تحت الحصار.. أن تكون صحفيًا في مصر
 
 
المصدر: صبري خالد
 

منذ تسع سنوات بدأ أحمد خلف، 29 عامًا، عمله كصحفي ثقافي في موقع إلكتروني لصحيفة قومية، وبعد هذه السنوات لا يغطي راتبه من هذه الوظيفة حتى مصاريف أتوبيس مدرسة ابنه.

بعد ثلاثة أشهر من بدء العمل التحق خلف بعمل إضافي في إصدار تابع للمؤسسة نفسها، استمر فيه عامين، لكن حين فكر في الزواج قرر البحث عن عمل إضافي خارجها، فالتحق بقناة تليفزيونية لم يكن المقابل المادي الذي يحصل عليه منها يُكافئ ظروف العمل المرهقة، لكن الوضع تحسن حين وجد فرصة عمل في أحد المواقع اللبنانية.

«لو سبت الشغل اللي جنب شغلي الأساسي، مش هاقدر أدفع مصاريف مدرسة ابني، أنا بآخد في القطعة الواحدة اللي باكتبها للموقع اللبناني ما يوازي مرتبي كله في عملي الأصلي»، يقول خلف لـ «مدى مصر». مضيفًا أن جميع العاملين معه في موقع المؤسسة القومية يعملون عملًا إضافيًا، إما في قنوات تليفزيونية، أو في مواقع عربية وأجنبية، وذلك بسبب انخفاض اﻷجور في المؤسسات القومية.

حكاية خلف هي حكاية متكررة بالنسبة للعاملين في الصحافة في مصر، الذين يعيشون محاصرين بمجموعة من المخاطر على اختلاف أماكن عملهم، بداية من انخفاض اﻷجور، ومرورًا بظروف العمل القاسية وعدم اﻷمان الوظيفي، ووصولًا ﻷخطار تأتي من خارج أماكن العمل، كحجب الدولة لمواقع إلكترونية يعملون بها، أو الخطر اﻷكبر الذي يهددهم؛ الحبس.

بالنسبة لخلف، لا يتعلق اﻷمر فقط باﻷمور المادية، فهو يرى أن مساحة الحرية التي كانت متاحة حين بدأ عمله في المؤسسة القومية أكبر من نظيرتها حاليًا، التي لم يعد يجدها سوى في عمله بالموقع اللبناني، الذي يعتبر أنه يمنحه تقديرًا معنويًا فضلًا عن التقدير المادي، وذلك بنشر مادة صحفية جيدة.

في 2012، أتيحت لخلف فرصة التعيين في المؤسسة القومية، غير أن ظروفًا أسرية منعته من استغلال تلك الفرصة. وحين أصبحت ظروفه مواتية كان باب التعيين قد أُغلق وانتهت معه فرصة الالتحاق بعضوية نقابة الصحفيين.

ولكن يظل العمل المضاعف عبئًا على الصحفي في النهاية، على سبيل المثال، لا يجد خلف وقتًا كافيًا للانتهاء من رواية يود كتابتها، وذلك بخلاف تأثير اﻷمر على الوقت الذي يقضيه مع أسرته، بالإضافة إلى شعور التهديد الذي يراوده دومًا من كون عمله الإضافي غير مستقر بطبيعة الحال، وهو اﻷمر الذي يمنعه من ترك عمله اﻷساسي رغم عدم تعيينه بالمؤسسة.

التهديد الذي يلاحق الصحفيين لا يتغيّر بتعيينهم في مكان العمل من عدمه، كما أنه لا يتغيّر بكون مكان العمل مؤسسة حكومية أو خاصة كذلك.

أوضح تقرير نشره مجلس نقابة الصحفيين في مارس 2015 أن أكثر من 350 صحفيًا تمّ فصلهم تعسفيًا من أماكن عملهم في ذلك العام، منهم 200 صحفي فُصلوا من «الأهرام»، و130 من «اليوم السابع»، و22 من «التحرير»، و15 من «عاجل» الأسبوعية، فضلًا عن آخرين فصلتهم صحف ومواقع إلكترونية أخرى. وفي حين لم تتوافر إحصاءات شاملة أحدث، لم تكن الحالات الواردة في التقرير هي أول حالات الفصل التعسفي، ولن تكون آخرها.

في منتصف العام الماضي، أصدر رئيس تحرير «اليوم السابع» خالد صلاح، قرارًا بفصل عدد من الصحفيين، بسبب انتقادهم رئيس الجمهورية على حساباتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك على خلفية الجدل الذي شهدته البلاد تزامنًا مع توقيع اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي انتقلت بموجبها تبعية جزيرتي تيران وصنافير للمملكة.

لاحقًا، وبعد إدانات من عدد من المنظمات لقرار الفصل التعسفي، أعادت شركة«إعلام المصريين»، مالكة صحيفة «اليوم السابع»، 15 من الصحفيين المفصولين للعمل، ولم تطبق اﻷمر نفسه على ثلاثة صحفيين كانوا قد تقدموا لنقابة الصحفيين بشكوى ضد الصحيفة.

عبد الرحمن مقلد، 32 عامًا، هو واحد من هؤلاء الصحفيين الثلاثة، يعمل حاليًا بشكل حرّ مع صحيفة عربية بعد 11 عامًا من العمل في الصحافة، قضى منها عشرة أعوام في «اليوم السابع» التي كان يعمل في الديسك المركزي بها قبل فصله.

في 14 يونيو 2017، شهد محيط نقابة الصحفيين مظاهرات سلمية معترضة على إقرار البرلمان للاتفاقية بين مصر والسعودية، ألقت قوات اﻷمن القبض على عدد من المشاركين في تلك المظاهرة، كان مقلد من بينهم، يقول لـ «مدى مصر»: «بعد ما قضيت أربعة أيام في الحبس، خرجت بكفالة 10 آلاف جنيه، دفعتها من جيبي، رغم إن كان معايا ما يثبت إني كنت بغطي للجرنال، بعد رجوعي للشغل، ابتديت أحس إن أجواء العمل بقت سيئة. بعد وقت استدعى خالد صلاح أربعة صحفيين بالموقع، أنا من ضمنهم، وكنّا فاكرين إننا هنترقى، بحكم كفاءتنا ومناصبنا، لكن اكتشفنا إن اللي بيجمعنا هو توقيعنا على بيان وقع عليه 1600 من أعضاء نقابة الصحفيين يطالب الرئيس بعدم التصديق على اتفاقية تيران وصنافير».

يستكمل مقلد: «بعد انتظار ساعات دخلت مكتب خالد صلاح، قالّي إنه ما بقاش يملك هذا الجرنال، وإنه بقى مملوك للرئيس عبد الفتاح السيسي، وإنه مش قراره. لكن مطلوب منه يفصلنا بسبب توقيعي على البيان، وكمان اللي بكتبه على فيسبوك، وقالّي إنه عشان ما يفصلنيش لازم أمضي على إجازة بدون مرتب».

رفض مقلد واثنان من زملائه التوقيع على الإجازة، وتقدموا بشكوى في نقابة الصحفيين، وحدثت ضجة إعلامية حول الأمر، بحسب مقلد. كما تقدم الصحفيون الثلاثة بمذكرة للجريدة برفض الإجازة، وأنهم يرغبون في العودة إلى العمل، لأن يحتاجون إلى الدخل، فكل واحد منهم لديه أُسرة.

بحسب مقلد، أعقب ذلك أن استدعاهم صلاح مرة أُخرى واتهمهم بإثارة مشكلة بعد نشر الأمر بصحف مصرية ولبنانية، وأخبرهم بأنهم مفصولين، قائلًا لهم: «خلّي النقابة تنفعكم».

وفي اليوم نفسه قابل صلاح ثلاثين صحفيًا آخرين وقّعوا على بيان المطالبة بعدم التصديق، وأخبرهم أن الإدارة لا تريدهم في المكان.

بعد هذا الموقف أقام مقلد وزميلاه دعوى قضائية ضد فصلهم تعسفيًا، بينما شكلت النقابة لجنة تفاوض ودية لإعادة الصحفيين. وحين لم تستجب المؤسسة، شكلت النقابة لجنة تسويات، بينما اتهمت المؤسسة المفصولين بأنهم عملاء لإيران. ومع رفض إعادة مقلد وزميله أسوة بباقي الصحفيين الذين أعادتهم إدارة الجريدة للعمل، قامت النقابة بتحويل صلاح للتحقيق.

عضو مجلس نقابة الصحفيين، عمرو بدر يصف حالة «صحفيي اليوم السابع» بأنها سياسية، في مناخ «ضد أي حد عنده رأي». ولكنه يرجع المشكلة بشكل عام إلى غياب تشريعات حديثة تنظم عمل الصحافة، وذلك في ظل قانون تنظيم الصحافة الصادر في 1996، والذي يصف بدر لغته بالقديمة، مضيفًا أنه لا يساعد في حل مشكلات الصحفيين الاقتصادية، مثل الفصل التعسفي أو مشكلات الأجور، فضلًا عن عدم وجود قانون لتنظيم أجور الصحفيين، ما يترك الصحفيين المصريين يعانون من انخفاض هيكل الأجور، أو عدم انتظامها، أو انخفاض قيمتها خاصة بعد قرار تعويم الجنيه نهاية 2016.

في مطلع العام الجاري، حصل مقلد على حكم قضائي، أول درجة، باستحقاقه تعويضًا قيمته 135 ألف جنيه، في القضية التي أقامها بحق المؤسسة، وهو الحكم الذي لم يتمّ تنفيذه بعد، انتظارًا لصدور حكم نهائي، وهو الحكم نفسه الذي ينتظره مقلد لإنهاء حالة عدم الاستقرار الوظيفي التي يعيشها منذ فصله.

فرغم عمل مقلد في عدة مواقع وصحف، إلا أن أيًا منها لا يستطيع تعيينه مع استمرار تبعيته لـ «اليوم السابع» حتى الفصل في القضية.

في حين دعمت نقابة الصحفيين مقلد وزميليه في قضية الفصل التعسفي التي ينظرها القضاء، لم يتمّ التحقيق مع صلاح حتى اﻵن رغم قرار النقابة بإحالته للتحقيق.

من جانبه، يقول بدر إن للنقابة دور جيد في القضايا الاقتصادية التي تخص الأجور، أو الفصل التعسفي، بعكس قضايا الحريات، خاصة وأن المشكلات الاقتصادية والإدارية التي تعتبر أكثر تعقيدًا، وتكرارًا من قضايا الحريات كذلك. ويوضح أن النقابة تتدخل وديًا في التفاوض أو كطرف أمام القضاء، لكنه يشير إلى أنه لو كانت هناك قوانين تنظم علاقات العمل لكان تدخل النقابة بشكل أبسط دون الحاجة للجوء للقضاء من اﻷصل.

فيما ينقل الحديث إلى الحماية النقابية للصحفيين، قائلًا: «في كارثة اسمها غلق جدول المنتسبين، اللي كان موجود لغاية عشر سنين فاتت، لإدخال شباب الصحفيين لحمايتهم نقابيًا، بس النقابة قررت ترمي ولادها، وتتغافل عن عشرات المواقع الإلكترونية، اللي صحفيينها ومصورينها همّا اللي شايلين المهنة، وهمّا اللي بيشتغلوا على الأرض، من غير حماية نقابية».

وفي حين يمنح قانون النقابة العضوية للصحفيين المعينين في المؤسسات الصحفية المرخصة وفقًا لقانون تنظيم الصحف، كان جدول الانتساب يسمح لغير هؤلاء بالحصول على إثبات عملهم بالمهنة، دون الحصول على باقي مزايا العضوية من بدلات أو خدمات أو حق التصويت والترشح في انتخابات النقابة.

بخلاف الأزمات الاقتصادية والإدارية، وبشكل يتماس مع أزمات الحريات، أصبحت المواقع الإلكترونية في مصر معرضة لخطر جديد، وهو الإجراء الذي بدأ في مايو من العام الماضي حين تم حجب 21 موقعًا، من بينها مواقع مصرية.

ومنذ ذلك التاريخ ارتفع عدد المواقع المحجوبة في مصر إلى 500 موقعًا، ورغم تصريح مصادر أمنية أن حجب المواقع أتى «لتضمنها محتوى يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمد نشر الأكاذيب»، لم تعلن أي جهة رسمية أنها المسؤولة عن الحجب.

الدفعة اﻷولى للمواقع المحجوبة شملت مواقع، «مدى مصر»، و«مصر العربية»، و«المصريون»، و«محيط»، و«البورصة»، و«ديلي نيوز»، واﻷخيرين يتبعا شركة «بيزنيس نيوز» التي يترأس مجلس إدارتها مصطفى صقر، الذي كان قد صدر قرار بالتحفظ على أمواله في ديسمبر 2016. وعقب قرار الحجب أصدرت لجنة «التحفظ على أموال جماعة الإخوان المسلمين» قرارًا بتعيين لجنة من مؤسسة أخبار اليوم الصحفية الحكومية لإدارة شركة «بيزنيس نيوز».

عماد السيد مدير التحرير السابق لموقع «ديلي نيوز» يقول لـ «مدى مصر» إن الصحيفة مرّت بثلاث مراحل، اﻷولى هي الحجب والتحفظ على الأموال، وتلى ذلك المرحلة الثانية وهي حدوث أزمة مالية «تحملناها مع بعض»، وكانت لجنة أخبار اليوم هي المرحلة الثالثة التي استقرت فيها الأوضاع، بحسب السيد.

على المستوى الشخصي، يقول السيد إنه في ذلك الوقت كان يخطط لترك الصحيفة لبدء مشروعه الإعلامي الخاص. لكنه اضطر للانتظار لعام كامل بعد المحنة التي تعرضت لها المؤسسة التي يعمل بها، حتى تركها في يناير الماضي.

ويضيف: «الموضوع كان خراب بيوت، المؤسسة فيها 230 شخص، وكل شخص عنده أُسرة. وحجب ديلي نيوز ما لهوش تفسير، لأننا مثلًا سبق ونشرنا مقالتين للرئيس السيسي قبل كده، وده معناه إن في تحريات أمنية اتعملت عننا وقتها، وأنا أعتقد بشكل شخصي إن الحجب، رغم إنه مرفوض، هو اعتراض على جزء من المحتوى، مش على المؤسسة، خصوصًا إننا بيتمّ دعوتنا لفعاليات تخص القوات المسلحة، بخلاف إني معتمد محرر عسكري من 2015».

في حين استمر صحفيو «ديلي نيوز» في عملهم مع وجود لجنة الإدارة، عانى العاملون في مواقع إلكترونية أُخرى من ظروف أكثر قسوة، مثلما حدث لصحفيي «مصر العربية»، و«المصريون»، الذين خسر الكثير منهم أعمالهم بعد الحجب.

كان رئيس تحرير «مصر العربية»، عادل صبري قد قال لـ «مدى مصر» في يوليو الماضي إن الموقع يمرّ بأزمة مادية قد تدفعه للإغلاق، وأن حجب الموقع داخل مصر وضغوط الجهات الأمنية على المعلنين المتعاملين معه من الأسباب الأساسية  التي قد تؤدى إلى قرار الغلق. كما أشار إلى أن إلى أن أحد العاملين في جهة أمنية، قال له مباشرة قبل أشهر «إنهم سيدفعونه للإفلاس، ومن ثم الإغلاق مرغمًا دون التدخل المباشر من قِبلهم».

فيما يشير عضو مجلس نقابة الصحفيين عمرو بدر إلى ما حدث مع «المصريون» بقوله: «جرنال مصري بترخيص من المجلس اﻷعلى للصحافة، وكان بينزل السوق عادي، موقعه اتحجب، ومشوا ناس عشان يقلّلوا الميزانية. عدد قراء الموقع قَلّ، ورغم إن الجرنال لسه بيتطبع بس سقفه نزل، واتمنع من الطباعة أكثر من مرة».

ويعقب بدر قائلًا إن قرارات الحجب الصادرة كانت غريبة ومفاجئة، فجعلت هذه المواقع تفقد الاعلانات. كما أوقفت طبع الصحيفتين، فكانت النتيجة أزمة مادية، حيث ظل العاملون شهرين كاملين دون مرتبات، حتى تقدموا بتظلُّم للنقابة التي قررت صرف إعانة رمزية للصحفيين قبل رمضان الماضي. ويوضح أن الحجب «قرار أمني وما لوش علاقة بالمهنية».

في أبريل الماضي، اقتحمت قوات اﻷمن مقر موقع «مصر العربية» بدعوى فحص تراخيص أجهزة الكمبيوتر الموجودة به، قبل أن تلقي القبض على رئيس التحرير الذي اتهمته بإدراة «الموقع بدون ترخيص بالمخالفة للقانون الخاص بتنظيم الإتصالات ورفع المحتوى على شبكة المعلومات الدولية بدون ترخيص»، وذلك رغم كون الموقع تابع لشركة مرخصة، حسبما يقول عمرو بدر، وبعد يومين من القبض عليه حُبس صبري بتهمتَي «التحريض على التظاهر»، و«نشر أخبار كاذبة»، وما زال قيد الحبس حتى اﻵن.

بحبسه انضم عادل صبري لقائمة من الصحفيين المصريين الذين تمّ حبسهم لفترات متفاوتة، بتهم تتعلق أغلبها بنشر أخبار كاذبة.

كان مصدر في منظمة مراسلون بلا حدود قال لـ «مدى مصر»، في أبريل الماضي، إن هناك حوالي 32 صحفيًا محبوسًا في مصر، ﻷسباب تتعلق بالعمل الصحفي. فيما احتلت مصر الترتيب 161 من بين 180 دولة في مؤشر الصحافة لعام 2017، والذي تصدره المنظمة التي وصفت في تقريرها مصر بأنها «واحدة من أكبر السجون للصحفيين».

حين بدأت عملها بالصحافة منذ حوالي تسع سنوات، لم تكن مي الصباغ، 28 سنة، تتوقع أن تكون واحدة من الصحفيين المحبوسين في مصر.

في إطار عملها كصحفية حرّة، كانت مي تعمل برفقة مصور صحفي على تقرير ثقافي عن ترام الإسكندرية، في فبراير الماضي، وخلال العمل الميداني فوجئت الصباغ بمخبرين يطلبون منها هي وزميلها مرافقتهم لقسم الشرطة. كانا وقتها قد أوشكا على الانتهاء من التقرير بعدما تحدثا مع محصلين ومسؤولين ومجموعة من الركاب في إحدى المحطات.

في الطريق قال المخبرون إن مي وزميلها ربما يدفعان غرامة تصوير دون تصريح، أو يقوم أفراد الشرطة بمسح الصور من الكاميرا، غير أن الوضع تغيّر حين وصلا لقسم الشرطة، «قعدنا سبع ساعات مستنيين في القسم، وبعدين جالنا ظابط أمن وطني حقق معايا ساعة ونص، ومع زميلي ساعة ونص. واتعملنا محضر وبيتونا في القسم»، حسبما تقول مي الصباغ لـ «مدى مصر».

وتستكمل: «تاني يوم اتعرضنا على النيابة، ولقينا اتهامات انضمام لـ 6 أبريل، وتلقي تمويل خارجي، ومزاولة مهنة الصحافة بدون تصريح والتحريض على قلب نظام الحكم».

استلزم اﻷمر عشرين يومًا، منها عشرة أيام في سجن دمنهور، قبل إخلاء سبيل مي الصباغ بكفالة على ذمة القضية، وهو ما جعل حظها أفضل من صحفيين آخرين مثل المصور الصحفي محمود أبو زيد، الشهير بـ «شوكان»، والمحبوس احتياطيًا منذ 14 أغسطس 2013، بعد توقيفه أثناء تغطيته فضّ اعتصام رابعة العدوية، والذي منحته منظمة اليونسكو الشهر الماضي جائزة حرية الصحافة العالمية لعام 2018، قبل شهور من إتمامه عامه الخامس داخل السجن.

المصدر: أيمن عارف

لا يتعامل القانون مع مي الصباغ كصحفية، وذلك لأنها ليست عضوة في نقابة الصحفيين، رغم السنوات التي قضتها في ممارسة المهنة. وترى مي أن انتمائها للنقابة لم يكن ليمنع حبسها، «عضوية النقابة ما كانتش هتمنع حبسي، لأن الحبس اتكرر مع أعضاء نقابة، لكن على الأقل كنت هـ ألاقي مظلة قانونية، لأن اللي وقفوا جنبي من مجلس النقابة عملوا كده بشكل شخصي.. النقابة مسؤولة عن إن قوانين العمل الصحفي قديمة، وإنها ما بتعترفش بالمواقع الإلكترونية رغم إنها بقت منتشرة أكتر من الصحافة الورقية».

بدوره، يؤكد عماد السيد أن موقف نقابة الصحفيين كان ضعيفًا في الدفاع عن المواقع المحجوبة، وأن مَن تدخل فقط هم بعض أعضاء المجلس.

كما يرى أن هذا الضعف، بالإضافة إلى غياب المهنية وطغيان الموقف السياسي، سواء معارض، أو موالي للنظام، على المهنة، سمحا للدولة، التي ترى نفسها في مرحلة بناء ولا تسمح بأي وجهة نظر لا تدعمها، بالتضييق على ممارسة العمل الصحفي.

أما عمرو بدر، فيرى أن المشكلة اﻷكبر في المناخ السياسي المعادي للحريات، وبالقلب منها حرية الصحافة، لذا تقوم السلطات بحجب المواقع أو حبس الصحفيين، رغم أن الدستور يمنع حبس في قضايا النشر، إلا في حالات معينة، وهي التحريض على العنف، التمييز، أو الخوض في الأعراض.

ويضيف بدر أن السلطة الحالية ليس لديها إيمان بالإعلام ودوره، وأنها مقتنعة أن المجتمع بأكمله عليه أن يردد نفس خطابها، «لا يستطيعون التفرقة بين الإعلام والشئون المعنوية، همّا عايزين الإعلام يتحول لنشرات، ما يكونش فيه كلام، أو نقد، أو تفكير، وبالتالي الجهات اللي بقت تدير الإعلام هي جهات أمنية ليس لها علاقة بالإعلام».

ويختتم بأن هذا هو أسوأ عصر تعيشه الصحافة المصرية، ومن غير الواضح إلى متى سيستمر هذا الوضع، من حبس صحفيين، وحجب مواقع، ومنَع كُتّاب من الكتابة، بالإضافة إلى إصدار أحكام قضائية ضد الصحفيين.

أما مي الصباغ، فترى أن قرار حبسها كان سياسيًا، يستهدف التضييق على الصحفيين الذين يعملون في الشارع، فالدولة، من وجهة نظرها، لا تريد من الصحفيين النزول للشارع والتحدث مع المواطنين.

وتضيف: «إحنا في دولة لا تحترم الصحفيين، ولا حقوقهم، ولا أمانهم الشخصي، وجزء من ده غياب الاستقرار المادي اللي المفروض تقدمه النقابة عشان الصحفيين ما يبقوش تحت ضرس إدارات تحرير مؤسساتهم».

اعلان
 
 
هدير المهدوي