رحلة مع جمالات شيحة
 
 

ليلة الخميس السابق كانت الليلة الأخيرة  لجمالات شيحة، ورغم عمرها المتجاوز 80 عامًا، كانت مستمرة في الغناء حتى آخر عمرها. رحلت جمالات بعد أن أثرت الغناء الفلكلوري، بألوانه المختلفة، فمن المواويل إلى أغاني الأفراح والعديد، ومن أغاني الأرياف إلى أغاني الموالد، يأخذك صوت جمالات إلى رحلة في الحياة، الحياة دون تعديل، الحياة كما هي بكل ما تحمل من تقلبات.

في رحلة مع صوت جمالات، نحاول أن نستمتع بأغانيها ومواويلها، في رثاء يليق بالرحلة والصوت.

أنا الشرقاوية

على أنغام لحن فلكلوري ريفي، تغني جمالات «أنا شرقاوية يا ولا، سمرا وعفية يا ولا»، أغنية تفخر فيها جمالات بمحافظتها، جمالات من مواليد منيا القمح، محافظة الشرقية عام 1933، تعلمت الغناء من والدها، الذي كان يغني في الموالد، وأمها تتمتع بصوت جيد أيضًا، ومن هنا بدأت هي وأختها رضا احتراف الغناء، ومارسته في قريتها والقرى المجاورة في محافظة الشرقية.

امتازت جمالات بأداء الموال، وساعدها في ذلك إمكانيات صوتها وقدرتها على الارتجال والتنويع في أداء المواويل بصحبة البطانة والفرقة الموسيقية، واستطاعت أن تصبح واحدة من أهم مطربي الفلكلور الريفي والمواويل.

موال «صاحب وصاحب» غناه الكثيرون، كان أشهرهم محمد عبد المطلب، وإلى الآن ما زال يغني، بكلمات وتنويعات متباينة، لكنه بصوت جمالات له خصوصيته، خاص وهي تغنيه دون أي موسيقى. تغني جمالات كأنها تحكي قصة أو تتكلم، تشارِك المستمع ما تشعر به، تبكي إذا شعرت أنها تريد البكاء، تتحدث بين المقاطع مع الجمهور، هنا في هذا التسجيل الخاص، بعد الجملة الأولى «صاحبت صاحب يا عيني وأتاري صاحبي مصاحب» تعلٌّق بكل حزم وثقة من خبر الحياة: «كارثة»، قبل أن تكمل بعدها الغناء بمنتهى البساطة.

يا حلو ليه غيرت رأيك فينا  

عن طريق الصدفة اكتشفها زكريا الحجاوي، ثم ذهب إليها في الشرقية، وضمها للعمل في مسرح المقطم التابع للثقافة الجماهيرية، ثم فرقة الفلاحين للغناء الشعبي عام 1961، ثم فرقة النيل الشعبية. ومع زكريا بدأت تجوب محافظات مصر، ثم العالم، وبدأ الناس يعرفون صوتها وأغانيها، للأسف جيلنا لم يتعرف على جمالات في شبابها، وفي عز قوة وجمال صوتها، ورغم ذلك كانت جمالات قادرة بصوتها الذي أنهكته الحياة، أن تجذب الجيل الجديد لأغانيها وحفلاتها، هنا نستمع لصوت جمالات في مجده، ونأسف لضياع الكثير من أغانيها، أو على الأقل عدم وجودهم على الإنترنت.

يا حلو يا أسمر غرامك فى الفؤاد شبابيك

ومازلنا مع «الحلو»، ومع الصوت في مجده، وأغنية من نوادر الست جمالات، وقدرتها على الانتقال بين الأداءات المختلفة والمقامات المختلفة، تنقلك إلى عالم الغزل الرجالي، دون أن تشعر أنك تستمع إلى سيدة، ومن الفلكلور إلى الغناء للوطن والبلد بكلمات جديدة بطعم الفلكلور، تتحرك بين التراث والمعاصر بكل خفة وثقة، حتى لا تعرف أين الفلكلور وأين المعاصر، وأين إضافات جمالات نفسها، وفي نهاية التسجيل تنتقل إلى أغنية «على ورق الفل دلعني»، ومن الغزل الرجالي إلى غواية نسائية صريحة،. لأغنية «على ورق الفل دلعني» عدة تسجيلات، لكن أعتقد أن ذلك التسجيل من أخف وأكثر المرات التي غنّت جمالات فيها بمزاج، نقلت حالة كاملة وليس غناء فقط.

ياما دقت عالراس طبول

رغم الإجماع على أنها جمالات شيحة، لكن أظن أن هذا التسجيل المنتشر، هو بصوت أختها رضا شيحة، مثلما حدث مع  نسخة أغنية على ورق الفل دلعني، التي اشتهرت مع ألبوم «موزارت ايجيبت»،  والتي يتم التعامل معها على أنها من غناء جمالات، إلا أنها بصوت رضا. لا يرقى اعتقادي لدرجة التأكد فلم أصل إلى دليل قاطع بأنها جمالات أم رضا، خاصة مع غياب تسجيل فيديو لجمالات وهي تغنيها.

على بلد المحبوب

غنت جمالات أغانٍ كثيرة لأم كلثوم، مثل «لسة فاكر» أو «سيرة الحب»، أو «هو صحيح الهوى غلاب»، وهنا مع «على بلد المحبوب»، الأغنية التي بناها رياض السنباطي على الشكل الفلكلوري، استطاعت جمالات أن تعيدها إلى أصلها المستوحى منه، وهكذا فعلت أيضًا مع آخرين مثل فايزة أحمد في أغنية «حمال الأسية».

الصورة الشعبية .. أفراح النصر

مع افتتاح التلفزيون، وبداية تقديم فرقة الفنون الشعبية فيه، نشاهد أوبريت جماعي تحت اسم «الصورة الشعبية .. أفراح النصر»، من رؤية عبد الرحمن الشافعي، وتأليف محمود الهندي، وألحان صلاح محمود، وغناء مجموعة من فطاحل الغناء الشعبي؛ فاطمة سرحان و جمالات شيحة وفهيمة بنت الوادي وعبد الستار شيحة وسامي عزت وزكي أبو حطب، هنا نشاهد ونسمع جمالات وهي ما زالت صغيرة، ونرى قوة صوتها وحضورها الطاغي، حتى في البدايات.

وأنا رايحة الحسين

بالطبع كان بديهيًا أن تغني جمالات مديح للنبي وأهل البيت، وفي «أنا رايحة الحسين»، تقدِّم المديح بشكل ريفي فلكلوري.

رسيني

الأغنية التي كانت بمثابة جسر الوصول إلى الأجيال الجديدة، مع موسيقى فتحي سلامة. تشعر في صوتها بحزن حقيقي، حزن إنسان بسيط، تغني جمالات التي كانت لا تعرف القراءة والكتابة من قلبها. تحفظ الأغاني بالسمع، وتخرج منها  كأنها ولدت بداخلها. يتضح في هذه الأغنية خبرة السنين، بمخزون الفلكلور في جعبتها، الفلكلور الذي قدمته كما هو دون أن تغير فيه، كانت نِعم الرسول الذي أوصل الرسالة كما هي. رحلت جمالات عنّا، لكن صوتها وأغانيها باقية، وكما قالت هي في أحد مواويلها «الدنيا ساعة زمن مالهاش أمان ولا يوم».

اعلان