، ومن ثم فليس من المبالغة القول بإن هذا الوعي قابل للانبعاث مرة أخرى، وبقوة، عندما تفرض الحقائق نفسها.

كذلك فليس في العلوم الإنسانية كلها، ولا في تجارب التاريخ ما يثبت وجود كتلة أو مؤسسة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية مصمتة وصماء، بحيث لا تنفذ إليها عوامل التغيير والتطور دائمًا وأبدًا، وإلا ما كان أغلب المنظرين للاشتراكية مثلًا جاءوا من صميم الطبقتين البرجوازية والأرستقراطية.

أما الاتجاه الثاني فقد ركز على المقارنة بين مصر وبين الدول التي تخلى فيها الجيش عن السلطة للمدنيين، خاصة في أمريكا اللاتينية. وخلص أصحاب هذا الاتجاه الى أن الشروط التي فرضت ذلك في أمريكا اللاتينية ليست متوافرة حاليًا في مصر، وأهمها وجود البديل المدني المنظم، بما أن التنظيمات السياسية والنقابية هناك لم تكن قد تفتتت أو تحللت بالكامل كما هو الحال في مصر، وكذلك ضغوط الكنيسة التي ظلت هي الأخرى قوية، وبعد انحيازها الطويل للرجعية، تحولت بمقتضى «لاهوت التحرير» إلى مساندة الديمقراطية والديمقراطيين، ثم الضغوط الخارجية لقوى الديمقراطية الأمريكية الأوروبية، خاصة مع التحول المدني الديمقراطي في إسبانيا والبرتغال، بما لهما من تأثير ثقافي وسياسي عميق تاريخيًا في أمريكا اللاتينية، خاصة مع ظهور بوادر انهيار الشيوعية الدولية، بآثاره المحبطة للشيوعيين المحليين.

وإذا كنا نسلم بهذا كله، أي بعدم توافر الشروط الكافية لتخلي الجيش عن الحكم في الحالة المصرية، فإن ما لخصناه آنفًا من مقالنا «الحل الوسط التاريخي» ينطلق من الإدراك نفسه لعدم توافر الشروط، لكنه لا يقف عند ذلك، فيفترض أن مواجهة الحقيقة بوعي وحس وطنيين وأخلاقيين ستأتي في لحظة ما، حيث النجاح لا يضمنه سوى النجاح نفسه، والفشل لا يثبته إلا الفشل نفسه، وإذا تذكرنا قولنا السابق توًا بأن تراث الوعي بأسباب هزيمة 1967 لايزال حيًا ينبض، فإن ذلك مما يعزز احتمالات الوصول إلى هذا الحل الوسط التاريخي.

وأما الاتجاه الثالث، فيتألف من معسكرين متناقضين تمام التناقض، أولهما يرى أن كل شيء على ما يرام، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان. وثانيهما يرفض كل الأطراف ويدينها، ويروج لليأس من مصر كلها شعبًا وجيشًا، أفرادًا وجماعات، لذلك فمن البديهي ألا تناقش مثل هؤلاء، لأنهم ببساطة لا يتحدثون بعلم أو بمنطق.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد