الحشد في أغانٍ: هيّا ننتخب ونرقص
الموسيقى المصاحبة لانتخابات الرئاسة 2018
 
 
 

يبدو أنّ أغاني الانتخابات إفراز طبيعي للانتقال من عصر الاستفتاء على استمرار مبارك في الحكم إلى عصر انتخابات الرئاسة ابتداءً من 2005 وحتى الآن. لكنّ طوفانَ 2018 غير المسبوق يمثّل بالتأكيد ظاهرةً جديرةً بالتسجيل ومحاولة الفهم، خاصةً أنّ الأغاني المنتَجة هذا العام تسير في اتجاهَين واضحين: إمّا دعوة الجمهور في حياد إلى المشاركة في التصويت، وإمّا الدعوة إلى انتخاب السيسي بشكل واضح.

     بعد أغنيته «بُشرِة خير» التي أطلقها مواكِبةً لانتخابات  2014 داعيةً المصريين إلى المشاركة في التصويت، خطا حسين الجسمي خطوةً أوسع بإطلاقه أغنية «مساء الخير» قُبَيل موسم انتخابات 2018، والتي أعلن فيها بشكلٍ مباشر عن تأييده ترشيحَ الرئيس السيسي لفترةٍ ثانية.

 اللحن الذي صاغَه محمد يحيى في مقام الكُرد شديد البساطة وقريب الشبَه لمعظم الأغاني الوطنية المنتَجَة حديثًا. ومع الأخذ في الاعتبار أنَّ هناك معادِلًا عاطفيًّا لكلِّ مقامٍ موسيقيٍّ يجعل استخدامَ هذا المقام دون سِواه بمثابة مُثير مُمَوَّه Subliminal Stimulus (مما يعني أنه مثير لا ينتبِه إلى وجودِه المتلقّي رغم أنه يتأثَّرُ به بدرجةٍ ما)، فإنّ اختيارَ الكُرد الشجيّ المرتبط في وعي المشتغلين بالموسيقى العربية،  وفي لاوعي الجمهور العريض، بالأغاني «الرومانسية» ، يُهَيِّءُ استقبالَ المستمعين للكلمات المصاحبة باعتبارِها أقربَ إلى أغنية حُب دافئةٍ شجيّة. وهكذا تبدو الدعوة إلى ترشيح السيسي هي الأمر الطبيعي الذي ينبغي على الجميع أن يُقدِمَ عليه، والفضل يرجع جزئيًّا إلى المقام.

أمّا الكلمات التي كتبها أيمن بهجت قمر لـ «مساء الخير» فمباشِرةٌ تمامًا كما هو واضح، وهو ما قد يكون مناسبًا لأغنية دِعائيّة صريحة كهذه، وإن كان قمر يميل إلى هذه المباشَرة في أغانيه حتى أصبحَت بصمةً مميِّزةً له، وهو في كل أعمالِه يأخذ الأمثال السائرة والأقوال الشائعة على ألسنة الناس ويضعها كما هي في الكلمات «سيبها على الله. عايزينها تروق وتحلى. تبقى عينيه مليانين، إلخ» مفضِّلًا ذلك على تَمَثُّلِها شِعريًّا وتضفيرِها في عملٍ يمكنُنا اعتباره شِعرًا، وهو بهذا يعزِّز مكانَه كـ (كاتب أغانٍ) للاستهلاك السريع جدًّا. ومن ناحيةٍ أخرى فالكلمات تفترضُ إنجازًا متحقِّقًا للرئيس السيسي، وتدعوه لإكمالِه (كمّل بُنا المصانع وبُنا المستشفيات) إلى آخره. ويجيء إخراج (بتول عرفة)  – الذي يرسم ابتسامةً متفائلةً على شفاه كل أبطال الفيديو كليپ عدا الموظَّف المرتشي – دعائيًّا بشكلٍ يصعب الدفاعُ عنه واقعيًّا.

 خطوة الجسمي السابقة كانت «بُشرِة خير» كما أسلفنا الإشارة، وجاءت أيضًا في مقام الكُرد على إيقاع المقسوم الراقص من لحن عمرو مصطفى، وكلمات أيمن بهجت قمر وتوزيع توما. جاهد قمر ليصُبّ الكلمات في عَروض شِعري واضح فجاءت أقربَ إلى البحر الوافر (مُفاعَلَتُنْ مُفاعَلَتُنْ) مع كُسورٍ عديدةٍ تبدأ من السطر الأول للأغنية. الفقرة الأبرز في كلمات الأغنية هي (المناداة) الشعبية على أقاليم مصر: «ونادي ع الصعيدي وابن اخوه البورسعيدي، إلخ». وفي المُجمَل كانت الكلمات أوفرَ حظًّا من الشاعرية من لاحقتِها «مساء الخير»، كما في سَطرٍ مثل «بتكتب بكرة بشروطك – ما توصِّيش السوايسة الدنيا هايصة كده كده، إلخ».

وفي الحقيقة لا يخلو طقس المناداة من ذكاءٍ من جانب قمر، فهو يُحيلُ المستمعين إلى تراثٍ عريضٍ من المناداة الارتجاليّة في أغاني الأفراح والموالد، التي أصبحَت مؤخَّرًا سِمةً في النُّسَخ الرسمية المُسَجَّلة من هذه الأغاني، والّتي تُحدِثُ أثرًا أشبه بأثر كَسر الإيهام في الدراما، حيث يشعر المستمع أنه جزء من الأغنية. إخراج الفيديو كْليب جاء بانوراميًّا للحياة في مصر مع ظهور الجميع في وضعٍ احتفاليٍّ راقصٍ على «المقسوم»، وكان هذا ممّا كفل النجاح للأغنيةكشكلٍ من أشكال التنفيس السريع عن ضغط الواقع المصري، وهو ما انعكس بوضوح في رقص الناخبين في لجان الانتخاب بكثافةٍ في 2014.

أمّا أغنية «شارِك» لمحمد فؤاد  فقد صدَّرَها المُغنّي بفقرة: «عشان البلد دي ليها أفضال علينا، جِه الوقت اللي نرُدّ فيه الجميل، هنشارك وهندّي درس للعالَم، وهنعرّفه يعني إيه مصريين ومش حنسيبك يا مصر»، ويكرر الجملة الأخيرة ثلاثًا.  الأغنية من كلمات ولحن عزيز الشافعي وتوزيع توما، وجاء لحنها في مقام النهاوند الكردي يعضِّدُه إيقاع رباعي ليَخلقا معًا جوًّا من الرصانة المتناسِبة مع دعوة الكلمات إلى «الثبات» في المشاركة «اثبت، زَي الجندي اللي في مُهِمَّة».

والكلمات في الحقيقة تنضح بشبهات البارانويا الشوفينيّة كما في: «عانِد، واهزِم عدوّك الحاسد»، و«مصري، والكل عارف انت تبقى مين»، و«راجل، بتأمر التاريخ يقول آمين». رغم هذا جاءت الكلماتُ هنا أيضًا أوفَرَ شاعريةً من أغنية «مساء الخير». لكنّها دارَت في فلَك الدعاية الإعلامية المبالِغة في أهميةِ ما يحدثُ في مصر بالنسبةِ للعالَم وفي تصويرِ انتخابات الرئاسة هنا حدثًا تشهده الأرضُ بكاملِها، كما يقول فؤاد الذي أنبتَ صوتُه قشرةً خشِنةً في السنواتِ الأخيرةِ أكسَبَت حضورَه في هذه الأغنية هالة من الحكمةِ أو ادعائِها: «هنشارك وهندّي درس للعالَم». فهُنا العالَم كلُّه ينتظرُنا لنعطيَه درسًا، وغالبًا الدرس المَعني هو مساندة القائد.

في «ابن بلدي» غنّى رامي صبري صاحب الصوت الرائق، من ألحانه وكلمات أحمد علي موسى وتوزيع طارق توكُّل، ما بلغَ فيه توثينُ شخصيّة الرئيس مَداهُ بالفعل، فالكلمات تنصبُّ على شخصِه «كل وقت ولُه رجاله يا بطل والبركة فيك. يا ابن بلدي الله يعينك ع الأمانة اللي ف إيديك. ربنا يبارك خطاك. كل مصر بتدعي ليك. احناعارفين قد إيه الحمل فوق ضهرك تقيل. حتى مش مستنّي كلمة شُكر منّا عَ الجميل. إلخ»، حتى دون تحميل الأغنية بسيل المُطالَبات الذي تحتشد به أغنية «مساء الخير» مثلاً. في المقابل، تكاد تكون الكلمات هنا الأكثر انتظامًا عَروضيًّا، حيث تنتمي إلى بحر الرَّمَل (فاعلاتُن فاعلاتُنْ)، دون صورةٍ شِعريةٍ خلاّبةٍ بالطبع. واللحن كذلك جاء أثرى من الأغنيتين السابقتين، في مقام النهاوند، ولا يخرج منه إلاّ في الدقيقة الثانية وثلاثين ثانية إلى مقام البياتي في تنويع سريع لا يلبثُ أن يعود إلى المقام الأصلي للأغنية.

على العكس تمامًا من «ابن مصر» تأتي أغنية «أبو الرجولة» للفنان حكيم؛ بعيدةً تمامًا عن الدعوة المباشِرة لانتخاب السيسي، فهَمّ الأغنية هو الدعوة للمشاركة في التصويت بشكل عامّ. كلمات تامر حسين هي الأقرب للوجدان الشعبي بين ما استعرضناه من أغانٍ إلى الآن: «ابن البلد والشَّهم يبان. ف وقت عُوزة سيد الجِدعان. سَدّاد وضهر البلد وأمان. اسمع وخُد منّي. عندك نزولة يابو الرُّجولة ويالله هات معاك. اتنين صحابك أو جيرانك هات أمم وراك. لِمّ الحبايب والقرايب يالله بينا يوم. ابنك ف إيد ابني». ويأتي لحن عمرو مصطفى في مقام الكُرد هنا أيضًا كما قلنا في الأغاني الوطنية الحديثة وغيرها، لكنّه خُلِقَ بالفعل خلقًا آخَر بمصاحبة إيقاع المقسوم الرباعي والتوزيع الذي يُشبه توزيع أغاني المهرجانات الشعبية وصوت حكيم المنطلِق الذي أصبح بالتقادُم علامةً محفورةً في الوعي الشعبي الموسيقي.

يعود التوثين بقوّة في «صوتنا معاك» لمصطفى حجّاج من كلمات محمد سرحان ولحن محمود أنور وتوزيع توما وإخراج يونس. المفتتَح الذي يقول: «صوتنا معاك بقلب جامد من زمان. كمّل طريقك إحنا جنبك مهما كان» يشبه توقيعًا أزليًّا أبديًّا على بياض لشخص الرئيس. جاءت الكلمات في بحر الرَّجَز «مستفعلُنْ متفعلُنْ»، بسيطةً مباشرةً كسابقاتها، ولم يشذّ اللحن عن قاعدة مقام الكُرد وإيقاع المقسوم. وركّز الإخراج على مزيجٍ من ظهورات السيسي التليفزيونية ومتابعة الجمهور لها، ومشاهد احتفاء الناس في الشوارع واللجان الانتخابية بالتأييد. ولا يفوتُنا ملمحان يبدوان مهمَّين في اختيارات المخرج. أولهما مشهد العلاقة بين بطل الأغنية مصطفى حجاج وشخصية أُمِّه التي يقبِّلها في جبينِها، وتتحوّل، بصفتها مُثيرًا مموَّهًا هي الأخرى، إلى رمزٍ لمصر، وبالتالي يصبح تأييد السيسي وفاءً مُضمرًا لمصر. الملمح الثاني هو مشهد الجرافيتي، الفنّ الذي تحول إلى أيقونة من أيقونات ثورة 25 يناير، محتفيًا هو الآخر بتأييد السيسي، ويهذا يُصبحُ التأييد شكلًا من أشكال البِرّ بالثورة.

لدينا كذلك أغنية لُؤَيّ «نازلين»، حيث اللحن في الكُرد والمقسوم بالطبع، والكلمات في البحر المتدارَك (فَعِلُنْ فَعِلُنْ) مباشرة وبسيطة بالطبع «نازلين كلنا نازلين. علشان مصر يا مصريين. عارفين صوتنا حيبقى لمين».

والملمح الأبرز في الإخراج هو اللافتات التي يرفعها الجميع في كلِّ مكان، حتى أن العروسة في زفافها على الكارِتّة، والفلاّح المُسِنّ في حقلِه يرفعان لافتات «تحيا مصر»، ثُمّ يُختتم الفيديو كْليپ بالظرف المكتوب عليه «دعوة عقول بتحب مصر»، وهو ما يمكننا اعتباره هو الآخَر مُثيرًا مُمَوَّهًا يحاولُ أن يجعل كل ما سبق في الأغنية من الزغاريد واللافتات شكلًا من أشكال الحِجاج العقلي، لا لَعبًا وِجدانيًّا كما يُفترَض في الأغنية.

أمّا أغنية مينا عطا ومحمد شاهين «يلاّ يلاّ» فقد انتظمت بدورها في الكُرد والمقسوم. الصوتان المتميزان المعروفان بنجوميتهما في برنامج ستار أكاديمي غنَّيا معًا من تأليف أحمد حسن راؤول، ولحن مينا عطا، كلماتٍ لا تخلو من شاعرية «مصر وبكلّ اللغات. راسمة سكِّتها بأمان. يالله فتَّحنا البيبان. صعب يوم نرجع ورا» خضعت في هدوءٍ لبحر الرَّمَل الهادئ الذي يبدو إيقاعُه حاضًّا على التأمُّل «فاعلاتُنْ فاعلاتْ». المخرج معتز مختار، اختار مقدمةً مخلصةً لكرة القدم على خلفية مباراة مصر والكونغو بتعليق (مدحت شلبي) الذي يرجو مشجِّعًا مصريًّا شابًّا ألاّ يبكي! بعد ذلك يعتمد على رؤية بانوراميّة لقطاعات مختلفة من الحياتين المدنية والعسكرية ويختم الأغنية بلوحة إعلانية «يلاّ سيسي».

أخيرًا وليس آخِرًا، تأتي أغنية شعبان عبد الرحيم «صوتك في الانتخابات» الذي فضَّل أن يشبه نفسَه ويكرر نفس الجمل اللحنية التي اشتُهِر بها منذ نهاية التسعينيات. يبدأ في مقام الرَّاسْت (مقام السلطنة الأساسي في الموسيقى العربية)، ثم يُجري تحويلة مقامية قصيرة للغاية إلى عَقد النكريز (النكريز مقام نادر الوجود في الأغنية بشكلٍ مستقل، وذو أثر تأمُّلي رصين) مع قوله: «صوتك في الانتخابات ما بقاش مجرد صوت. صوتك بيحمي الوطن»، ليعود إلى الرَّاسْت مع قوله: «صوتك حياة أو موت».. وهكذا إلى نهاية الأغنية.

 ختامًا، لا يسعُنا إلاّ أن نتساءل كيف ستبدو أغاني الانتخابات في 2022؟

اعلان
 
 
محمد سالم عبادة