قانون النقابات العمالية: مضمون قديم في نصوص جديدة
 
 
مسيرة للنقابات المستقلة - يوليو 2011 - صورة: هيثم جبر
 

قبل أيام، نشرت الجريدة الرسمية النص الكامل لقانون النقابات العمالية وحماية الحق في التنظيم النقابي الجديد (رقم 213 لسنة 2017)، الذي صدَّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي عقب تمرير البرلمان له.

جاء القانون الجديد نتيجة مطالبات كثيرة نادت بها أطراف عمالية ونقابية محلية ودولية -خاصة بعد ثورة يناير- لصياغة قانون جديد ينظم عمل التنظيمات النقابية العمالية بدلًا من القانون 35 لسنة 1976 سيئ السمعة، بما يفتح المجال أمام الحرية والتعددية النقابية بعد ما يزيد على نصف قرن من احتكار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي تأسس عام 1957، للتنظيم النقابي. اتفق خبراء ونقابيون على أن التعديلات التي قدمها القانون الجديد مجرد تغييرات شكلية تعيد إنتاج الوضع النقابي المتدهور الذي أسسه القانون القديم. السؤال إذًا: كيف تمكنت الحكومة من إعادة تصدير الوضع النقابي القديم في صورة قانون جديد؟

الحاجة إلى قانون جديد

طوال عقود، كان الاتحاد العام لنقابات عمال مصر هو الممثل النقابي الوحيد الذي يحظى به العمال في مصر. استمر هذا الوضع حتى عام 2006، حيث أصدر القضاء اﻹداري حكمًا ببطلان انتخابات مجالس إدارات النقابات والاتحاد.

توضح فاطمة رمضان، نقابية وعضو سابق بالمكتب التنفيذي للاتحاد المصري للنقابات المستقلة، لـ «مدى مصر» أن عددًا من اﻷطراف دعت الحكومة المصرية خلال السنوات التالية لحكم القضاء الإداري إلى إصدار قانون جديد لتنظيم النقابات يفتح الباب أمام حرية تشكيل النقابات دون تدخلات، ويكسر احتكار الاتحاد لتمثيلهم.

وفي عام 2008، تقدمت كل من اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية، ودار الخدمات النقابية والعمالية، بمشروعي قانونين لاستبدال القانون القديم.

من جانبها، قررت منظمة العمل الدولية في العام ذاته إضافة اسم مصر إلى قائمتها السوداء للدول الأكثر انتهاكا للحقوق النقابية، وذلك بسبب فشلها في تحقيق التزاماتها الدولية في اتفاقية 87 فيما يتعلق بضمان الحريات النقابية وإصدار قانون جديد للنقابات، وهو القرار الذي جددته المنظمة مرة أخرى في 2010.

لكن ثورة يناير 2011 فتحت الباب أمام فرص كبيرة. في 12 مارس 2011، أصدر وزير القوى العاملة وقتها، أحمد البرعي، قرارًا بحق العمال في تأسيس نقاباتهم المستقلة بمجرد إيداع أوراقها في الوزارة كخطوة مؤقتة لحين سن قانون جديد. وسمح القرار بتأسيس المئات من النقابات المستقلة على مدار الشهور التي تلته. وقررت منظمة العمل الدولية رفع اسم مصر من قائمتها السوداء.

كما أقر مجلس الوزراء مشروع قانون جديد للتنظيمات النقابية قدمه البرعي، لكن المجلس العسكري -الذي كان يحكم مصر وقتها- رفض إصدار القانون، بحسب فاطمة.

وفي أغسطس 2011، أصدر البرعي قرارًا بحل مجلس إدارة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر امتثالًا للأحكام القضائية، وتشكيل لجنة مؤقتة ﻹدارته، وذلك حتى إجراء انتخابات جديدة، وهو اﻷمر الذي لم يتم حتى اﻵن.

وخلال اﻷعوام التالية، تعددت مشاريع قوانين تنظيم النقابات دون إقرار أي منها، وهو اﻷمر الذي تسبب في إعادة مصر إلى القائمة السوداء لمنظمة العمل مرة أخرى في عام 2013.

وأرسلت لجنة المعايير في منظمة العمل الدولية وفدًا لزيارة مصر، في مايو الماضي، بناءً على دعوة مصرية. ونقلت صحيفة «المصري اليوم» عن مصادر داخل الوزارة أن دعوة الوفد لزيارة مصر محاولة أخيرة من الحكومة لعدم وضع مصر بالقائمة السوداء خلال المؤتمر السنوي للمنظمة. وقدم الوفد ملاحظاته على عدد من القوانين ومن بينها قانون التنظيمات النقابية المقترح.

لكن المحاولة لم تنجح. وخلال مؤتمرها السنوي، في يونيو الماضي، قررت منظمة العمل الدولية إعادة مصر إلى قائمتها السوداء.

وعلى الرغم من الضغوط، أقر مجلس النواب المصري القانون الجديد المقدم من الحكومة، في نوفمبر الماضي دون استجابة لمطالب تعديل القانون، وهو القانون الذي صَدَّقَ عليه السيسي منذ أيام.

كيف يعيد القانون إنتاج الماضي؟

تنَصّ المادة 76 من الدستور على أن «إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون». كما كفلت المادة 4 من قانون النقابات الجديد على أن «للعمال، دون تمييز، الحق في تكوين المنظمات النقابية». لكن التطبيق العملي لمواد هذا القانون يجعل التمتع بهذا الحق أمر مستحيل.

يحدد القانون الجديد أشكال العمل النقابي التنظيمي في ثلاث مستويات هي اللجنة النقابية، والنقابة العامة، والاتحاد العام. تكون اللجان النقابية على مستوى المنشأة الصناعية أو المستوى الجغرافي، وتشكل هذه اللجان معًا نقابات عامة. وتشكل النقابات العامة اتحادات نقابية.

لكن القانون الجديد اشترط حد أدنى من اﻷعضاء لتأسيس هذه اللجان والنقابات والاتحادات يرتفع كثيرًا عن القانون السابق. على سبيل المثال، تتطلب المادة 11 من القانون عضوية 150 عاملًا على اﻷقل لتشكيل لجنة نقابية (بعد أن كانت 50 فقط في القانون القديم). كما يتطلب تشكيل نقابة عضوية 15 لجنة نقابية تضم 20 ألف عضو على اﻷقل، بحسب المادة 12.

يشير أحمد البرعي، الوزير اﻷسبق والذي يرجع إليه الفضل في فتح المجال أمام النقابات المستقلة، في مقال له نشرته صحيفة «الشروق» تعليقًا على القانون، إلى أن 70% من المنشآت في مصر يعمل بها أقل من 100 عامل، «وهو ما يعنى أن غالبية العمال سيكون من الصعب عليهم تكوين منظماتهم النقابية».

وينقل البرعي عن لجنة الحريات النقابية في منظمة العمل الدولية توصيتها بأن يكون الحد اﻷدنى المطلوب لتشكيل لجنة نقابية 20 عضوًا فقط.

لكن الحد اﻷدنى الذي يتطلبه القانون (والذي يزيد عن سبعة أضعاف توصية منظمة العمل الدولية) سينهي بشكل عملي الحريات النقابية. طبقًا لمواد إصدار القانون الواردة في القرار الرئاسي المنشور في الجريدة الرسمية، تلتزم كافة النقابات بإعادة توفيق أوضاعها بعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون.

وتتطلب إعادة توفيق اﻷوضاع من كافة النقابات الالتزام بالشروط الجديدة الواردة في القانون، ومن بينها الحد اﻷدنى المطلوب. يعني هذا أن المئات من النقابات العامة المستقلة التي تشكلت خلال اﻷعوام السابقة تحتاج للحصول على 20 ألف عامل في عضويتها كي تتمكن من توفيق أوضاعها، وهو أمر مستحيل. ربما كان هذا هو ما قصده وزير القوى العاملة الحالي، محمد سعفان، في حواره مع صحيفة «أخبار اليوم» في نوفمبر الماضي حين اعتبر أن «النقابات المستقلة ماضٍ وانتهى».

هناك استثناء وحيد من شرط توفيق اﻷوضاع. إذا كانت النقابة أو الاتحاد مؤسسة وفقًا للقانون القديم (وليس وفقًا لقرار البرعي)، ستكتفي هذه الكيانات بإجراء انتخابات جديدة دون الحاجة لإعادة تشكيلها. ما هي الكيانات التي تشكلت وفقًا للقانون القديم؟ اتحاد العمال والنقابات التابعة له.

يرى البرعي أن القانون الجديد «يهدف إلى العودة بالحركة النقابية إلى الوراء، والإبقاء على التنظيم الأوحد»، خصوصًا إذا ربطنا بين مادة اﻹصدار الثالثة وبين المادة 11 من القانون الذي يحدد الحد اﻷدنى المطلوب.

ويتفق عدد من النقابيين مع البرعي في هذا الاستنتاج. يوضح كمال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية وعضو المجلس القومي لحقوق اﻹنسان، لـ «مدى مصر» أن هذا الوضع القانوني سيحرم العمال من حقهم في تأسيس لجانهم النقابية في منشآتهم إذا كانت فيها لجان تابعة للاتحاد العام. بالنسبة إليه، فإن الغرض من هذه المادة هو الحفاظ على التنظيم النقابي اﻷوحد القائم منذ عام 1957.

طريق التقاضي

يحدد القانون الجديد أن التقاضي فيما يتعلق بمنازعات القانون تنظرها المحكمة العمالية، وذلك بعد أن كانت من اختصاص مجلس الدولة طبقًا للقانون القديم. تشير فاطمة رمضان إلى أن الدور الذي أسس له حكم مجلس الدولة عام 2006 ببطلان الانتخابات النقابية. بالنسبة إليها، فإن تغيير مسار التقاضي من مجلس الدولة إلى المحاكم العمالية سيمنع على اﻷرجح تكرار مثل هذه الأحكام. «لما كان عامل يتشطب من الانتخابات كان يلجأ للقضاء المستعجل للحصول على حقه»، تقول فاطمة، متوقعة أن تتسبب طريقة التقاضي الجديدة في عدم لحاق العمال بالانتخابات في حالة شطبهم.

وفي المقابل، ينصّ القانون على عقوبات مشددة في حالة مخالفة أحكامه. تدور هذه المخالفات حول مسألة واحدة: الانخراط في محاولات تنظيم تشكيلات نقابية بالمخالفة للشروط الرسمية.

تنصّ المادة 69 من القانون على عقوبة السجن دون تحديد فترة لها (وهو ما يعني ألا تقل عن ثلاث سنوات) لـ «كل من أنشأ أو كون منظمة نقابية عمالية أو تشكيلًا على خلاف أحكام القانون».

كما تعاقب المادة 67 بالحبس دون تحديد فترة (وهو ما يعني عقوبة تتراوح بين 24 ساعة إلى ثلاث سنوات) لكل من «شارك في تأسيس أو إدارة منشأة أو جمعية أو منظمة أو رابطة أو هيئة أو غير ذلك، وأطلق عليها بدون وجه حق في مكاتبات أو في لوحات أو في إعلان أو إشارة أو بلاغ موجه إلى الجمهور اسم أحد المنظمات النقابية العمالية» أو «مارس أي نشاط نقابي تقتصر ممارسته على أعضاء مجالس إدارة المنظمات النقابية العمالية».

وتعاقب المادة 76 كل مَن خالف الحظر على قبول الهبات أو التبرعات أو الدعم أو التمويل من اﻷفراد أو الجهات اﻷجنبية سواء من الداخل أو الخارج بالحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر.

وعلى عكس عقوبات العمال، يكتفي القانون بعقوبة الغرامة في المادة 71 على صاحب العمل في حالة تعطيله أي نشاطات عمالية ونقابية.

لهذه اﻷسباب، ترى فاطمة أن القانون الجديد جاء لسد الثغرات الموجودة في القانون القديم مع إعادة إنتاج الوضع ذاته.

ويتفق هشام فؤاد، الناشط النقابي والعمالي، أن القانون يمثل إعلان النهاية لتجربة النقابات المستقلة التي بدأت بعد الثورة. ويضيف فؤاد أن السؤال اﻷساسي اﻵن عن كيفية تأثر الحركة العمالية وإمكانيات تنظيمها في ظل القانون الجديد.

اعلان
 
 
محمد حمامة