في استراتيجية مصر 2030: لا أحد يرى العمال!

في رواية «الساعة الخامسة والعشرون»، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، والتي ترجمها للعربية فائز كم نقش، ينتقل الفلاح الروماني إيوهان موريتز من معتقل لآخر في بلد آخر، يباع كالعبيد، ويتعرض للعديد من الإهانات العنصرية، حتى يستقر به الحال عاملًا في مصنع للأزرار في ألمانيا، حيث يقول له الموظف هناك: «تهذيب، طاعة، نظام! تلك هي الرموز التي ينبغي أن يلتزم بها العمال الأجانب. إننا نخمن كل ما يمر برأسك من خطرات وأفكار، ونلتقط صور آرائك وأفكارك عشرات المرات في اليوم».

يحمل موريتز الكراتين الثقيلة، ويبدأ العمل وهو يفكر في ماهيتها وفيما عساها أن تحمل داخلها، حتى يتشتت انتباهه فيُسقط صندوقًا حاول حمله من الأرض.

يعى موريتز الدرس جيدًا، ولا يعود، بعد خمسة أشهر من العمل الآلي، يسقط شيئًا، لينقطع في النهاية عن التفكير والأحلام، ويفقد حب الاستطلاع، تخلو رأسه من أي نوع من الصور؛ فارقته الأحلام والأفكار، فلم يعد يفكر حتى في عمله، أصبحت دماغه قرب الصناديق، لصق الآلة.

رغم أننا لم نصل لهذا الوضع بعد، إلا أن الإنسان العادي الفقير لدينا مجرد رقم في إحصاءاتهم، وترس في آلاتهم، يمكن إبدال بهم ترس آخر عندما يعطب، دون الشعور بأي تأنيب ضمير، لكونه وأسرته سيجوعون ويتعرون، كما لا يهتم أحد أيضًا بصيانته والحفاظ عليه كما يفعلون مع الآلات.

هناك ملايين من البشر تنتظر فرصة الدخول لتصبح تروسًا جديدة تُستعمل بدون رعاية حتى تهلك فُترمى تستبدل بها تروس جديدة.

المهم أن تدور ماكيناتهم لتدر عليهم ملايينها.

***

امتلأت استراتيجية «مصر 2030» بالشعارات الرنانة، مثل العمل على التنمية المستدامة والتي توفر عملًا لائقًا، بما يوحي بأن خططًا قد وُضعت لإيجاد قوانين عادلة للعمل، وبأن العمال سيتقاضون أجورًا عادلة تكفيهم وأسرهم للعيش بدون عناء، ولن يُفصلوا من أعمالهم تعسفيًا، وسيتمكنون من رؤية أبنائهم والجلوس معهم والخروج معهم للتنزه والترفيه، لأنهم لن يعملوا ساعات عمل طويلة ومرهقة بالمخالفة للقانون، وأن نقابات حقيقية تمثل العمال وتدافع عن حقوقهم ستُنشئ.

كما تعد الاستراتيجية أبناء العمال بمدارس حقيقية يستمتعون فيها وهم يتلقون العلم، وبمستشفيات تقدم لهم ولأهلهم العلاج حين الحاجة إليه، وأن نصيب كل منهم من الناتج المحلي الإجمالي سيصل عام 2030 لمصاف الدول المتوسطة، وقُدّر بعشرة آلاف دولار أمريكي، أي بما يزيد على 160 ألف جنيه!

ولكن بالقراءة المتأنية للاستراتيجية، نستطيع بوضوح أن نرى أنه لم توضع أي خطط تجعلنا نصدق إمكانية تحقق هذا.

فرغم ما جاء في تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والمعنون بـ«مصر في أرقام: 2016»، في الربع الأخير من عام 2015، من كون عدد من يبلغون سن العمل (من 15- 64 عامًا) 64.7 مليونًا، وأن قوة العمل كلها تبلغ في مصر 28.3 مليون شخصًا، وأن عدد المشتغلين 24.7 مليون مشتغلًا (ورغم انتقادنا لتعريف المشتغل بأنه هو «من عمل ولو لساعة واحدة في أسبوع الإحصاء»)، إلا أن «استراتيجية التنمية المستدامة: مصر 2030» التي وُضعت عام 2016، لم تفرد للعاملين ولا لحقوقهم المرتبطة بالعمل قسمًا خاصًا بهم، في الوقت الذي أفردت فيه لما يخص الاقتصاد والاستثمار والمستثمرين عشرات الصفحات؛ مثلًا، أفردت لمؤشرات التنمية الاقتصادية وحدها 55 صفحة، بينما لم يتعد نصيب الحق في الصحة والحقوق الثقافية الخمس صفحات فقط لكل منهما، وكان نصيب العدالة الاجتماعية سبع صفحات فقط.

لم يأت ذكر العمال وحقوقهم في الاستراتيجية إلا في عبارات عامة، وفي كل من مؤشرات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ونوردها هنا على سبيل الحصر، فضمن الأهداف الثمانية لاستراتيجية التنمية الاقتصادية جاء هدف «توفير فرص عمل لائق ومنتج»، وفي تعريف الهدف جاء «خفض معدل البطالة ومضاعفة معدات الإنتاجية».

حصرت الاستراتيجية حقوق العمل تقريبًا في مشكلة البطالة، وهي مشكلة حقيقية تؤرق كل الاسر المصرية، ولكن الأهم هو كيف ستحلها الحكومة، وكيف ستحقق مستهدفها والذي وضعته ضمن المؤشرات الكمية، وبمفاده فسيُخفّض معدل البطالة من 12.8%، ليصل  في عام 2020 إلى 10%، ثم 5% في عام 2030.

الخوف هو من التلاعب بالأرقام لتخفيض نسب البطالة على الورق وليس في الواقع.

هناك فجوات واضحة في إحصائيات البطالة الحكومية، نذكر منها على سبيل المثال عدد سكان مصر طبقًا لـ«مصر في أرقام 2016»، وهو 90.1 مليون نسمة، ضمنهم 45.9 مليونًا من ذكور، و44.1 مليونًا من الإناث، وهي تقريبًا نفس النسب فيما يتعلق بكافة الأعمار، ومنها من هم في سن العمل (15 سنة فأكثر).

ولكن طبقًا لنفس التقرير فإن القوى العاملة من الذكور في الربع الأخير لعام 2015، لا تبلغ سوى 21.9 مليونًا، بينما القوى العاملة من النساء لا تبلغ سوى 6.5 مليونًا فقط، ولا نعرف أين ذهبت بقية النساء؟

يبدو لنا هنا أن التعريف الذي يستبعد الملايين، وفي المقابل يجعل من يعمل لمدة ساعة واحدة في أسبوع الحصر لديه فرصه عمل، هو طريقة الحكومة لتخفيض حجم البطالة على الورق.

ضمن برامج الحكومة لتنفيذ أهدافها أتت سياسات التشغيل، التي أفادت أنها تستهدف زيادة الطلب على العمل وتطوير المعروض من العمل وتحقيق التوازن بين الطلب والعرض من خلال سياسات سوق العمل الفعّالة. ووُضعت لذلك سياسات للأجلين القصير والطويل.

تضمنت سياسات الأجل القصير برامج الأشغال العامة، التي ينفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية، بالتعاون مع البنك الدولي وعددٍ من المؤسسات المانحة في محافظات الجمهورية، وسياسات سوق العمل الفعّالة والتي تتولى وزارة القوى العاملة، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، صياغة برامجها، والتي أوجزتها الاستراتيجية في «ربط العمل بالتعليم والتدريب والتأهيل وتشجيع ريادة الأعمال وتأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة بهدف توفر مزيدٍ من فرص العمل وتضييق الفجوة بين عرض العمل والطلب عليه.»

أما سياسات الأجل الطويل، فجاء فيها إجراء إصلاحات هيكلية من شأنها التأثير إيجابًا على سوق العمل، والعمل على رفع معدات نمو النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص، وإصلاح منظومة التعليم والتدريب، على النحو الذي يؤدي لرفع معدل إنتاجية العمالة، ومعالجة التفاوتات بين الأجور في الحكومة والقطاع العام والخاص، وتعزيز المرونة داخل سوق العمل ودعم العمل اللائق من خلال برنامج «العمل اللائق» الذي تتبنّاه وزارة التخطيط، والمتابعة والإصلاح الإداري مع منظمة العمل الدولية، بالإضافة لدعم سياسات الاقتصاد الكلي التي تساعد على توفير فرص عمل لتوظيف الشباب، خاصة في القطاع الخاص، والتركيز على توفير فرص عمل في قطاع الخدمات لذوي المهارات العالية، وتعزيز الإرشاد المهني وخدمات التوظيف العامة للمساعدة على توجيه الشباب نحو المهن الفنية التي تتطلب عمالة بشكل أكبر، بالإضافة إلى مراجعة قانون العمل والتأمينات الاجتماعية، ما يحقق التوازن بين العمال وأصحاب الأعمال.

ولكن، ورغم كل هذا، فكل القوانين التي تُراجع أو تُسن الآن، تعد تراجعًا في حقوق العمال لصالح أصحاب الأعمال، ولدينا أمثلة كثيرة، منها قانون الخدمة المدنية وقانون النقابات، وقانون التأمين الصحي.  ففي كل المسودات التي طُرحت لتعديل قانون العمل، وجدنا أنه منذ بداية عام 2014 وحتى الآن، جرى التوسع في وكالات الاستخدام، والتي تزيد من العمالة غير الرسمية في المنشآت الرسمية، بالإضافة للانتقاص من الأجور، وغيرها من الاعتداءات على حقوق العمال.

لم تطرح مسودات كل هذه القوانين على العلن، وكأنها سر من الأسرار الحربية، ولا بد لمن يريد الحصول عليها من الالتفاف والبحث عمن يعطيها له ممن تصلهم في الخفاء. فعلى صفحتها في فيسبوك، كتبت الدكتورة منى مينا: «طلبنا نص مشروع قانون التأمين الصحي الجديد، بكل الطرق الرسمية و الودية، مرارًا و تكرارًا… و لم نصل إلا لهذه التسريبات»، وذلك قبل أن يدعوهم مجلس النواب لمناقشة القانون، وإبداء رأيهم فيه، والذي لم يأخذوا سوى بتعديلات طفيفة منها، طبقًا لمنى مينا، بينما تُرك جوهر القانون كما هو.

 يأتي ذلك بالمخالفة لما ذُكر في الاستراتيجية، في «برنامج إرادة»، من «الالتزام بالشفافية وإتاحة وصول المعلومات للجميع والتشاور الجاد مع الأطراف المعنية».

كذلك بالمخالفة لعناصر المشروع الخمسة الأساسية للبرنامج، ومنها «العمل على إرساء آلية للتشاور والحوار المجتمعي البناء لمراعاة مصالح جهات الإدارة ومجتمع الأعمال والمجتمع المدني، مما يساعد على إرساء قواعد الشفافية وإيجاد آلية لتلقى آراء المعنيين والمتأثرين بالسياسات الحكومية»، وكذلك «إدخال نظام تقييم الأثر التشريعي قبل وبعد صدور التشريع من الناحية القانونية والاقتصادية المرجوة من التشريع ودراسة البدائل المختلفة لعرضها على متخذ القرار، بما يضمن جودة التشريعات الاقتصادية والتنمية المستدامة.»

بل لقد تجاهلت الحكومة، كما تجاهل مجلس النواب، حتى رأي اتحاد نقابات المهن الطبية، الذي يضم نقابات الأطباء البشريين، وأطباء الأسنان، والصيادلة، والأطباء البيطريين، وتجاهلت اعتراضهم على مشروع القانون، الذي اعتبروه مخالفًا للدستور المصري.

كل هذا تجاهله البرلمان، ولم ينظر فيه، قبل أن يوافق على مشروع القانون في ديسمبر 2017.

ضمن السياسات على المستوى القطاعي، وعددها 13، لم يرد ذكر رأس المال البشري سوى في نقطتين فقط، وهما: تقديم حوافز مالية وضريبية أكثر تنوعًا للمنشآت لتشجيعها على القيام بعملية التدريب، وتصميم برامج للرعاية الصناعية والتلمذة الصناعية، على غِرار النموذج الألماني.

لم تفعل الحكومة فيما يخص حقوق العمال سوى أن وضعتها في جمل مبهمة، ضمنها وضع برنامج للعمل اللائق بالاشتراك مع منظمة العمل الدولية، بينما لم تترك الاستراتيجية شاردة أو واردة تخص المستثمرين إلا وذكرتها بالتفصيل، وبعضها مكرر في أكثر من سياسة، على غرار مثلًا: استكمال البنية التشريعية لتكون أكثر شفافية ولجذب الاستثمارات وتبسيط إجراءات ممارسات الأعمال، وغيرها.

لا يدعو هذا للدهشة، إذا ما لاحظنا عمل الحكومة والبرلمان بهمة وسرعة فيما يخص المستثمرين وما يخص موازنة الدولة، فقد طُبّقت ضريبة القيمة المضافة، وعُدّل قانون الخدمة المدنية، وأُقر قانون التأمين الصحي الذي يفتح الباب واسعًا للشركة في قطاع الصحة، والآن يُناقش قانون الإفلاس.

أما تقرير منظمة العمل الدولية، والمعنون بـ«العمل اللائق في مصر نتائج عام 2016» والصادر في عام 2017، فيشرح ما جرى تنفيذه من أهداف الاستراتيجية، حيث جاء في محور فيه بعنوان «العمل الميداني والإيضاحي المباشر» أن هناك:

«21500 وظيفة شاغرة، و 3200 فرصة تدريب، وفرتها 100 شركة في محافظتي المنيا وبورسعيد، وحصول 500 شاب وشابة على وظائف عمل لائقة في قطاعي الأغذية والملابس الجاهزة من خلال التدريب من أجل التوظيف و برنامج التلمذة المهنية في المحافظتين. وتدريب 1671 شاب وشابة على المهارات الشخصية، كما أصبح 8523 شاب وشابة في محافظتي المنيا وأسوان على دراية بأهداف التنمية المستدامة. وحصل 500 عامل وعاملة على تدريب من خلال المشاركة في مبادرة ‘وظيفتك جنب بيتك’».

نخلص من ذلك إلى أن «برنامج العمل اللائق» لم يرد به ذكر للعمال وظروف عملهم وشروط السلامة والصحة المهنية وكافة حقوقهم، سوى في التدريبات، سواء كانت لموظفي القوى العاملة، أو لبعض العاملين، وأنه بينما ركز البرنامج على التشغيل في بعض المحافظات، فلم يوظّف بالفعل سوى 500 عاملًا وعاملة، وفي محافظتين فقط.

إذا عدنا للإحصائيات الحكومية، فسنجد أن عدد سكان المنيا 5.2 مليون تقريبًا، وعدد سكان بورسعيد 672 ألف نسمة، أي أن مجموع المحافظتين يبلغ حوالي ستة ملايين مواطن، بينما تبلغ قوة العمل في المنيا 1.7 مليون تقريبًا، وتبلغ في بورسعيد 257100، أي أن قوة العمل (ومع تحفظنا على طريقة حسابها وما يجري من استبعاد للكثيرين منها) تبلغ حوالي مليونَيْ مواطنًا في سن العمل.

كما ذكر «تقرير مصر في أرقام: 2016» أن عدد المشتغلين في المنيا يبلغ 372400 مشتغلًا، وفي بورسعيد 44700، وأن عدد المتعطلين في المنيا 214900 متعطلًا، وفي بورسعيد 66700. ما يعني أن عدد من يطلبون العمل ولا يجدونه، طبقًا لإحصائيات الحكومة في المحافظتين، هو281600. أي أن الـ500 عاملًا وعاملة، الذين وظفهم البرنامج، يمثلون نسبة 0.18% من عدد طالبي العمل في المحافظتين اللتين عملوا بها، فيما عُد إنجازًا!

ضمن «سياسات التنمية الاقتصادية» في الاستراتيجية، جاء تغيير أولويات الإنفاق:

«إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتغيير هيكل الإنفاق من خلال تقليل الإنفاق الجاري الموجه للدعم والأجور ومدفوعات الفائدة، مقابل زيادة الإنفاق الداعم للنمو الاقتصادي. ويكون ذلك من خلال زيادة الإنفاق الاستثماري على التعليم والصحة وباقي مجالات العدالة الاجتماعية، ما يتوافق مع النصوص الدستورية ويساعد على تحقيق التنمية المستدامة. ويكون ذلك من خلال عدة محاور، من ضمنها إصلاح منظومة الدعم- احتواء فاتورة الأجور، وذلك من خلال وضع حد أقصى لأجور الحكومة والقطاع العام، ومعالجة التشوّهات التي يُعاني منها هيكل الأجور، وتضييق الفجوات بين الأجور في القطاعات المختلفة».

والكلام في حد ذاته براق، ولكنه ملتبس، فكلنا نعرف قيمة بطاقة التموين، بعد تقليصها للفقراء، ونعرف أن الفقراء ثاروا عندما حاولت الحكومة الاقتراب من رغيف خبزهم، كما نعرف حالة التعليم والصحة وشرحنا النية في خصخصتهما، وبالتالي زيادة الأعباء على أهالي الطلاب والمرضى. كما نعرف أن الحد الأقصى للأجور، ورغم ارتفاعه أصلًا، لم يعد يُطبّق على أحد تقريبًا، بعد الاستثناءات الكثيرة من تطبيقه.

لكن دعونا ننظر لهدف وضعته الاستراتيجية، وهو تقليص الفجوة بين العاملين بالقطاع العام والحكومي والعاملين بالقطاع الخاص، ففي النشرة السنوية لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل لعام 2015، والصادرة في مايو 2016، كان متوسط الأجر الأسبوعي في الإجمالي العام على مستوى الجمهورية في القطاع العام هو 1064 جنيهًا، وفي القطاع الخاص 594 جنيهًا، مع الانتباه لكون هذا المتوسط يجمع بين من يقبضون مئات الآلاف مع من يقضبون مئات الجنيهات.

يبلغ متوسط أجور رجال التشريع والمسؤولين والمديرين في القطاع العام 1556 جنيهًا أسبوعيًا مقابل 49 ساعة عمل، وفي القطاع الخاص 2027، مقابل 56 ساعة عمل.

وفي المقابل، يبلغ متوسط الأجور الأسبوعية لعمال الحرف وتشغيل المصانع ومشغلي الماكينات وتجميع مكونات الإنتاج 697 جنيهًا مقابل 51 ساعة عمل، وفي القطاع الخاص 434 جنيهًا مقابل 57 ساعة عمل أسبوعيًا.

وبالمناسبة، فأجور هؤلاء العمال ليست الأقل، حيث هناك أيضًا العمالة غير الماهرة، والتي تقل أجورها حتى عن ذلك.

ربما قال قائل إن هذه الفجوة مُعترف بها، ووُضع تضييقها في اعتبار الاستراتيجية. لذا لننظر لما حدث في الأجور في القطاعين العام والخاص، منذ وضع الاستراتيجية وحتى الآن، خاصة بعد تعويم الجنيه والضرائب المفروضة ونسب التضخم شديدة الارتفاع، والتي تكاد توصل قيمة الأجور لثلث قيمتها قبل التعويم.

ففي القطاع الحكومي، وعبر قانون الخدمة المدنية، انتُقصت حقوق الكثير من العاملين عبر تثبيت الأجر المتغير، ولم تزد تقريبًا أجور سائر الموظفين من ذوي الأجور المنخفضة أصلًا، خصوصًا في المحليات، أو زادت زيادات طفيفة جدًا لا يسعنا هنا شرحها.

ثم، وبنفس القانون، خفضت العلاوة مما كانت عليه، 10-30 %، في السنوات السابقة، لتصبح 7% فقط سنويًا، وبعد التعويم مُنحت علاوة غلاء معيشة تبلغ 7% أخرى.

وفي القطاعات التي لم يُطبّق عليها قانون الخدمة المدنية من القطاع العام، لم يُمنح العاملين علاوة عام 2016، وفي عام 2017 منحوا علاوتان، قيمة كل منهما 10%، إحداهما دورية والأخرى لغلاء المعيشة، وامتنعت شركات كثيرة في القطاع العام عن تطبيقها بالنسبة لعمال غزل المحلة مثلًا، رغم نص القانون على تطبيقها عليهم.

أما في القطاع الخاص، فمنذ عام 2014 لم يصدر أي قرار أو قانون بمنح العمال العلاوة السنوية، ناهيك عن عدم صدور قرار أو قانون لهم بالحد الأدنى للأجور، أسوة بالعاملين في الحكومة.

هكذا، فعلى خلاف حالة إيوهان موريتز، بطل رواية «الساعة الخامسة والعشرون»، والذي يكاد يتحول لماكينة صماء بلا أحلام ولا خيالات، فإن عمال مصر لا يكادون يكونون مرئيين أساسًا.

لا يرى واضعو هذه الاستراتيجية الملايين من العمال أو غيرهم من الشعب المصري، فهم في الغالب لا يرون إلا أنفسهم ونظرائهم من نفس طبقتهم، كما أنهم لا يعملون حتى على تنفيذ القليل الوارد في الاستراتيجية، بينما يعملون بهمة ونشاط على تنفيذ مطالب ومصالح المستثمرين؛ هم وحدهم المرئيون.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان