ماذا لو سُمح باستخدام القنابل العنقودية في سيناء؟

في يوم 9 فبراير 2018، نشر الحساب الرسمي للمتحدِّث العسكري المصري على موقع تويتر مقطعًا مصوَّرًا للترويج للعملية العسكرية «سيناء 2018»، تظهر به مقاتلات تحمل ذخائر عنقوديَّة. بعدها بساعات، نشرت صفحة بعنوان «بوابة الدفاع المصرية» تدعي أنها «صفحة مجتمعية غير رسمية» منشورًا يشير للمقطع الترويجي بشيء من التَّباهي بإمكانات القوات المسلَّحة لتملَّكها هذا النوع من الأسلحة.

على الأرجح، ما يظهر في المقطع هي ذخائر أمريكيَّة الصنع من نوع CBU-87 Combined Effects Munitions والَّتي تحتوي كل منها على ٢٠٢ قنبلة صغيرة (قُنيبلة) من نوع BLU-97/B ذات الأثر الحارق incendiary effect، وذلك بحسب خبراء استشارتهم منظمة العفو الدوليَّة بالإضافة لمنشور الصفحة «غير الرسمية» تلك.

آثار مدمِّرة خارج السيطرة وجرائم حرب وشيكة

الذخيرة العنقودية هي عبارة عن حاوية تُطلَق من الجو أو الأرض، في شكل قنبلة أو صاروخ أو قذيفة مدفعيَّة، ثم تنفتح في الهواء لتنشر قُنبيلات كثيرة على مساحة واسعة من الأرض قد تفوق ملعبين كرة قدم (كما يظهر في المقطع المرفق)، وذلك على عكس القنابل والمتفجِّرات ذات الرأس الحربية الواحدة والَّتي يمكن أن تُطلَّق على هدف محدَّد.

للمقارنة، يمكن تخيُّل الفرق عند استهداف شخص يقف وسط أربعة آخرين باستخدام رصاصة أطلقتها بندقية عادية، ثم إعادة استهداف ذات الشخص في ذات الظروف ولكن باستخدام مقذوف Shotgun. في الحالة الأولى ستصيب الرَّصاصة الهدف، أما في الثانية فستصيب الحبَّات الصغيرة، أو الكُرَيَّات المنطلقة من مقذوف الـShotgun، الهدف والمتواجدين حوله على السَّواء.

الأمر هو ذاته في حالة المتفجِّرات؛ القنابل والمتفجِّرات ذات الرَّأس الحربيَّة الواحدة لها أثر قوي ومحدد تجاه جسم واحد، أمَّا الذَّخائر العنقوديَّة وما يتناثر عنها من مئات القُنيبلات فهي غير مؤهَّلة للتصويب تجاه هدف واحد، إذ أن أثرها ينتشر ليغطِّي مساحة واسعة من الأرض.

لذلك فهي أسلحة صُمِّمَت خصيصًا لاستهداف التشكيلات العسكريَّة الكبيرة المنتشرة على مناطق واسعة، مثل المواقع العسكرية وتشكيلات الدبَّابات والمشاة المتواجدة في الأماكن غير المأهولة بالسكَّان. هذا جزء من السبب وراء الاتِّفاق الدَّولي على تجريم استخدام الذَّخائر العنقوديَّة في مناطق يتواجد بها مدنيُّون، إذ أنها لا تستطيع التفرقة بين ما هو مدني وما هو عسكري، وبالتالي تؤدِّي لارتكاب جرائم حرب.

الجزء الآخر هو أن أثر الذَّخائر العنقوديَّة لا يتحقَّق فقط لحظة إطلاقها على منطقة ما، بل يمتد لعقود من الزمن في هيئة ما يجوز اعتباره قنابل موقوتة. أظهرت الأبحاث والدِّراسات أن من 10٪ إلى 40٪ من القنيبلات المتناثرة تلك لا تنفجر عند الاصطدام بالأرض أو بجسم ما، بل تتناثر وتبقى في الأرض لمدد طويلة لتشكِّل ما يشبه الألغام، إذ تنفجر بمجرَّد لمسها. وتُشير الدِّراسات والحالات الموثَّقة إلى أن مخلَّفات الذَّخائر العنقوديَّة تلك تؤدِّي إلى حدوث خسائر في أرواح المدنيين لفترات طويلة بعد انتهاء النزاع، وذلك مثلما حدث ويحدث حتى يومنا هذا في بلدان عديدة.

على سبيل المثال، في فيتنام، أدَّت مخلّفات الذخائر العنقودية لمقتل أو إصابة 4500 من المدنيين في أول خمس سنوات بعد انتهاء الغزو الأمريكي، ثم بين عامي 1973 و1996 قُتِل أو أُصيب 11000 للسبب ذاته. في المنطقة العربيَّة، منذ حرب 2006 وحتى الآن، لا يزال مدنيو وأطفال لبنان يدفعون ثمن استخدام إسرائيل تلك الأسلحة، إذ تنفجر تلك المخلَّفات من وقت لآخر على الرَّغم من فوات ما يزيد على عشر سنوات على الحرب.

لهذه الأسباب، يعتبر استخدام الذَّخائر العنقوديَّة في مناطق مأهولة أو غير مأهولة بالسكَّان من الأمور الَّتي تؤدي بالضرورة لحدوث جرائم حرب. فالاحتماليَّة الأولى هي وقوع جريمة شن هجمة لا تفرِّق بين المدنيين والعسكريين فور استخدام السلاح، والاحتمالية الثانية هي وقوع جريمة شن هجمة لا تراعي قاعدة «التناسب» بين المكاسب العسكرية والخسائر المدنية وذلك بسبب الآثار قصيرة وطويلة المدى على السكان المدنيين.

وبالطبع قد تتحقق الفرضيتان معًا، ولذا قرَّرت أكثر من مائة دولة التصدي للذخائر العنقودية باتِّفاقيَة الذَّخائر العنقوديَّة لعام 2010، والَّتي تحظُر استخدام أو إنتاج أو تخزين تلك الذَّخائر.

جريمة بلا آلية للعقاب

فيما يخصُّ إمكانية استخدام الذخائر العنقودية في سيناء، ليس هناك ما يدعو المسؤولين المصريين للخوف من المحكمة الجنائية الدولية، وهي الجهة الدولية المختصة بالتَّدخل حال ارتكاب جرائم حرب. فمن ناحية،. مصر ليست دولة عضو في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي فهي غير خاضعة لاختصاص المحكمة.

ولكن، كما رأينا في حالتي السودان وليبيا، تجيز المادَّة 13 (ب) من نظام روما الأساسي للمحكمة التدخل في دول غير أعضاء بطلب من مجلس الأمن.

ومع صعوبة تخيل اتِّخاذ مجلس الأمن قرارًا مثل هذا بشأن مصر لعدة أسباب، إلَّا أن حتّى حدوث مثل هذا الأمر لا يحمل أي مخاطر للمسؤولين المصريين، بسبب أن نصوص نظام روما الأساسي الخاصَّة بالنزاعات المسلَّحة غير الدَّوليَّة، مادَّة 8(هـ)، تجرِّم فقط استهداف المدنيين مباشرةً، ولكنها لا تجرِّم شن الهجمات لا تُفرِّق بين العسكريين والمدنيين أو الأعيان المدنية أو شن هجمات، مع العلم بأنها ستؤدِّي لخسائر مدنيّة «لا تتناسب» مع المكاسب العسكريَّة المتوقَّعة.

ضد من؟

 أحكي لصديقة عن موضوع الذّخائر العنقودية الَّتي ظهرت في المقطع هذا، فتسأل مُسْتَنكرة اهتمامي: «تمام، هما هيستخدموها ضد مين يعني؟» (في إشارة إلى الجماعات الإرهابية). بالتأكيد هذا هو السؤال: لو استخدمت القوات في سيناء هذه الأسلحة، هل تعرف ستستخدمه ضدَّ من؟

الإجابة مستحيلة، ولذلك أتمنَّى أن يكون ما ظهر في المقطع المصوَّر أمرًا ترويجيًا ليس أكثر، وأن تكتفي القوات المسلَّحة باستخدام أسلحة مشروعة. فالمؤكَّد هو أن القوَات الأمريكية في فيتنام أو أفغانستان مثلًا أو القوات الإسرائيلية في لبنان 2006 لم تكن تعلم ضد من تَستخدم الذخائر العنقودية، فضحايا هذا السلاح يتسقاطون حتى يومنا هذا.

فقط كانوا يعرفون أن الضحية في الأغلب تنتمي لجنسية العدو، لكن لا شيء بعد ذلك؛ لا حالتها في النزاع (شخص عسكري أو مدني)، وظيفتها، سنها، موعد إصابتها، نوع ودرجة الإصابة، إلخ. وحتى موضوع جنسية الضحية هذا، هو أمر مباغت أحيانًا، فلم تكن القوات الأمريكيَّة في العراق تعلم ضد من استخدمت الذخائر العنقودية في العراق عام 1991 لأنها عادت للَمِّ جثث أكثر من ثمانين من جنودها الذين قتلوا أثناء تواجدهم في العراق بسبب مخلَّفات الذخائر العنقودية.

لذلك، فعند استعراض المتحدِّث العسكري هذا السلاح في إطار حملة عسكرية داخل الإقليم المصري، علينا أن نسأل: ضد من؟ طبيعة تلك الذَّخائر تقول إن القوات المسلَّحة، إن قرَّرت شن مثل هذه الهجمات، لن تستطيع أن تعرف مُسبقًا من هم الضحايا. هل سيكونوا إرهابيين ومعهم مدنيون؟ كم ضحية ستسقط في الأعوام القادمة بسبب مخلَّفات الذخائر العنقودية؟ بعد خمسة أو عشرة أعوام مثلًا، هل سيسقط مجنَّدون أيضًا أم أطفال فقط؟

إن سُمح باستخدام هذا السلاح، فكل ما نعرف عن الضحايا الآن هو جنسيَّتهم: مصريون.

اعلان
 
 
عبد الغني سيد