«الفتنة الكبرى».. ما بين دراما إبراهيم عيسى ومنطق طه حسين
 
 

يظل ما حدث في التاريخ الإسلامي، بداية من مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وما أعقبه من خلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن سفيان، وانقسام بين الصحابة، ثم مقتل علي ومقتل الحسين فيما بعد، ملفًا شائكًا، يتجنب الكثير من المسلمين الخوض فيه أو حتى مجرد ذكره، لصعوبة استيعاب وتقبل وجود صراع، بل وقتال، بين الصحابة الذين يضفي عليهم أغلب المسلمين هالة من القداسة، وافتراض التنزه عن الخطأ.

لذا لا نجد العديد من المراجعات عن هذه المرحلة، رغم أنها كانت البداية لانقسام المسلمين إلى سنة وشيعة، وبداية تبلور إشكاليات العلاقة بين السلطة وبين الدين في تاريخ «الدولة الإسلامية»، وهي الإشكاليات التي لا تزال حاضرة حتى وقتنا الراهن.

ويظل كتاب طه حسين «الفتنة الكبرى» بجزئيه «عثمان» (1952) و«علي وبنوه» (1961)؛ مرجعًا هامًا لفهم ما حدث. فهو لا يتحيز لصحابي معين بناء على توجهه المذهبي، مثلما يفعل معظم من يتناولون الموضوع بغرض تأييد موقف أحد الطرفين، من سنة وشيعة، بل كان حسين مشغولًا بالحيادية، وبأن يكون مؤرخًا عقلانيًا، فنحّى عاطفته الشخصية نحو الشخصيات، واتبع في مقاربته للأحداث منهج الشك، رافضًا بعض الروايات والوقائع التي يراها غير منطقية، أو لا تتماشى مع طبائع الشخصيات. وغلف كل ذلك بلغته العربية الرصينة القريبة من لغة كتب التاريخ التراثية التي استخدمها كمراجع.

«رواية» من التاريخ الإسلامي

أما في «رحلة الدم» لإبراهيم عيسي، تتحول الأحداث التي أدت الي مقتل عثمان لرواية، أبطالها هم الصحابة والشخصيات المعاصرة لهم، ومع أن عيسى ينوِّه في البداية أن جميع الشخصيات حقيقية، وأن كل الأحداث الواردة فيها معتمدة على مراجع أرَّخت لتلك الفترة، إلا أن اختيار القالب الروائي بدا فرصة لاكتساب المزيد من الحرية في ملء فراغات كتب التاريخ.

لغة الرواية ولغة حوار الشخصيات عصرية بشكل لافت للنظر، ومع أن الهدف قد يكون سهولة الوصول للقارئ، لكن استخدام تركيبات لغوية وتعبيرات ظهرت بعد قرون من وجود تلك الشخصيات، بل وبعض عبارات من العامية المصرية قام بتفصحيها، يؤدي للشعور بوجود عدم اتساق بين الشخصيات وبين حوارها. أما من الناحية الأدبية فالرواية تقليدية في طريقة سردها، لا يستغل عيسى مثلًا توزع الأحداث جغرافيًا بين مصر وبين المدينة، أو طبيعة الموضوع الذي يعالجه، ليجرب أي حيل كتابية، بل يلتزم بالشكل الكلاسيكي للرواية.

منطق «طه حسين» ودراما «إبراهيم عيسي»

يأخذ طه حسين القارئ بشكل متدرج تاريخيًا، فهو يعود إلى شكل الدولة في عهد الرسول، ثم اختلافها في عهد كل من أبو بكر وعمر، متناولًا بالتفصيل شخصية كل خليفة منهما، حتى يصل إلى عهد عثمان، ويوضح الفارق والتغير الذي حدث مع ظهور أسئلة جديدة، واتساع الفتوحات وتزايد الغنائم، التي أثارت الأطماع وغذت من حدة التنافس. كما يناقش أيضًا فكرة الحكم في الإسلام وتطورها، مقارنًا إياها بما وصل إليه العالم من مفاهيم حديثة.

أما إبراهيم عيسي فيبدأ رحلته من تتبع شخصية عبد الرحمن ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب، راصدًا مرحلة حضوره «فتح» مصر، وعلاقته بالفاتحين. ثم ينتقل بالأحداث لأجواء الخلافة في المدينة، وكيفية تصاعد الأحداث في المشهدين وصولًا لتفجرها.

وبينما يحقق طه حسين في كل حدث قبولًا أو رفضًا له وفقًا لروايته واتساقه مع المنطق؛ ينحاز إبراهيم عيسي لإحدى الروايات التاريخية بشكل كامل.  فالقالب الروائي لا يسمح بالتشكك في الأحداث، بل عليك اختيار ما تميل إليه منها، وما يتسق مع البناء الدرامي.

يلعب عيسى على إرباك شريحة الجمهور «العادي» الذي يمنح الصحابة عصمة، ولا يرضى عن ذكرهم بما يسوء، فيتعمد إظهارهم في حوارات دنيوية للغاية، وأن يبرز اختلافاتهم في الدين، بخصوص السنة النبوية مثلًا، والاختلافات حول وجود أكثر من مصحف.

ولتحقيق هذا الغرض، تلجأ الرواية للدخول إلى العالم الاجتماعي السفلي للمدينة، وهو ما لم يتطرق إليه طه حسين. حيث تتابع قصص الجواري وزيجات الصحابة وشخصية حُبي، المرأة التي اشتهرت بإتقانها فنون الهوى، والتي كانت تقوم بتعليم نساء المدينة تلك الفنون، وهو ما قد يكون صادمًا لقارئ يتصور المدينة كمكان مقدس يعيش فيه الصحابة للعبادة والاستعداد للجهاد.

وكذلك تصدم الرواية القارئ بشخصية «طويس»، العبد المخنث المغني صاحب الصوت الجميل، وهو المولود في بيت أم الخليفة عثمان، والمختلط بالنساء والمتشبه بهن في تكحيل عينيه، والاهتمام بنعومة جلده، والصابغ وجهه ويديه بالحناء، وفي نفس الوقت فهو يعلن إسلامه والتزامه بفروض الإسلام من صلاة وصوم وحج .

أما شخصية عبد الرجمن ابن ملجم،  فتمثل نموذجًا للمسلم المتحمس حافظ القرآن الذي لا يعرف الكثير عن الدنيا والسياسة، وتؤدي صدمته مما يراه من ألاعيب السياسة والحكم أن يصل في نهاية المطاف لقتل علي بن أبي طالب.

ما بين «تناقضات» عثمان و«حكمة» علي

فيما يخص علي بن أبي طالب، تتشابه رؤية كل من «الفتنة الكبري» و«رحلة الدم»؛ فهناك تقدير لشخصيته ولزهده، واحترام لموقفه الذي اعتبره البعض متخاذلًا لعدم دفاعه الصريح عن عثمان. من ناحية أخرى تفرد الرواية مساحة لنصائح علِي لعثمان، ومحاولته إصلاح ما يحدث، وعدم التزام عثمان بما يتعهد به، ما يجعل علِي غير راضٍ عن طريقة حكمه، ولكنه، في نفس الوقت، يوفِد ولديه دفاعًا عنه عندما يحاصره الثائرون، بسبب رفضه للعنف، ودفاعًا عن صاحب الرسول، فرغم أنه، ربما، كان يعتقد بأحقيته  في الخلافة، إلا أن ذلك لا يجعله متحاملًا عليه، أو كارهًا له، ففي النهاية هو علي الزاهد غير المنبهر بمتع الدنيا أو المستميت علي السلطة.

أما عثمان بن عفان فيتناوله طه حسين بموضوعية، فلا يغفل فضائله من بداية دخوله الإسلام، وإنفاقه في سبيل الدعوة. وفي نفس الوقت لا يتجاهل المشكلة الأساسية، وهي محاباته لأقاربه من بني أمية في تولي الإمارة وفي الأموال.

بينما في «رحلة الدم»، يظهر عثمان كشخصية شكسبيرية تحمل تناقضاتها داخلها، وتقودها تلك التناقضات نحو هلاكها. وأحيانًا يصوره في صورة قريبة لأنور السادات. فهو الحاكم الذي جاء بالانفتاح الاقتصادي، بعد حاكم قوي ومتحفظ من الناحية المالية، ومع حركة المال في المجتمع وما يصاحبها من حراك، يحدث احتقان يؤدي لغضبة تنتهي لمقتله. تصوّر الرواية غضب الناس ضد عثمان، وكيف عبر هذا الغضب عن نفسه في شكل العنف والقسوة والتدمير والقتل.

اختيار عيسى لموضوع الرواية، لا يبدو بعيدًا عن الخط الأساسي لفكره، فقد سبق له تقديم مؤلفات تتناول تلك المناطق بين الدين والسياسة، مثل  «دم الحسين» (1992) ورواية «مولانا» (2012) والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2013، والتي ناقشت الخطاب الديني وعلاقته بالسياسة والسلطة والإعلام والمال وجماعات الإسلام السياسي من خلال شخصية الداعية الذي يتحول لنجم تليفزيوني.

وبشكل عام، فإن توقيت إصدار تلك الرواية (2016) لا يبدو بعيدًا بدوره عن الأجواء الفكرية المطالبة بتجديد الخطاب الديني، والتي شهدت رواجًا الفترة الأخيرة، مثل تجربة إسلام البحيري، الذي دعا لتفنيد التراث الإسلامي، مهاجمًا  لبعض تأويلاته التي رآها مصدرًا أساسيًا للإرهاب، كما أن توقيتها يأتي مع بزوغ نجم تنظيم (داعش) المرتبط بدوره بإباحة إراقة الدم المتكئة على تأويلات لنصوص دينية معينة.

رواية رحلة الدم، صدرت بعد عهد تولي الإخوان الحكم، وهي رواية محملة بالكثير من الرسائل السياسية، أكثر من كونها عمل أدبي مستقل بحد ذاته، ففي عرضها لأفكار تكفير المسلمين لبعضهم البعض، بسبب الخلافات السياسية، وبدايات استغلال كل طرف للقرآن والأحاديث النبوية كوسيلة للحصول على مكسب سياسي، إشارات واضحة لمآلات الإسلام السياسي بعد ثورة 2011.

ومع أنها للوهلة الأولى قد تغري لتصنيفها في إطار «التنوير الفكري»، بسبب اقتحامها لمناطق من غير المريح الحديث عنها في التاريخ الإسلامي، إلا أن سرعان ما يتبين أن ما يبدو جسارة أتى من تفتيش إبراهيم عيسى على التفاصيل «المثيرة» والأحداث «الحراقة» الصالحة لخلطة رواية «تبيع» جيدًا، وليس من رغبة في  تقديم عمل أدبي له بصمته الخاصة، أوتفنيد حقيقي للتاريخ مثلما فعل طه حسين في «الفتنة الكبرى».

اعلان
 
 
محمد يحيى