عن التصوف وعقاقير الهلوسة (3-3): هل تمكننا رؤية الموتى؟

يسرد نيك ساند/ برافاسي، جالب عقار الـ«إل إس دي» للعالم، تجربته مع الـ«دي إم تي» بينما منديل قماشي مفروش أمامه؛ القماش له بعدان، يتحرك فتصبح له ثلاثة أبعاد، وبشكل مستقل يتحرك في العمق وعلى السطح، للأعلى وللأسفل.

هذه التجربة اختبرتها أنا، في طقس التأمل المعروف بـ«الكاراكاتا»، ولكن بعد مرور ما يقارب الستة أشهر من الممارسة المنضبطة شبه اليومية، حيث تنقسم شعلة الشمعة إلى اثنتين، وتتحرك في العمق والسطح، للأعلى والأسفل، ثم تنكشف أمامك هوة عميقة.

هل يمكننا، بترباية أسيد و«دي إم تي»، فهم تجربة التصوف؟ ما الذي يعنيه «التوهم» الذي تحدث عنه المحاسبي؛ أن نشعر بدين الحب مع كل شيء ولكل شيء؟ أن نرى أشخاصًا لا وجود حقيقي لهم كما يرى الأولياءُ الأنبياءَ الذين يملونهم نفحاتهم، ويؤثر فينا ذلك؟

يجيب برافاسي، أو نيك ساند، بأنه لا يعتقد بوجود قواعد عامة لمقاربة رحلة الـ«دي إم تي»، على غرار النظام الغذائي مثلًا؛ فلا استعدادات، ولا وضع خاص للجلوس، ولا ضرورة للانتباه، ولا غير ذلك، ولكن «دي إم تي» هي تجربة الـ«ما وراء»؛ ما وراء الفكر والحواس والأدوات البيولوجية، تمهيدًا للتعامل مع العالم الداخلي.

عندما ترحل عبر عوالمك الداخلية، تنفصل عن قواعد الفكر وقيم العالم المادي، ويتسبب استخدام تلك الأشياء، كمعايير للحكم على التجربة، في الارتباك. يؤكد برافاسي أن «أدوات الفكر تحليلية وتقسيمية للغاية. عمليات التعبير والتواصل والتحليل والفكر هي كلها أدوات للجاهل». والجهل الذي يقصده برافاسي هنا ينتمي للعالم المادي وليس للمملكة الروحية.

ملامح التجربة: بلا فكر ولا حواس

بحسب رؤية برافاسي، فإن تجربة «دي إم تي» تعني الوحدة والشفاء من الانقسام والنزاع وكل تلك الحالات المرضية التي تأتي بها عملية التقسيم.

تقع هذه التجربة في الترتيب الأعلى من الواقع، تتجاوز الفكر، ولكنها تنسج صورًا محملة بالرسائل بحسب الحالة الذهنية أو المدخلات البيئية، وتكمن الخدعة في النظر لنمط النسيج وعدم الوقوف أمام الخيوط والألوان.

لذا ينتقد برافاسي أي تفسير للترباية من وجهة نظر «عقلية وغير صوفية»، آملًا في توسيع مفهومنا عن الـ«دي إم تي»، واستخدامها في الرحلة إلى ما وراء المشهد الطبيعي الذي نراه ملائمًا.

يضيف برافاسي أن أصعب ما في فهم تجربة «دي إم تي»، هو أن الوعي العالمي يتغير ويتوسع بسرعة كبيرة، وما يرعب أي شخص هو اضطرارنا لتوديع سلطة الفكر والحواس، وهما «عكازا العالم المادي»، ولكنهما يشلّان قدرتنا على الحركة في الما وراء الواسع، إنهما مشتتات للانتباه. هذه الأدوات ينبغي عليها السقوط عندما تدخل محيط اللا وعي، وإلا ستجرك للأرض عندما تحتاج للطفو.

ولكن ماذا عن الأشخاص الذين نراهم أثناء الترباية؟ التقيت أنا، كاتب هذا المقال، بـ«هندي أحمر» خارج من كهفه بملامح صارمة، ولم يتحدث إليّ. تبادلنا النظر حتى فقدت وعيي، ورأيتني شجرًا وكواكب ونجوم. غيرتني هذه «الهلوسة». جعلتني أكثر شعورًا بوحدة الكون.

يشدد برافاسي على أن التساؤل المهم هو حول كيفية حدوث هذه الخيالات أثناء الترباية، وليس مدى «واقعية» ما نراه فيها، ويتساءل: «أليس من المنطقي أن نفحص أولًا التصميم البيئي في المكان الذي حدث فيه ذلك، بدلًا من النظر إلى أصول غريبة لما نراه؟»

تفسيرًا لهذا، فوقت مشاهدتي لـ«الهندي الأحمر»، كنتُ أسمع مغنيًا يعود بأصوله إلى السكان الأصليين لأمريكا، ويغني كلمات تحرّض على الحياة.

أحوال الترباية ومقاماتها

يضرب برافاسي مثلًا برحلة روحية عبر الـ«دي إم تي»:

«وجدت نفسي أجلس على سجاد فارسي، أستمع إلى تسجيل شاران راني يلعب أغنية ‘الحب راجا’ الهندية على آلة السارود، ومعي شخصان مترِبّان. هناك شموع وبخور. أُعدت الغرفة لكي تكون معبدًا للرحلات الروحية عبر الـ’دي إم تي’، وعندما وصلت إلى فضاء رحلتي الداخلية، امتلأت بمشاعر غامرة من الحب والحنان.

نظرت إلى أسفل، فوجئت برؤية جسدي يرتدي سروالًا نسائيًا شفافًا، ولا قميصَ علي، وجسمي أنثوي نحاسي اللون، وكذلك صدري وكل شيء. كان لديّ العديد من الأساور على ذراعي، وأجراس على ساقي. نظرت حولي ووجدتني أرقص مع أغنية راجا المغرية لاثنين يلعبون بالسارود والطبلة. وعندما عدت لوعيي لم آسف على شئ سوى أني شهدت جمالًا أشد روعة مما كنت أتخيل.»

يحكي برافاسي أنه عاش لثماني سنوات مع أوشو بعد مغادرة المكسيك، ويضيف: «ما يحدث في العقل لا يزال يحيطه غموض كبير بالنسبة لأي شخص. العقل عضو مذهل. والجوهري في كل عقاقير الهلوسة أنها تضعنا على المسار الروحي لإيجاد صِلاتنا واتصالاتنا الفردية مع الله. قادتني مخدرات الهلوسة لمقابلة راجنيش [أوشو] وجون برني وسان فرانسيسكو.»

الترباية غير موضوعية

ينتقد برافاسي فكرة «التحلي بالموضوعية» لدى معالجة موضوع «روحانية عقاقير الهلوسة»، فبالنسبة له، تتبنى الطريقة الموضوعية في وصف الواقع أفكارًا عقائدية جامدة، صالحة للعقل لدى تعامله مع الواقع. تفيدنا الحجج الفكرية في عالم الحياة العملية للتواصل والبقاء الاجتماعي، أما الرحلة الباطنية للأشخاص، فلا علاقة لها بالواقعية ولا الموضوعية.

يقول برافاسي إن أحد أهم وصيتين في المؤسسة الدينية التي أنشأها مع آخرين في ستينيات القرن الماضي، والمسماة «رابطة الكشف الروحي»، كانت أنك «لن تغير وعي شخص آخر بدون رضاه»، بمعنى أن إعطاءك لشخص ما جرعة دون إخباره بالبعد الروحي لها هو خطيئة.

«دعونا ننظر إلى تغيير وعي شخص ما بإذنه ومعرفته، عندما يدخل شخص إلى حقل الوعي لاكتشاف الله والوحدة والصحة والإلهام والجمال والحب، أو للعثور عليهم، عندما يلتزم الشخص بالتأمل أو بعمل ما، أو يتعاطى مخدر الهلوسة بطريقة واعية أو هادفة، يكون هذا وعد المرء لنفسه. هذه تجربة شخصية للغاية، وتحدث بين قلب أو عقل الشخص وبين ربه، ولا شخص آخر.»

ولكن هل يستطيع المرء الوصول وحده، أم يحتاج إلى معلم؟

يقول برافاسي:

«ربما تسأل شخصًا ما المساعدة، شخصًا يعرف عن هذه الرحلة أكثر منك. هذا الشخص قام بالرحلة من قبل، يعرف كيف يبحر في طريقه بلا خوف وعثرة. هذا الشخص لا يعرف مَسَارك.»

ولكن برافاسي يستدرك قائلًا إن حضور الحب والسكينة، عندما يمر عبر مناطق مجهولة داخلك، يكون مفيدًا لك، وإذا أردت فهي رحلتك أنت وفكرتك وحريتك، وعليك التحلى بالمسؤولية عنها. هذه ليست حالة اجتماعية، حتى لو كنت في حالة من العناق الحميمي، تظل هي رحلتك الداخلية مع الحب، وما الآخر هو سوى مرآة أو صديق أو رفيق أو مساعد.

الترباية ضد الرسوم وأهل الظاهر

ينتقد برافاسي بشدة التجارب المعملية لعقاقير الهلوسة المستمدة من الفطر، على غرار الـ«دي إم تي» والـ«إل إس دي»، فهو يرى أنه عندما يجهّز أحدهم «أجندة وبرنامجًا له فكرة مسبقة، فهو يفرض نوعًا من الرحلة العقلانية في تجربة الهلوسة، حيث البيئة التي جرت تهيئتها في النهاية يجب أن تتفق مع اللوائح والقواعد النفسية والطبية وحتى الحكومية. وحتى لو أدار شخص برنامجًا يريد عبره توضيح كيف أن استخدام هذه المواد مساعد ومفيد، فالحقيقة أن البرنامج، مهما كان، يتحكم بطريقة يتداخل فيها مع طبيعة التجربة، وبعض هذه البرامج في البيئة العيادية قد تنتج نتائج هامة، ولكنها في النهاية لن تلمس إلا جزءًا ضئيلًا من الحقيقة، ممّا هو ممكن، حيث الجزئي لا يخضع للكلي.»

ويوضح أكثر: «ميدان البحث الروحي العميق والكلي لا يكشف لك نفسه من الوهلة الأولى. السلطة لا تعطي أوامر للرب. السلطة بناء نفعي مؤقت محدود ومنظم، عندما تستخدمها تنتهي منها.»

أما من الزاوية العلمية، فيشرح برافاسي أن هناك مفهومًا فيزيائيًا غالبًا ما يحال إلى مبدأ «انعدام اليقين»، ويعني أن فعل الملاحظة نفسه يغير من طبيعة الشيء المُلاحَظ، كما في دراسة الجزيئات فائقة الصغر، وفي حياتنا الاجتماعية يحدث هذا طوال الوقت.

لذا، يختلف تأثير الـ«دي إم تي» باختلاف الشخص «الملاحِظ»؛ حسب ما إذا كنت مع صديقتك تقضيان عطلة نهاية الأسبوع، أو في ملهى ليلي، أو في مكان طبيعي، أو في معبد، أو، وكما ينتقد برافاسي كثيرًا، «في معمل لاختبار تأثيرات تلك العقاقير»، حيث تظهر بعض النتائج السلبية.

ويظل أكثر الأهداف شيوعًا من وراء استخدام تلك العقاقير هو السعي للحصول على الحب والجمال والبهجة والنشوة والوحدة والتكامل، أي البحث عن كمالنا الداخلي الجوهري. إذا استُخدمت هذه المواد بتلك الطريقة، فهي تستخدم لأفضل شيء فيها، ويجب ألا ننسى أن تلك المواد بريئة مهما كان حجم انتشار التشوهات، فنحن من نتفاعل معها ونعزو إليها تلك الصفات.

«التوهم» في الترباية

ويتبنى برافاسي مقاربة مختلفة للكائنات الروحانية التي نراها أثناء الترباية، فيما يمكننا تبنيه لتفسير رؤى الصوفيين، في أحوالهم ومقاماتهم، للموتى والأنبياء.

يقول برافاسي: «دعونا نقارب الموضوع من جانب مهمل. ما الذي يحدث عندما نتعاطى الـ’دي إم تي’ ونصل لحد رؤية الكائنات الخرافية؟ ربما نصل إلى روح الحياة العظيمة المطلقة، ونحن نتفهم هذه التماثلات الرمزية والمتحركة. ربما، وبطريقة حدسية، نفهم شفرة الحياة الكونية، جزيء الحمض النووي، وهناك التريليونات منها في أنحاء الجسم. ربما تكون تلك الكائنات الخرافية هي مجموعات فرعية صغيرة من المعلومات التي نصل إليها، وتبيّن كيف تمكن إعادة توحيد أجزاء من برنامجنا؛ إنها قادمة من مكان ما، فلماذا لا ننظر للأقرب بدلًا من الأبعد؟ يبدو أن بحث الإنسان عن المعرفة بدأ من النجوم مع اليونانيين، وببطء أخذ يعمل بطريقة أقرب وأكثر داخلية، حتى نظرنا أخيرًا إلى الهندسة الوراثية التي تعتبر أساس الحياة. يبدو أن جزيء الحمض النووي، هو أصل روحانيتنا.»

يعتمد هذا الجزء من المقال على مقال «الحركة في العالم المقدس للدي إم تي» والمنشور في موقع «سايكدليك فرونتير»، وكتبه نيك ساند/ برافاسي

اعلان
 
 
أحمد شهاب الدين