من الملل إلى العمل ومن العمل إلى الملل

كنتَ جالسًا تدخن سيجارة، في مكتبنا الجديد أسفل لوحة تحمل كلمات محمود درويش: «هذا البحر لي».

اللوحة عمرها خمس سنوات الآن. رسمها جزء من الفريق المؤسس لـ «مدى مصر» بعد بضعة أسابيع من إطلاق الموقع في 30 يونيو 2013، بما صحبه من تحوّل سياسي جذري في البلاد، وعنف غير مسبوق.

في أغسطس 2013، فرضت الحكومة الانتقالية حظر تجول لاحتواء الوضع بعد الفضّ العنيف لاعتصامات الإخوان المسلمين. كان  الحظر يبدأ في السابعة مساءً، وينتهي في السادسة صباحًا كل يوم. بعد العمل، كنا نتجمع غالبًا في بيت من بيوتنا، بعضنا يطبخ، وبعضنا يرسم لقتل الوقت والملل.

كانت ساعات وجيزة من ملل كنا قد تغلبنا عليه فور تسريحنا كفريق قبل بضعة شهور. خوفًا من أن نصبح بلا مساحة صحفية في وقت كنّا نعرف أن مصر تتغيّر فيه على مستوى واسع، أطلقنا موقعًا على الإنترنت. أردنا أن نكون صحفيين، يوم انطلقنا مع تظاهرات 30 يونيو 2013، لأنه من خلال منظور هذه المهنة ننخرط في السياسة والشأن العام.

كعادتها، أمدتنا الأزمة؛ الأزمة الخاصة بفقد العمل والأزمة العامة بالوضع السياسي الراهن، بما نحتاج له من طاقة لنطلق محاولاتنا للقيام بالعمل الصحفي الجماعي من خلال مساحة جديدة. بفضل هذه المساحة، أصبح الملل بعيدًا. كنا شهودًا على ما يحدث، وما لا يحدث. وعندما لم نكن نؤدي عملنا كشهود، كنا نبني أساسات هذه المنصة، حتى تكون مكانًا أمنًا، وإنما يمتلئ كذلك بالمغامرة و الإمكانية والأمل.

كان في عملية البناء هذه، على هشاشتها، ما يعزينا عن مطاردة وضع سياسي مُحبِط، وراحة ربما نبعت من إحساسنا بالصوابية السياسية، وهو إحساس ناشئ من كوننا حاضرين وفاعلين لشيء ما، بينما كان الكثيرون ينسحبون.

لا أعرف إن كان هذا عزاء، ولا إن كانت الراحة قادمة من عمل الصائب سياسيًا. ولكن هذا العمل يقوم ببساطة على التلصص واختلاس النظر ومتعتهما. التلصص هو لب العمل الصحفي. أتذكر كيف أنني في عام 2009، رفعت كاميرتي عاليًا وسط وابل النار المقبل من كل الاتجاهات، عندما نزلت قوات الأمن المركزي بمختلف أنواع الأسلحة على مجموعة من النشطاء الأجانب الذين كان يحاولون كسر حصار غزة، بالعبور من ميناء العريش المصري رغم رفض السلطات المصرية لهذا العبور. كانت الكاميرا بمثابة درع واق من الرصاصات المطاطية والحجارة الطائرة في الهواء. كانت بمثابة درع واق من الحضور. في ذلك اليوم، حاربتُ خوفي عن طريق التظاهر بأن كل شيء كان يحدث على شاشة كاميرتي الصغيرة.

اليوم، نبلغ من العُمر خمس سنوات، لا نزال نحارب الملل عبر فعل المراقبة والتلصص، وعبر بناء مساحة وجماعة ترسخ لاستدامة هذا الفعل، بينما نتصارع مع معنى وجودنا. هل تنبع المتعة وهزيمة الملل من كون فعلنا السياسي يحوي شيئًا من عدم الحضور، وذلك رغم احتفائنا الدائم بحضورنا وقت انسحاب الآخرين؟ لا أعرف.

ولكن حتى هزيمتنا للملل في خطر. إذا كانت الأزمة هي ما تغذي فعلنا السياسي، وبالتالي محاربتنا للملل، فكيف نقاوم لحظة أصبحت فيها الأزمة شيئا اعتياديًا، لحظة يعيد فيها الملل صياغة نفسه؟

في ذاك اليوم في مكتبي، عندما جلستَ تدخن تحت اللوحة، كنّا نتكلم حول بناء الجمهور كوسيلة محورية لبناء قوتنا. يعجبني كلامنا عن الجمهور وبناء قوة معادية، لأنه يعطي لفعلنا عمقًا سياسيًا أبعد من مجرد محاربة ملل ترسخ حتى في ظل الأزمة. تعجبني أيضًا فكرة أن نكون مسؤولين أمام جمهورنا، وأن نختبئ ورائهم في الوقت ذاته.

كانت ترجمة توسيع قاعدة الجمهور، كبناء قوة، هي التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والالتفاف حول الخوارزميات التي تضع محتوانا في وعي القراء ومتابعة قدر قراءات المحتوى باعتبارها المبادئ الأساسية للإعلام الرقمي. من خلال هذه الأفعال، لم يعد الإنترنت فضاءً للتأمّل والتجريب وللدهشة، كما شهدناه منذ عقدين من الزمان تقريبًا. تحوّل الإنترنت الآن إلى فضاء تحكمه سلطة الشركات الكبرى التي تملي علينا سلوكيات كنّا نحن المتحكمين فيها. أصبح فضاء لكلمات أقل وصور أكثر ومونولوجات أكثر ونقاشات أقل. قلّت فرص التشعب الى أماكن جديدة. وصار علينا البقاء على منصة واحدة، ويا حبذا لو كانت «فيسبوك».

حتى فعل بناء الجمهور على الإنترنت بات مهددًا بالملل. بات بعيدًا مما تعلمته من كتابات كالتي أنتجتها حنا آرندت عن كون الجمهور كيان ظاهر وحاضر وحي، مكونه الأفراد وليس كتلًا افتراضية، نصل لها بحسابات خوارزمية مبنية على التوقع، ذلك التوقع الذي يحوّل مادتنا الإعلامية وجمهورها لعناصر في عمليات اقتصادية مربحة.

هل هناك طريقة يمكننا خلالها كسر فكرة البناء ككيان منتج للعادات؟ أليس كسر العادات أساسيًا لحياة مؤسسة تعيش على ممارساتها الدائمة، وليس من أجل النجاة بجلدها؟

أغازل فكرة أن الملل قد يصبح فضاءً مثمرًا، ومن هنا أنطلق، من باب كسر العادات، لأرضية أقل مقاومة له، في وقت أصبحت فيه الأزمة السياسية هي العملة الجديدة، وأصبح فيه العمل الصحفي عبر منصات إلكترونية خاضعًا للاحتراف والمهنية والخبرة المسبقة أكثر من كونه خاضعًا للاستكشاف والتجريب. ألجأ إلى مسارات فالتر بنيامين المتعرجة حول الحكي. هناك، يربط بنيامين الملل بالنوم، حيث تكون «ذروة الاسترخاء الذهني»، وحيث يدعوه بـ «طائر الحلم الذي يفقس بيضة الخبرة». أحاول تهريب تلك الفكرة لغرفة تحريرنا الصغيرة المنتجة.

أحب فكرة التهريب، تلك التي تعرفت عليها أولًا في مسار صحفي تقليدي أخذني الى حكايات الهجرة «غير الشرعية» عبر البحر والصحراء، والتي اختلست منها بعض ملامح المُهرِّب. كتب المفكر فلوريان شنايدر «في صورة ذئب القيوط»، عن شخص المُهرِّب الذي يسهّل العبور غير القانوني للحدود، خالقًا النموذج المثالي للشراكة، وهو نموذج مشحون بالإمكانات، وكذلك بفوضوية العمل المشترك. كما تحكي الأكاديمية إيريت روجوف عن التهريب كفعل قد تنتج عنه إمكانية إيجاد مساحة ما بين النظرية والممارسة، ما بين الفن والسياسة، وعن إمكانية أن نسكن في تلك المساحات.

كنتُ آمل أن أختم هذا النص بملحوظة حول الانسحاب، كتطوير لأفكار النوم والهجرة والهروب، ولكن مساحتنا الافتراضية سبقتني بانسحابها، حيث حُجب الموقع منذ ما يزيد عن عام. منذ أكثر من عام حدثت أزمة جديدة ترتب عليها حماس وهزيمة جديدة للملل. قمنا بحملة ضد الحجب، وصممنا على استكمال عملنا عبر منصات بديلة، وذهبنا إلى المحاكم، وتجمعنا، وضحكنا. وبعد أكثر من عام، تحوّلت تلك الأزمة، مثلها مثل الأزمة الأم، لواقع مجسد، يومي، عادي، ممل. تحوّلت الأزمة لعملة قاربت على فقدان قيمتها بعد تعويمها.

ربما حان الوقت للتوقف عن الهروب من الملل ولتذكُّر كيف أنه نافذة لغرائب مختلفة لا يمكنها أن تنفتح إلا عبر بعض الأفعال الانسحابية الصغيرة، كاستدعاء شعر في لوحة فنية عن البحر، وكالذهاب إلى «معسكر  المهزومين» عندما تكتظ الشوارع باحتفالات الانتصار، وكقراءة حكمة الموتى والمنتحرين.

اعلان
 
 
لينا عطاالله