الحياة اليومية للوافدين: كل شيء موظف في الخليج!

بينما تخطو قدماك إلى محطة المترو الفارهة في دبي، ينتابك شعور لحظي بأن الجميع ذاهبون إلى العمل أو عائدون منه.

حتى الماضون إلى التسوق في حرم  مول فارع الطول في دبي، يضعون عيونهم في منتصف رؤوسهم، لأنه حتى التسوق هناك مهمة عمل مقدسة تتطلب التركيز وعدم التردد. كل الركاب يمشون سويًا مشية عسكرية شبه منتصبين، ولكن كل منهم بمفرده. الجميع يتعرف على الجميع ولكن لا يعرفهم حقًا.

في القطار الإماراتي النفقي الإلكتروني بالكامل تمكنك رؤية كل من يعيش في الإمارات، ما عدا الإماراتي نفسه بالطبع.

أسيويون يعملون في بناء برج دبي

هنا سائق التاكسي الباكستاني ببشرته البرونزية اللامعة، والذي يعلم تمام العلم أنه لا يمكن أن يكون صديقًا لمهندس الكمبيوتر الهولندي ناصع البشرة. وإذا قرر أحدهما البدء في حديث ودي مع الآخر فسيقول الباكستاني إن الطقس بارد، ولذلك يتدثر بمعطف كتاني تنبعث منه رائحة كاري، فيرد الهولندي بأن شتاء الباكستاني هو صيف أمستردام، ولذلك يرتدي قميصًا قطنيًا لطيفًا يصل إلى نصف الذراع، ومن وراء كليهما فاتنة كرواتية ذات سيقان مصبوبة تعرف أنه لا يمكنها الذهاب إلى الجيم أبدًا مع الفلبينية التي تكدح في ماكدونالدز مقابل ألف درهم شهريًا، لأن الألف درهم هو ثمن اشتراك الجيم.

في الخليج الكل ضيوف للأبد؛ لا ينبغي أن يكذب بعضنا على بعض، الوقت ثمين ولا بد من توفيره، لذا فالحق أقول لكم من الآن، الخليج لن يصبح أبد الدهر وطنًا للمصري أو السوري أو العراقي.

لن يحمل هؤلاء الثلاثة من أصحاب الحضارات البائدة جواز سفر خليجيًا لما بقى من الزمن، مهما قدموا للخليجي من خدمات عظيمة، مهما عالج أي من الثلاثة مرضى على وشك الموت في جدة، ومهما شيّد أي من الثلاثة على شاطئ الجميرا مباني شاهقة تعرج في السماء كأنها تريد مقابلة رب محمد.

نحن هناك شيء، فقط شيء، صلصال قابل للتوظيف والاستعمال والاستغلال، جسد بلا روح، ووزن الجسد وامتداده يملآن الثغرة ويسدان الحاجة، يشغلان الفراغ في الحيز الخليجي. نحن في الخليج مردودون إلى بعد واحد؛ الوظيفة. نذهب إلى الخليج لكي نعمل.

لماذا نعمل؟ لا يهم لماذا، المهم أننا نعمل ونكد دون توقف.

هويتنا؟ عملنا هناك هو هويتنا.

كيف ننظر إلى الحياة وما يدور حولنا؟

ننظر لها عبر زجاج السيارة الفخمة التي نركبها، وعبر زجاج المنزل الأنيق الذي نعيش فيه، وعبر زجاج الفاترينة المتلألئة لأنها تعرض فستانًا، يُطعم ثمنه المكون من خمسة أرقام أسرة كاملة في حلب، وبعد أن يطعمها يتبقى مال بإمكانه إنارة قرية مدقعة في غينيا. نحن نشاهد العالم كله عبر الزجاج.. الزجاج براق، لكنه هش أيضًا.

بيننا وبين الخليج علاقة تعاقدية صارمة، لا تعرف سوى الأرقام الجامدة والعمليات الحسابية الدقيقة. الخليج سوق وفي السوق يتاجر الإنسان بكل شيء. يتاجر الإنسان بالإنسان، تجارة محضة بلا شفقة، تهدف للبيع بأعلى سعر والشراء بأرخص ثمن.

الشفقة شعور إنساني، والأوكازيون لا يعرف المشاعر.

وكما يستخدمنا الخليج، ويختزلنا إلى موظفين بالأجرة، يستخدم العالم الخليج كموظف لا يملك من أمره شيئًا؛ الكثافة السكانية الخليجية القليلة، والموارد الضخمة التي لا تنضب، تجعل إمارات الخليج بحاجة إلى كفيل بريطاني أو أمريكي يرعى مصالحها، بل ويدافع عنها إذا لزم الأمر، حتى الخليج لديه كفيل.. لول.

قد يكون الفارق بيننا وبين الخليج أننا نكره الكفيل ذا الثوب والغترة والعقال والسكسوكة المحددة بسماجة، أما الخليج فهو يحب كفيله ذا العينين الزرقاوين والبنطلون الجينز.

يعلم الخليج ألا حياة له إذا أصاب كفيله مكروه. لذا ففي عام 1968، وعندما قرر الكفيل الوسيم أو حكومة العمال البريطانية، الانسحاب من البحرين بسبب المشاكل الاقتصادية لبريطانيا، رفض شيخ البحرين رحيل البريطانيين خوفًا من أن يحتل الإيرانيون أرضه. نعم رفض، وقد تكون هذه أول مرة أسمع فيها أن هناك دولة مُحتلة طلبت من المحتل مواصلة احتلالها.

ولكن حاكم البحرين كان على حق، فإذا أردت فهم ما كان يقلقه، عليك النزول إلى المطار في المنامة، وسترى هناك كل الجنسيات ما عدا البحريني. يشكل البحرينيون الآن نسبة 62% فقط من عدد السكان، وفي الستينيات لم يكن يسكنها سوى حوالي الـ200 ألف نسمة.

عندما تترك البحرين، لتتجه إلى عدوها اللدود، قطر، تقابل عمالًا نيباليين دائمي الابتسام، مع أن معظمهم يعيشون في ظل ظروف غير صحية وغير إنسانية؛ جواز السفر يُصادَر من قبل أصحاب العمل بمجرد وصولهم إلى الدوحة. ومن الأفضل ألا تحدد مدة العمل، ففي حالة عدم تحديدها يكون على العبد النيبالي الانتظار لخمس سنوات قبل الرحيل من قطر؛ يبني العامل استادات سيلعب عليها العالم كأس العالم سنة 2022.

لن يرى النيبالي بلاده تلعب الكرة أبدًا، فنيبال لا تلعب، نيبال تعمل بالسخرة فقط.

في الكويت، لا يمكنك المرض في فترة قبل الظهيرة. هذه ليست مزحة، إذا لم تكن كويتيًا فالأفضل أن تسمح للفيروس بالبدء في بث سمومه داخل خلاياك بعد الظهيرة، لأن العيادات الخارجية للمستشفيات العامة قبلها تخصص للكويتيين فقط.

الكويت سنة 1950

لا يقتصر التحكم في الكويت فقط على مقدار المال الذي يتحصل عليه الوافد أو مكان سكنه أو طبيعة عمله، بل يمتد ليشمل توقيت مرضه، أي أنه مجددًا، وبعد توظيف الإنسان، يجري توظيف مبدأ سامٍ وهو «كرامة الكويتي»، لخدمة البطش والظلم الكويتيين أيضًا.

الكرامة هنا تستلزم ألا ينتظر الكويتي دوره في الدخول إلى الطبيب. من ينبغي أن يعيش هو الكويتي وحده، ولا يمكن لغير الكويتي العيش، كما أنه لا يمكنه الموت، يمكنه فقط أن يظل بين هذا وذاك، لأنه موظف، تمامًا ككل شيء آخر.

يبلغ الهرم الوظيفي قمة كآبته عندما تلعب الشريعة الإسلامية فى السعودية دور الموظف؛ طيار سعودي تلقى تدريبه بمقر قاعدة ماكسويل الجوية بولاية ألاباما، يطبع قبلة خفيفة على وجنة طفله الذى يمسك بطائرة ورقية:

أين ستذهب يا أبي؟ أنا ذاهب إلى اليمن، حبيبي.

ماذا ستفعل في اليمن؟

سأطير فوق اليمن.

 تطير بطائرة مثل طائرتي؟

لا، حبيبي، طائرتي أكبر قليلًا.

تعطي الأطفال اليمنيين هدايا؟

نعم، طائرتي ترمي للأطفال هناك يورانيوم مشعًا وفوسفورًا أبيض وقنابل فراغية.

نعم، مدرس العلوم طلب منا دراسة الجدول الدوري للعناصر الكيميائية، لذا فأنا أعرف الفوسفور واليورانيوم، ولكن ما هي القنبلة الفراغية؟

يمكنك التعرف على القنبلة الفراغية حبيبي من خلال اسمها، اسمها فراغية، لذا فهي تفرغ الهواء، تفرغ الهواء من الهواء ليحل محله رذاذ مستعر تصل درجة حرارته إلى ثلاثة الاف درجة. ويستجيب الهواء الملتهب بعدها للضغط السلبي الذى أحدثته القنبلة بضغط جوي مضاعف ينقض من جميع الجهات، حيث تنفجر أجساد الأطفال الذين تصادف وجودهم في محيط القنبلة. تنفجر رؤوسهم إلى أصغر ذرة فيها. يصبح الأطفال أنفسهم قنابل. ينفجرون إلى الحد الذي يجعل الملائكة يتساءلون فيما بينهم: كيف سيجمع الله رميم أجساد هؤلاء إبان البعث؟ تخرج جنازة رجل فى صنعاء، فنقصف الجنازة. فعلنا ذلك فى 9 أكتوبر الماضي، قصفنا الجنازة فاستطعنا بذلك أن نقتل اليمني مرتين.

لماذا تقتل الأطفال يا أبي. أليس القتل حرامًا؟

لا حبيبي، نحن سعوديون، والشريعة لا تحاكم السعودي بأي منطق أخلاقي، وإنما تبرر جرائمه، لأن الله أعطاه البترول ولم يعط اليمني.

حتى الشريعة، حبيبي، يمكنها أن تصبح موظفة.

اعلان
 
 
أحمد ممدوح حجازي