الدولة المصرية تقف على حافة القانون في سيناء

في جلسته العامة يوم 6 مارس 2018، أقرّ مجلس النواب، بأغلبية الثلثين مشروع الحكومة المصرية بإجراء تعديل تشريعي على المادة (102) في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، بهدف تغليظ العقوبة على حيازة أو تصنيع أو استيراد مواد متفجرة بغرض الاستخدام في الأعمال الإرهابية؛ كما أضيفت للتعديلات فقرة تنصّ على «معاقبة أقارب العناصر الإرهابية بالسجن و مصادرة منازلهم في حال تسترهم على الجريمة».

أثارت هذه التعديلات جدلًا واسعًا، ووصفها بعض الفقهاء الدستوريين بأنها «غير دستورية وتشرعن لحالة عقاب جماعي»، حيث نصّت المادة 95 من الدستور على أن «العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون»، وهي محصنة بالمادتين 92 و99.

النائب مصطفى بكري، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، برر التعديلات على قانون العقوبات بأنها ستمثل رادعًا، وآلية مهمة لمواجهة الجماعات الإرهابية التي تستهدف الدولة المصرية، وأضاف أن حجم المتفجرات التي عُثر عليها في سيناء تحتم على الدولة تغليظ العقوبات.

نحن إذن أمام تكتيك جديد ضمن المقاربة الأمنية، التي تعتمد عليها أجهزة الأمن المصرية منذ خمس سنوات، في استراتيجيتها لمواجهة الإرهاب وفي ظل قوانين الطوارئ الاستثنائية في سيناء، ولكن هذه المرة بغطاء قانوني يضفي صبغة شرعية على ممارسات أقل ما توصف به هو  أنها غير قانونية، وغير إنسانية، ولا مبرر لها.

في الواقع، فقد بدأ في سيناء هدم منازل أُسر المطلوبين أمنيًا واعتقالهم بلا سند قانوني، أو حتى محاكمات صورية، مبكرًا، وحتى قبل إجراء التعديلات الدستورية بشهور، وزادت حدته مع انطلاق «عملية سيناء 2018» والتي طالب فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باستخدام القوة «الغاشمة».

في ديسمبر من العام الماضي، هدمت حملة مشتركة من قوات الجيش والشرطة سبعة منازل بمدينة العريش، بدعوى أن أفرادًا من سُكّانها مطلوبون أمنيًا، ثم عادت في إطار «سيناء 2018» لتهدم 14 منزلًا وفقًا لمصادر محلية.

دوافع و مبررات النظام المصري

المبرر الأساسي لسياسة هدم البيوت أو التنكيل بأهالي المطلوبين أمنيًا هو الادعاء بأنها تؤدي إلى ردع الآخرين.

هذا المبرر يقوم على شدة وقسوة هذه العقوبة تجاه «الإرهابي» وأبناء عائلته من ناحية، وعلى كونه عقوبة سريعة التنفيذ من ناحية أخرى، وبالتالي ستحقق «ثأرًا» و«انتقامًا» سريعين.

أعرف جيدًا أن مصطلحات مثل «الثأر» و«الانتقام» ليست ضمن قواميس الدولة الحديثة؛ ولكن النظام السياسي الحاكم في مصر يبدو مهووسًا بشكل مفزع بالمقاربة الأمنية في مواجهة القضايا المجتمعية والسياسية، ما ينعكس على تشريعاته و نظامه القانوني، كما أنه يعتمد على حشد قاعدة جماهيرية معبأة بخطاب كراهية وخوف يستخدمهما كجزء من منظومة القهر ضد خصومه، و بالتالي يُطالَب النظام أمام جماهيره بإشباع رغباتهم في الانتقام من مصدر التهديد لأمانهم و استقرارهم. وتلبي سلوكيات مثل التصفية الميدانية للمعتقلين أو هدم المنازل أو التنكيل بعائلة المطلوب أمنيًا هذه الرغبة.

لذلك فمن المهم محاولة تفكيك مبررات مبرمج السياسات الأمنية المصرية لمكافحة الإرهاب عبر الإجابة على السؤال الآتي: هل نحن أمام سياسة فعّالة قادرة على تحقيق الردع أمام العمليات الإرهابية؟

نحاول الإجابة عن هذا السؤال عبر مناقشة محددين أساسيين، و هما محدد المنفعة، والمحدد الأخلاقي.

فيما يخص المحدد المنفعي فإن بناء استراتيجية أمنية تعتمد على العقاب الجماعي، كهدم البيوت أو الحصار الغذائي، من منطلق منفعي، يلزمها إثبات المنفعة المرجوة من تطبيقها، والتي يُفترض أنها ردع الآخرين، وإذا لم يكن كذلك، فلا فائدة من استخدام هذه الوسيلة التي تمسّ بحقوق أُخرى.

فيما يتعلق بمبرر الردع، فالتجارب الأمنية المماثلة أثبتت أن الأضرار الناتجة عن عملية الهدم، أكثر من الفوائد المرجوة منها، حيث تبين أن أثر الردع محدود إذا ما قورن بالكره والعداوة اللتين تترسخان في أوساط المعارضين للفكرة وتشكل لديهم دافعًا قويًا للانتقام المضاد.

لفهم ذلك يلزمنا الرجوع لإطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتحديدًا لفبراير 2005، حيث خلصت لجنة عسكرية إسرائيلية إلى أن سياسة هدم منازل الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات عسكرية ضد إسرائيل غير مجدية في ردعهم عن مواصلة المقاومة، ما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، شاؤول موفاز، إلى الموافقة على توصيات بوقف «مؤقت» لهدم البيوت.

توصلت الدراسة التي أجرتها اللجنة المهنية التي ترأسها الجنرال أوري شني، انطلاقًا من حسابات «الربح والخسارة» إلى أن هدم منازل عائلات الفلسطينيين «لا يشكل رادعاً في غالبية الحالات، وأن الأضرار الناجمة عن الهدم تفوق المكاسب».

وجاءت استنتاجات اللجنة مطابقة لتقرير داخلي للجيش الإسرائيلي، نُشر عام 2003، أشار إلى أنه «لا يوجد أي إثبات بأن هدم البيوت يقلص العمليات»، وإلى أن عدد العمليات الفلسطينية ارتفع بعد قيام الجيش الإسرائيلي بأعمال الهدم، التي أُعلن استئنافها رسميًا، عام 2002، مؤديًا إلى نتائج عكسية بعدما شكل ذلك حافزًا لتنفيذ المزيد من العمليات.

لذلك فإن نتائج مشابهة للتجربة الإسرائيلية، قد تنتج عن الممارسة الأمنية المصرية، خصوصًا في ظل عدم الأخذ بعين الاعتبار للأسباب التي تؤدي إلى تنفيذ العمليات، والأسباب التي تؤدي إلى العدول عن تنفيذها وكذلك الميول النفسية للسكان المحليين في سيناء.

أما فيما يخص المحدد الأخلاقي، فإن التوسع في ممارسات العقاب الجماعي للمدنيين، مثل حصار مدن رفح، والشيخ زويد، والعريش غذائيًا، وهدم منازل عائلات المطلوبين أمنيًا  على يد قوات إنفاذ القانون في سيناء، خلال حملة سيناء 2018، تجعل الدولة المصرية كلها تقف على حافة القانون، بل يمكن القول إنها تضع قدم الدولة في هاوية سحيقة قد لا تستطيع الخروج منه.

أُعدّت سياسة هدم المنازل، بحُكم تعريفها، لإيذاء أشخاص لم يفعلوا جرمًا ولم يُشتبه بهم بفعل جرم، وإنما فقط لكونهم أقرباء لإرهابيين أو لمطلوبين أمنيًا ألحقوا الأذى، أو حاولوا إلحاق الأذى، بعناصر قوّات الأمن، ورغم أنه في معظم الحالات، لا يسكن الشخص الذي جرى هدم منزله بجريرة أفعاله، مع الأسرة أصلًا في وقت الهدم، إمّا لأنّه معتقل بالفعل لدى قوات الأمن أو هارب، ما يعزز فرضية أن هدم البيت هو فعل انتقامي ثأري من قِبل السلطات.

ولكونها كذلك، تشكّل هذه السياسة عقابًا جماعيًّا ممنوعًا، بوصفه انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي التي تُلزم الدولة المصرية.

لا نتحدّث هنا عن مبدأ قانون دوليّ معقّد أو نظريّ، وإنما عن قاعدة أخلاقية-إنسانية أساسية: ممنوع مطلقًا المسّ بأبرياء لا ذنب لهم بجريرة خطأ ارتكبه آخرون. هكذا نجد في سورة فاطر في القرآن: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، وفي التوراة نجد في سِفر التثنية :«لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ، وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ»، وهكذا في ميثاق جنيف: «لا يعاقَب شخص محميّ على أمر لم يفعله شخصيًّا. العقابات الجماعيّة وجميع وسائل التهديد والإرهاب ممنوعة. النهب ممنوع. الردّ بالانتقام من أشخاص محميّين وممتلكاتهم ممنوع».

و أخيرًا فإن الصبغة القانونية التي شرّع بها البرلمان المصري هدم المنازل ستتيح للسلطات المصرية مواصلة تطبيق هذه السياسة دون قيد، ولكن هذا لا يكفي لجعل الهدم الممنهج لمنازل الأبرياء أخلاقيًّا ولا قانونيًّا. وإنما كان كلّ ما فعله هذا التشريع هو أنّه جعل هؤلاء النواب شركاء في الجريمة.

للأسف، يصرّ النظام المصري على أن يسلك طريقًا عكسيًا لمحاربة الإرهاب، ويختار الطريق الأطول والأصعب، و يظل الحل السياسي خارج إطار عقيدة النظام.

اعلان