قناة «الناس»: «الإسلام» كما تراه الدولة
 
 

ظهرت قناة «الناس» لأول مرة، في ثوبها السلفي خلال السنوات الأخيرة من عهد حسني مبارك، متماشية مع نهج أجهزة الدولة في ذلك الوقت، في تشجيع ظهور السلفيين الذين لا يتكلمون في السياسة، ويؤمنون بحرمانية الخروج على الحاكم،  وذلك لسحب البساط من تحت أقدام جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها «الإخوان المسلمين». ولكن بعد ثورة 25 يناير ودخول السلفيين عالم السياسة ونجاحهم مع الإخوان في السيطرة على أغلبية مقاعد مجلس الشعب، دخلت القناة في بحر السياسة كممثلة للتيار الإسلامي بشكل عام، والسلفي بشكل خاص، في ظل تواجد وجوه مثل خالد عبد الله، وحازم صلاح أبو إسماعيل، ومحمد حسين يعقوب.

أيّدت القناة محمد مرسي في انتخابات الرئاسة، وظلت على هذا الموقف حتى تمّ إيقافها يوم 3 يوليو 2013، بالتزامن مع بيان القوات المسلحة لتُباع القناة لاحقًا لشركة «دي -ميديا» (الشركة نفسها تملك مجموعة قنوات دي إم سيDMC)، والتي تشير بعض التقارير لتبعيتها لجهاز المخابرات العامة، لتظهر «الناس» في ثوبها الجديد، وبفكر وطاقم جديدين يجمعان بين الأزهريين والصوفيين، وليتمّ بثها أرضيًا إلى جانب بثها الفضائي.

هذا هو الإسلام

«قناة الناس .. تهدف إلى عرض الإسلام النقي، ونشر الفكر الوسطي، والتصدي للأفكار المتطرفة والهدامة، والمحافظة على منظومة القيم والأخلاق هذا هو الإيمان .. هذا هو الإسلام».

هكذا تصف القناة نفسها، التي غيّرت شعارها من « قناة تأخذك إلى الجنة» إلى «قناة الناس ما ينفع الناس»، لتفصّل محتواها على مواصفات الخطاب الديني كما تفهمه الدولة وهو نشر الفكر «الوسطي» والتصدي للأفكار الهدامة والمتطرِّفة، وهو ما يعني في الواقع تشجيع جهات معيّنة كالأزهر والتيارات الصوفية ليكونوا الأداة المناسبة لمحاربة الإخوان المسلمين والسلفيين المتعاطفين معهم، واعتماد الأزهر كممثل للفكر الوسطي، والتركيز علي الدور الأخلاقي للدين. وتكمن إشكالية هذه الرؤية في مناقضتها نفسها، فبينما تنطلق من  فرضية منع احتكار الدين، تقوم هي بدورها باحتكار مماثل للدين معتبرة الأزهر هو الإسلام، وهو ما يعني أن مَن يعارضه أو يختلف معه خارج الإسلام.

مسلسلات وذِكر وسياسة

ومع تأمل خريطة برامج القناة نلاحظ الاختلاف عن الأشكال النمطية للقنوات الدينية، فنجدها تعرض مسلسلًا تلفزيونيًا بشكل يومي – الخواجة عبد القادر حاليًا- وهو ما يمكن اعتباره محاولة للتقريب بين الفن والدين بعرض المسلسلات التي تتناول شخصية دينية أو يدور موضوعها حول الدين، وأيضًا قد تكون وسيلة لجذب الجمهور المُحبّ للدراما لقناة دينية.

كذلك تهتم القناة بفنون الذِكر والإنشاد الديني والتي تبدو متناسبة مع فكرة «الوسطية»، والميل إلى الصوفية في منهج القناة الجديد، فتستضيف العديد من المنشدين والمداحين والحضرات الصوفية. للثقافة مكان أيضًا في القناة، فهناك برنامج «رحلة مع الكتب» الذي يستعرض كتبًا ثقافية بشكل عام، وليست مقتصرًا على الكتب الدينية فقط.

ورغم أن الانتقادات للقنوات الدينية بعد ثورة 25 يناير كانت تتركز حول خلط الدين بالسياسة، وضرورة الفصل بين القناة الدينية والبرامج السياسية، إلا أن «الناس» في شكلها الجديد، لم تبتعد عن السياسة بشكل كامل، بل أصبح عندها برنامج مماثل للبرامج الحوارية السياسية (التوك شو) وهو «مع الناس»، الذي يناقش القضايا السياسية والاقتصادية بشكل من الواضح أنه مؤيد للنظام بشكل كامل.

كذلك تظهر السياسة من خلال برنامج «تحياتي» للصحفية نشوى الحوفي والمعروفة بتأييدها للنظام الحالي، لتبدو في شكل مناسب للقناة، فهي مؤيدة للنظام الذي بنى شرعيته على تخليص الشعب من «الإخوان»، وفي الوقت نفسه ترتدي الحجاب كأغلب السيدات المصريات، ومن خلال برنامجها تقوم نشوى بدعم وتأييد سياسات السيسي.

ومن الحزب الوطني السابق يظهر العضو المُعين في مجلس الشورى بقرار من حسني مبارك « الشيخ أحمد عمر هاشم» الذي يستكمل مسيرته كشيخ من مشايخ الحكومة كما يطلق عليهم، وتستعين به القناة ربما لجذب مَن تعودوا على متابعته، والثقة فيما يقول.

كذلك تحرص القناة على إعادة إذاعة أحاديث الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي الأكثر ظهورًا على التلفزيون الحكومي المصري في الماضي، وصاحب الشعبية التي تصل إلى حدود القداسة عند قطاع كبير من الشعب المصري، والتي شكلت عبر الزمن خطابًا لا يزعج الأنظمة يمكن الاستعانة به لتهدئة الشعب، وإقناعه بالرضا والهدوء.

الثورة الدينية والناس

مع تردد مصطلحات «الثورة الدينية»، و« تجديد الخطاب الديني» بشكل كبير الفترة الماضية، أصبح واضحًا أن نظام الحكم يسعى إلى عملية تأميم للدين، وقد بدأت مع استبعاد الشيوخ غير الحاصلين على ترخيص من أجل الوقوف على المنابر، ووضع المساجد وجمعياتها الخيرية تحت إشراف الدولة المالي والاداري كذلك، وتوحيد خطبة الجمعة، وتحديد المسموح لهم بالفتوى، وبناء أكشاك للفتوى في مترو الأنفاق. سبق هذه الفترة إغلاق القنوات الدينية المعارضة في يوليو 2013، ثم إبراز دور الأزهر كمصدر وحيد للإسلام وللفتوى. ولكن الهدف الحقيقي من كل ذلك هو مواجهة جماعات الإسلام السياسي وحرمانها من أدواتها المستخدمة في المساجد والمرتبطة بالإسلام.

تبدو تجربة «تأميم» قناة الناس حالة مهمة، ويمكن دراستها للتعرّف على نظرة النظام الحاكم للدين، وخطته المبنية عليها، فيستعين مثلًا بشكل أساسي بالصوفيين كقوة ضاربة لملء فراغ جماعات الإسلام السياسي والوهابي، وذلك بسبب العداء المعروف بين الطرفين، والرغبة الكبيرة التي كانت عند الصوفيين للإطاحة بحكم الإخوان، حيث أيدت رموز ومشايخ الطرق الصوفية نظام السيسي،  بل واستعان الرئيس الحالي بأحد كبارهم وهو المفتي السابق علي جمعة في عدة مناسبات. ويأتي معهم الأزهريون الذين كانوا يشعرون بالضيق من مزاحمة السلفيين والإخوان والدعاة الجدد لهم في المجال الديني. بالطبع يستثني منهم الأزهريين أصحاب الميول الاخوانية والسلفية، كما ينضم للصوفيين والأزهريين بعض الكُتّاب والمثقفين المهتمين بالثقافة الدينية، والقادرين على تفنيد أفكار الجماعات السلفية والاخوانية .

ويبدو المطلوب من رجال الدين هو التركيز على قضايا الأخلاق والمعاملات وسيرة الرسول والأنبياء وفتاوى الميراث والعلوم الدينية، مع الابتعاد عن الاشتباك مع الواقع ومشاكله والابتعاد عن المعارضة السياسية أو أفكار الإصلاح المجتمعي، والاكتفاء بتأييد النظام والدعاء له بالتوفيق .

ولكن ماذا كانت استجابة الجمهور لـ «الناس»  الناس في ثوبها الجديد؟علي موقع يوتيوب يبدو التفاعل مع القناة وأعداد المشاهدين ضئيلة، ما يدّل على أن الجمهور المستهدف لم يقتنع بالتغيرات الجديدة، أو أنه لا يزال علي اعتقاداته القديمة، وأن القناة لم تستطع اجتذاب جمهور جديد ربما لوجود نوع من البرودة والفتور في محتواها بالنسبة لمشاهد تعوَّد علي السخونة والاشتباك في البرامج السياسية وحتي الدينية .

يبدو مشروع الدولة في تأميم الخطاب الديني قادرًا، ولو ظاهريًا على إخفاء الأصوات التي يقف ضدها. ولكنه من الواضح أيضًا أنه غير قادر علي إقناع وجذب المتلقي رغم الإنفاق والدعاية والسيطرة الإعلامية.

اعلان
 
 
محمد يحيى