الانتخابات في شمال سيناء: إقبال كثيف على محلات السمك والبيض
 
 
صورة لإحدى لجان الانتخابية بالقاهرة
 

في التاسعة من صباح الإثنين الماضي، فتحت مراكز الاقتراع أبوابها استعدادًا لبدء التصويت في الانتخابات الرئاسية؛ رجال القوات المسلحة والشرطة الذين استلموا اللجان منذ السبت الماضي، يتمركزون أمامها، القضاة بجوار الصناديق والحبر الفسفوري؛ كل شيء كان معدًا لاستقبال الناخبين. لكنهم كانوا يصطفون في طوابير أخرى للحصول على السلع الغذائية التي ظهرت فجأة في المتاجر والأسواق. وذلك بعد غياب طويل دام لقرابة شهرين، منذ بدأت «العملية الشاملة.. سيناء 2018».

كان معظم التجار في مدينة العريش، خاصة هؤلاء الذين يبيعون البقوليات (العدس، والفول، والفاصوليا، واللوبيا)، قد بشروا زبائنهم يوم الأحد الماضي، أن تلك السلع متوفرة بكميات كبيرة بدءًا من صباح الإثنين.

مع بداية اليوم الأول من الانتخابات، توجهت أعداد غفيرة من الناخبين بالعريش إلى سوق السمك بوسط المدينة، بعد علمهم بتوافر كميات كبيرة من الأسماك، التي اختفت مع بقية السلع مع بدء العملية الشاملة.

أحد المواطنين الذين تمكنوا من شراء السمك يوم الإثنين الماضي، قال لـ «مدى مصر» إن السوق كان مزدحمًا للغاية لدرجة أنه لم يتمكن من الدخول في البداية. لكن مع تدافع الأهالي وصل إلى وسطه «بقوة الدفع»، على حد تعبيره، وتمكّن من شراء ما يريده بعد قرابة أربع ساعات من دخوله للسوق.

يوم الثلاثاء، ثاني أيام الانتخابات، بدأت أطباق البيض تظهر في المتاجر، فاصطفت طوابير طويلة تحت إشراف الجيش والشرطة، لساعات طويلة من أجل الحصول على طبق.

لوحظ توافر كميات كبيرة من الفراخ البيضاء في محلات الدواجن، والصلصة، وامتلأت أرفف المحلات بمعلبات الفول والتونة والحلاوة والمربى، فضلًا عن البقوليات المُعلّبة مثل الحمص والفول.

بينما كان الناخبون ينتظرون دورهم في طابور السمك والبيض، كان «مدى مصر» في جولة بوسط مدينة العريش في منطقة مجمع المدارس التي تضم ثلاث مدارس، ومنطقة الموقف القديم التي تقع بها مدرستين، تضمّا لجانًا انتخابية، يقف أمامها عدد قليل من كبار السن ممَن لا يستطيعون تحمل مشقة طابور السمك.

لم يختلف الحال في منطقة المساعيد غرب العريش، وضاحية السلام شرقًا، حسب سكان محليون وشهود عيان، وذلك خلال أيام الانتخابات الثلاثة.

موظف بأحد المصالح الحكومية وسط العريش قال لـ «مدى مصر» إن الموظفين كانوا يطلبون الاستئذان للذهاب إلى التصويت في الانتخابات، ولكن كان هدفهم هو شراء السلع الغذائية، لافتًا إلى أنه في اليوم الثاني للانتخابات حضر هؤلاء للعمل دون وجود الحبر الفسفوري على أصابعهم.

وأضاف، أن بعض المتاجر كانت تبيع كيس كبير يحتوي على صلصة وجبنة وحلاوة وسكر وعدس، بأسعار مناسبة، مشيرًا إلى أن هذه السلع كانت غير متوفرة من قبل.

زاد من عزوف ناخبي العريش عن الذهاب للجان الاقتراع، حالة الشلل التي تعاني منها وسائل النقل داخل المدينة، بسبب منع إمدادات البنزين وتوقف جميع السيارات والمواصلات العامة، ما نتج عنه صعوبة في التنقل.

تضم شمال سيناء 49 مركزًا انتخابيًا، تتضمن 61 لجنة فرعية، بإجمالي عدد ناخبين 250 ألف و605 ناخب، ما يقرب نصف هذه الكتلة التصويتية يتواجد في العريش، 111 ألف و 846 من الأصوات، حسب بيان صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لديوان عام المحافظة.

التغطية الإعلامية لم تكن حاضرة في شمال سيناء، سواء على مستوى الصحف أو القنوات التليفزيونية لإبراز مدى حضور الناخبين أمام اللجان، بسبب صعوبة حصول الصحفيين المقيمين داخل المحافظة على تصاريح التغطية من الهيئة الوطنية للانتخابات بعد أن أُغلقت الطرق المؤدية إلى سيناء، وعزوف القنوات التليفزيونية عن إرسال أطقم للتغطية للمحافظة.

تلك الأوضاع دفعت هؤلاء الصحفيين للجوء إلى ديوان عام المحافظة للتنسيق لهم لدخول اللجان، ولكنهم اصطدموا بمنع القضاة لهم  من التصوير لعدم حملهم للتصاريح اللازمة.

أحد المراسلين المقيمين في مدينة العريش قال لـ«مدى مصر» إنه تمكّن من التقاط بعض الصور خارج لجنة انتخابية، وكانت الأعداد قليلة، وأرسل التقرير بالصور، وكان عنوانه «إقبال متوسط على اللجان». لكنه فوجئ باستبعاد التقرير، وعندما استفسر من مسؤوليه، أجابوا: «لازم يكون الإقبال كثيف عشان ننشر».

رغم ذلك، بعد ساعات قليلة من بدء العملية الانتخابية، الإثنين الماضي، نقلت تقارير إخبارية على لسان المتحدث باسم الهيئة الوطنية للانتخابات قوله إن شمال سيناء كانت ضمن المحافظات التي شهدت كثافة تصويتية.

كما انتشرت في اليوم الأول للانتخابات عبر القنوات والمواقع الإخبارية صورًا للإقبال على التصويت في مدينة الشيخ زويد، كان مصدرها حساب النائب إبراهيم أبو شعيرة على فيسبوك، عضو ائتلاف «دعم مصر» الموالي للدولة، الذي أعلن تأييده للمرشح الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وأظهرت الصور مواطنين يصطفون في انتظار الدخول للإدلاء بأصواتهم في لجنتهم الانتخابية في حي الكوثر، وسط مدينة الشيخ زويد.

أحد سُكّان المدينة تحدث لـ «مدى مصر»، رافضًا الإفصاح عن هويته، موضحًا أن العادة في الانتخابات داخل المدينة هي وجود العشرات أمام اللجان في الساعات الأولى فقط من بداية العملية الانتخابية. ولكن خلال اليوم يحضر بعض الأفراد للإدلاء بأصواتهم، فتُلتقط صورة فيها العشرات من الأهالي في ساعة محددة من اليوم. مما لا يعتبر مؤشرًا لوجود كثافة طوال ساعات الاقتراع.

وأشار المصدر إلى أن الكتلة التصويتية للمدينة تآكلت بشكل كبير خلال السنوات الماضية بسبب الحرب بين الدولة والجماعات المسلحة، وهجرة مئات الأسر من المدينة، واقتصار الحياة على أحياء وسط الشيخ زويد.

وكالة رويترز نشرت تقريرًا أول أمس الثلاثاء، ثاني أيام الانتخابات، نقلت فيه عن أحد القضاة داخل لجنة في مدينة الشيخ زويد يُدعى أحمد رؤوف، قوله إن شخصًا واحدًا فقط أدلى بصوته في اللجنة التي يشرف عليها حتى منتصف نهار اليوم الأول. ونقلت أيضًا عن مواطن من المدينة، ويعمل مُعلِمًا، قوله إن الأهالي يقفون على «طوابير السلع الغذائية مش طوابير الانتخابات».

وتضم الشيخ زويد مركزين انتخابيين، بهما خمس لجان فرعية بإجمالي أصوات 30 ألف و794 صوت.

أما مدينة رفح، والتي اُقتطع جزء كبير منها في المنطقة العازلة بمراحلها الأولى والثانية والثالثة والرابعة، ونزحت المئات منها، فقد دُمجت لجانها الانتخابية مع مدينة الشيخ زويد، وتضمنت هي الأخرى مركزين انتخابيين بهما ست لجان فرعية بإجمالي أصوات 34 ألف و750 صوت، بحسب بيان مركز المعلومات واتخاذ القرار في ديوان عام المحافظة.

خلال الخمس سنوات الماضية تغيّرت التوزيعات الديموجرافية داخل المدينتين بسبب الحرب مع الجماعات المسلحة، ما نتج عنه هجرة آلاف الأُسر خارج المدينتين، قدّرها إحصاء لمحافظة شمال سيناء بـ 12 ألف و 861 شخص في أغسطس 2016.

ومؤخرًا رُحل سُكّان بالمئات عن مدينة رفح مع توسيع المنطقة العازلة في مرحلتيها الثالثة والرابعة. لم تتمكن تلك الأُسر من العودة والمشاركة في الانتخابات بسبب إغلاق الطرق الرئيسية بين المدن ومنع دخول شمال سيناء منذ بداية «العملية الشاملة».

يتمنى السيناويون ألا تنتهي أيام الانتخابات بعد أن استمر تشغيل شبكات الاتصال على مدار الساعة في جميع المدن دون انقطاع طوال النهار، فضلًا عن توقف الحملات الأمنية التي كانت تغلق الأحياء بالأسابيع، وتسحب الهواتف المحمولة من المواطنين، والأهم هو توفّر بعض السلع الغذائية والتي غابت عن مدينة العريش بالأخص طوال الأيام الماضية، وتسببت في أزمة غذاء طاحنة.

اعلان