«عن الجسد والروح»: «أليس» في مصنع الأبقار
 
 

«عن الجسد والروح» (2017)، فيلم مجري للمخرجة «إيليديكو إينيدي» وهو أحد الأفلام التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الأوسكار 2018 لأفضل فيلم أجنبي. فاز الفيلم سابقًا بجائزة الدب الذهبي في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين الدولي في دورته السادسة والسبعين.

تدور أحداث الفيلم حول رجل وامرأة يعملان بمجزر آلي، يكتشفان، بمصادفة مربكة، أنهما يجتمعان كل ليلة في الحلم كزوجٍ من الغزلان في غابة مكسوة بالثلج، فتنشأ بينهما في الحقيقة قصة حب يمارسان فيها بارتباك أفعال البالغين. تتمكن المخرجة، التي يعد الفيلم تجربتها التاسعة، طوال 116 دقيقة من إقامة جسور بين عالمي الخيال والواقع، والعبور بينهما بخفة متناهية.

لا شيء يشي في البداية بأننا أمام قصة رومانسية، خاصة في الخمس دقائق الأولى من الفيلم. في حقيقة الأمر، قد يخطر بذهن المشاهد أنه بصدد مشاهدة فيلم عن حقوق الحيوانات، فالكاميرا تتوقف ما يقرب من العشر ثوانٍ أمام أحد الأبقار التي تحملق في الشاشة، ثم تنتقل بإيقاعٍ بطيء بين مراحل إعداد وذبح ثم سلخ الأبقار. تستخدم المخرجة الإيقاع البطيء في عملية الذبح وإعداد الذبيحة، دون أن تقدم وعظًا مباشرًا حول أخلاقية تناول لحوم الحيوانات. هي تتناول ذلك كجزء من طبيعة المكان الذي تدور به أحداث فيلمها. تصنع الكاميرا شيئًا من الطرافة والدلالة حين تنتقل للمقاربة بين عالمي الأبقار والبشر، فنرى الكاميرا تصور سيقان الأبقار وهي تصطف في المجزر، ثم تنتقل لمشهد يركز على سيقان العاملين بنفس المكان.

يبدو أن المخرجة تصنع من عالم الأبقار ممرًا لفهم عالم مجموعة البشر التي تعمل بالمجزر الآلي. تصور مثلًا مشهدًا لحوافر بقرة، ثم يليها مشهد ظهور البطلة للمرة الأولى، تركز فيها الكاميرا على قدميها، حيث تعلن وجودها من خلال تأكدها أنهما تقفان بمحاذاة إحداهما الأخرى، بينما على الجانب الآخر تتعالى ضحكات نساء المصنع.

يكرر الفيلم أيضًا لقطات لتنظيف المجزر من دماء الأبقار، حيث تتجول الكاميرا مع أرضيات المجزر الغارقة في الدماء، لتحيلنا بعد تصاعد الأحداث لنفس الإيقاع البطيء في مشهد الدماء حين تحاول البطلة الانتحار في حمام منزلها.

اختيار المخرجة للممثلة ألكسندرا بوربلي اختيارًا موحيًا وذكيًا، فملامحها تشي بالصرامة والجدية، في دور يتطلب من ممثلته أن تشبه شكلًا و«فعلًا» قطعة الثلج، فهي مفتشة الجودة بأحد المجازر. وحين تقترب من حياتها، يتكشَّف لديك أنها تعاني من التوحد، ولديها هوس شديد بنظافة أية مائدة تتواجد عليها، حتى إن كانت منضدة المشفى، الذي تواجدت فيه بعد محاولة انتحار فاشلة.

وهذا ليس فحسب. لدى البطلة ذاكرة تشبه الروبوت الآلي، ولذلك هي تختبيء جيدًا خلف شاشة مراقبة الجودة بالمجزر، فهي قادرة على تحديد إذا كانت الأبقار مطابقة لمعايير الجودة أم لا، وإن كان الفارق بضعة مليمترات فقط، كما أنها قادرة على استرجاع كل ما تفوه به البطل نصًا في محادثتهما الأولى.

مع تصاعد أحداث الفيلم، تبدو البطلة مثل «أليس في بلاد العجائب». لدينا بطلة ذات شعر أصفر، وعينان تتسعان دهشة، بل هي لم تغادر عالم الطفولة بعد، فلازالت تلجأ إلى معالجٍ نفسي في حضانة مدرسية. لا تستطيع أن تدرك أن الانتماء إلى عالم البالغين يعني بديهيًا أنها تمتلك هاتف. لا تجد أية غضاضة أن تتوجه إلى شخص لتخبره كم هو جميل ثم تمضي لتناول الطعام. تقتني لعبة لكي تشعر بالدفء. إمكانية التجول مع البطلة  كـ«أليس» يمنحنا خيطًا إنسانيًا، يمكِّننا من رؤية كيف تعبر البطلة نحو إعادة اكتشاف عالمها عن طريق الحواس وبخاصة حاسة اللمس.

الممثلة ألكسندرا بوربلي بطلة الفيلم

في مشهد شديد العذوبة تغمس البطلة يدها بالكلية في طبق بطاطس مهروسة، لتترك حواسها تخبرها بما لا تفهمه، وفق اللوائح وقوانين المجزر أو عالم البالغين. في مشهد آخر، يستكمل حالة الكشف والدهشة، نجدها تلمس إحدى الأبقار كأنها تتعرف عليها، بطريقة تثير ضحكات زملاء المجزر. ثم في النهاية حين تكتشف فعل المحبة مع البطل تظل عيناها تتسعان دهشة، وتمد يدها إلى ذراعه المعطوبة لتكتمل بها وبه.

أما بطل الفيلم، فهو بالغ في الخمسين اختبر الحياة واختبرته بذراع معطل، يمضي اليوم بمراقبة كل ما يدور حوله وبخاصة النساء في المصنع. يختبيء، مثل البطلة، خلف مكتبه أو يخدر حواسه عمدًا بقضاء ساعات الليل أمام  شاشة التلفاز أو محدقًا في بطء الزمن حول مصباح غرفته. يرفض أن تلمسه امرأة بدافع الشفقة أو محبة عابرة فقد قطع عهدًا أنه اكتفي من أفاعيل الحب المرهقة.

في البدء يفشل البطلان بالمحبة في العالم الحقيقي، ويقعان في ورطات الحب المربكة وخيباته، ثم يلتقيان في عالم الأحلام وهناك يدركان أنهما بحاجة لإعادة عبور ذلك الجسر نحو الآخر كلًا بطريقته، وبإيقاعه، وبإمكانية المحبة، رغم «عدم اكتمال» الآخر.

موسيقى الفيلم من العناصر الهامة به، وتم توظيفها بذكاء. فتتوقف مثلًا حين تحتل الشاشة مشاهد الغابة، فتتركنا المخرجة لمخيلتنا في موسيقى الطبيعة، التي تتكشف من خلال أصوات حفيف الشجر، أو انسياب ماء الغدير وسط الثلوج، أو لهاث الغزال راكضًا، ومرتطمًا بجذوع الشجر في الغابة. تنساب الموسيقى بنعومة في الفيلم، وتكتفي المخرجة أحيانًا باستخدام البيانو فقط في الكثير من المشاهد، إلا أنها تصل إلى ذروتها الجمالية، حين تنتقي أغنية لورا مارلينج «ماذا كتب»، لتوازي ذروة الأحداث في قصة الحب.

رغم أن الأغنية تحكي قصة حب بين رجل وامرأة يتبادلان الرسائل في زمن الحرب، إلا أن هذا لا يمنع المخرجة من أن تراها مناسبة لفيلمها، الذي تتكشف فيه قصة الحب بين البطلين، حينما يأخذان قرار بأن يكتبا ما يشاهدانه من أحلام على الورق..

تقول الأغنية «أنا فقط أفتقد رائحته».  فكما جعلت المخرجة قصة الحب في فيلمها تبدأ حين تشمم الغزال أليفه، فإن «عن الجسد والروح» يصور كيف  أنه بعثور البطل والبطلة على أحدهما الآخر، فهما  بذلك «يتشممان» طريقهما نحو المحبة، في عالمي الخيال والواقع.

وفقاً لقبائل السكان الأصليين بـ«بيرو»، فهناك طقوسًا خاصة للانتقال من الطفولة إلى عالم البالغين، يطلقون عليها «طقوس العبور». يُترك الإنسان في أحد الغابات لإيقاظ حيوانه الداخلي بعيدًا عن الجسد الذي يؤطر الروح، على أن يعود حينما تكتمل طقوس العبور كاملة، وحينها ستكون قبيلته بكاملها في انتظاره معلنة ميلاد «بالغ جديد».

في رائعة تشارلز لوتويدج، احتاجت «أليس» عالمًا كاملًا من الخيال في «بلاد العجائب» لتستطيع العبور نحو ما عجزت عن فهمه وإدراكه عن ذاتها والعالم الخارجي، فعبرت من خلال إعادة رسم خارطة تقودها أسئلتها نحو الذات والعالم. في هذا السياق، يبدو لي فيلم «عن الجسد والروح» أحد طقوس العبور التي تصنعها السينما بكل أدواتها، لنعيد ضبط زاوية الرؤية للجسد، ليصبح بابًا دوارًا يعبر بنا إلى أرواح تائهة في عالمٍ شديد القسوة والبرودة، يحيلنا إلى لا وعى يختبئ في ثنايا الأحلام، يخبرنا أن المحبة وحدها هي الطقس الأوحد للعبور نحو الآخر فينا.

اعلان