قاضي تحقيقات مقتل جوليو ريجيني: حصيلة عامين من البحث (ترجمة كاملة)
 
 

 المحرر: يُصادف اليوم، السبت، ذكرى مرور عامين على اكتشاف جثة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في 3 فبراير 2016 بمدينة السادس من أكتوبر في الجيزة، وذلك بعد أيام من اختفائه وتعذيبه حتى الموت.

في ذكرى اختفاء ريجيني، كتب جيوسبي بينياتوني، مدعي عام روما وقاضي التحقيق في مقتل ريجيني، رسالة مطولة بشأن ما توصلت إليه التحقيقات خلال عامين، ونشرتها صحيفتا «لا ريبوبليكا» و«كوريير دي لا سيرا» الإيطاليتين، يوم 25 يناير الماضي.

وسبق أن نشر «مدى مصر» تغطية للرسالة تحت عنوان «النائب العام اﻹيطالي يتهم أجهزة أمنية مصرية بالضلوع في مقتل ريجيني»، والتي حذفناها مؤخرًا، وذلك حرصًا منا على دقة نقل ما قاله مدعي عام روما.  وفي ضوء ما تضمنته الرسالة من معلومات هامة غير متاحة للمصريين، قررنا ترجمتها بالكامل من الإيطالية إلى العربية.

***

عزيزي رئيس التحرير

بعد مرور عامين على اختطاف جوليو ريجيني في القاهرة، فيما يلي تأملات مختصرة في بعض جوانب التحقيق.

التعاون

كون الأحداث المأساوية وقعت في مصر استتبع بالطبع أن أصبح للسلطات المصرية، أولًا وقبل كل شيء،  الحق، ولكن أيضًا، واجب إجراء التحقيقات. أما بالنسبة لنا، قضاة التحقيق الإيطاليين والشرطة الإيطالية، فلا يسعنا إلا أن نتعاون وندعم التحقيقات التي يقوم بها الفريق المصري، من خلال تقديم الاقتراحات والطلبات. ولا يمكن أن نتصور أن بإمكاننا من موقعنا خارج مصر أن نجمع معلومات مؤكدة تسمح بالتعرف على المسئولين عن الجريمة.

هذا التعاون مع زملائنا المصريين غير مسبوق في تاريخ التعاون القضائي. فلأول مرة، بحسب اعتقادي، يأتي النائب العام من بلد آخر إلى إيطاليا، في غياب اتفاقيات تنظم ذلك، ليُطلعنا على نتائج التحقيقات التي قام بها. وكذلك ذهبنا نحن إلى القاهرة في إجمالي سبعة لقاءات لنفس الأسباب. وفي هذا الشأن يتوجب علي أن أقدم شكري العلني للنائب العام نبيل صادق.

في غياب اتفاقات أو معاهدات دولية، كما هو الحال في هذه الحالة، لا يمكن إقامة تعاون قضائي معقد وصعب، إلا إذا بادرت حكومتا البلدين بالتوازي بالتعاون الحقيقي. ولا شك أن ضغط الرأي العام – على المستوى الدولي أيضًا – لعب دورًا رئيسيًا في ذلك.

التحقيق

باعتبارنا قضاة، يجب أن يلتزم أداؤنا بمعايير وأساليب محددة، إضافة إلى تراثنا القضائي الراسخ. لم يكن دائمًا من السهل اختراق ذهنية العالم العربي أو أن نقيّم أنفسنا قياسًا إلى نظام قضائي مختلف تمامًا من حيث إجراءات وممارسات التحقيق. على سبيل المثال: حرصًا على عدم قطع خيط التعاون كان علينا أن نقبل بالاستحالة القانونية لحضورنا أثناء جلسات الاستماع للشهود بواسطة زملائنا في القاهرة. في بعض الأحيان، تمكننا من تجاوز العقبات، على الأقل جزئيًا.

مثال آخر: طالبنا فورًا بتسليمنا البيانات الخاصة بشركات المحمول في أماكن محددة في القاهرة، في التاريخين الحاسمين 25 يناير و3 فبراير 2016 (اختفاء جوليو، وتاريخ اكتشاف جثمانه)، إلا أن القانون المصري لم يسمح بذلك.

وقد تمّ حل المشكلة جزئيًا حيث أُتيح لنا الاطلاع على تقارير الخبراء المصريين، رغم أن إتاحة المادة الخام وتحليلها مباشرة كان كفيلًا، بلا شك، أن يحدث فرقًا كبيرًا.

رغم كل هذه العراقيل واصلنا عملنا، وأعتقد أن بإمكاني أن أقول إننا توصلنا إلى بعض النتائج الملموسة. بداية، أردنا أن نتجنب التحريات التي تنتهي بنا إلى مسارات خاطئة (كالتركيز على انخراط وهمي لجوليو في أنشطة تجسس أو تورط مجموعة من المجرمين العاديين). ثانيًا، أردنا أن نحدد بعض الخطوط الحمراء داخل إطار تحرياتنا في جريمة قتله.

أولًا وبالأساس، أمكننا تحديد أن دافع الجريمة يقود بسهولة إلى نشاط جوليو البحثي خلال شهور تواجده في القاهرة. وقمنا بتسليط الضوء على الدور الذي لعبه بعض الأشخاص الذين قابلهم جوليو في خلال بحثه، والذين غدروا به لاحقًا. كذلك اتضح أن جوليو كان، ولعدة شهور، قد اجتذب انتباه أجهزة الدولة المصرية، وهو الاهتمام الذي استمر بشكل متزايد حتى يوم 25 يناير.

هذه عناصر جوهرية لمتابعة التحريات، وقبل كل شيء، لإيجاد أرضية مشتركة مع زملائنا المصريين. منذ عامين ما كان لأحد أن يتوقع أننا سنصل إلى مثل هذه النتائج.

ليس في نيتنا أن نتوقف هنا، رغم إدراكنا المستمر لشدة تعقيد التحريات. فيما يلي مثال آخر من أجل فهم أفضل للعراقيل التي تغلبنا عليها، وتلك التي لا يزال علينا أن نتجاوزها: خلال آخر لقاء لنا في القاهرة، في شهر ديسمبر، أردنا أن نطلع زملاءنا المصريين على نتائج عملية إعادة التركيب الدقيقة لكافة الأدلة التي تمّ جمعها حتى الآن. هذه المعلومات جُمعت بواسطة كل من (قطاع العمليات الخاصة) و(خدمة العمليات المركزية) في الشرطة الإيطالية، ويجب الاعتراف بقيامهما بدور ممتاز خلال العامين الماضيين، ويستحقان امتناننا.

لو أننا كنا بصدد تحقيق عادي، لتمكن مكتب النائب العام من استخلاص بعض الاستنتاجات، حتى وإن كانت غير مكتملة، على أساس المعلومات التي جُمعت. أما في هذه الحالة فقد فرض التعاون بين المكتبين مسارًا بطيئًا ومرهقًا: تقديم المعلومات، ثم انتظار فحص زملائنا [في مصر] لها، ثم التقييم المشترك لما سوف يُتخذ من خطوات تالية. إنها عملية معقدة تعتمد على وجود إيمان متبادل بالحاجة إلى التعاون. صحيح أن العملية لم تكن سريعة بالقدر الذي كنا نتمنى، لكنها كانت الطريق الوحيدة الممكنة. فقد كان أقل اندفاع من جانبنا كفيلًا بأن يحطم، ويلغي كل ما تمّ التوصل إليه بكثير من المعاناة حتى الآن.

كامبريدج

حيث أن الدافع الوحيد للقتل مرتبط حصريًا بأبحاث جوليو، وجب علينا الإشارة إلى الأهمية الفائقة لفهم الأسباب التي دفعته إلى السفر إلى مصر، وتحديد كل مَن تواصل معهم هناك، سواء أكاديميين أو أعضاء في النقابات العمالية المصرية.

ولذلك، فإن الاختلافات الواضحة بين تصريحات أفراد في الجامعة وبين ما اتضح من مراسلات جوليو (التي تمّ الحصول عليها من حاسوبه الخاص في إيطاليا) استدعت قيامنا بالمزيد من التحريات في المملكة المتحدة. وقد كان ذلك ممكنًا بفضل التعاون الفعال من قِبل السلطات البريطانية. ويظهر التحليل المبدئي أن نتائج هذا التعاون -الذي شمل إجراءات تفتيش ومصادرة مواد- كان مفيدًا. وتخضع تلك النتائج حاليًا للدراسة من قِبل محققينا.

الأسرة

التقينا السيد والسيدة ريجيني عدة مرات، خلال هذه الشهور الأربعة والعشرين. وتأثرنا بتحَلّي الوالدين بالكرامة في مواجهة المأساة، وبجهودهما المتواصلة في البحث عن الحقيقة والعدالة. ومن جانبنا، يمكننا أن نؤكد على أننا سوف نستمر في بذل الجهود المستمرة، والقيام بكل ما هو ضروري ومفيد، حتى نقدم للعدالة المسئولين عن اختطاف وتعذيب وقتل جوليو.

***

جيوسبي بنياتوني، مدعي عام روما

اعلان