سد النهضة: شكري في أديس أبابا.. زيارة محتملة ونتائج غير مضمونة
 
 

توقع مصدر دبلوماسي إثيوبي أن يقوم وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بزيارة أديس أبابا «قبل نهاية العام الجاري على الأرجح»؛ للقاء كبار المسؤولين في العاصمة الإثيوبية، وعلى رأسهم رئيس الوزراء هايلي ماريام ديسالين.

وكان من المتوقع أن تعقد اللجنة العليا المصرية الإثيوبية اجتماعًا خلال الأسبوع الجاري، خلال زيارة كانت سيقوم بها رئيس الوزراء الإثيوبي للقاهرة، قبل أن يعلن شكري أن زيارة ديسالين واجتماع اللجنة تأجلا حتى يناير المقبل، دون تحديد مواعيد واضحة لهما، معلنًا كذلك اعتزامه زيارة إثيوبيا.

فيما قال المتحدث باسم الخارجية، أحمد أبو زيد، في تصريحات صحفية إن اتصالات تجري بين الجانبين المصري والإثيوبي لتحديد موعد زيارة شكري لأديس أبابا.

كانت مصر قد أعلنت في نوفمبر الماضي «فشل» المفاوضات التي تخوضها مع إثيوبيا بهدف التوصل لحل توافقي يقر بحق أديس أبابا في بناء سد النهضة، وحصول مصر في المقابل على تطمينات أن عملية البناء سليمة من الناحية الفنية، بما لا يتسبب في أي أضرار وشيكة حال تعرض جسم السد لأي مشاكل، وأيضًا على تطمينات تتعلق بحصتها السنوية من مياه النهر التي تقول القاهرة، كما تقر منظمات دولية معنية، إنها غير كافية حيث تعد مصر واحدة من الدول التي تعاني من فقر المياه.

وفي حين اعتبرت تلك المفاوضات، قبل إعلان فشلها، بادرة هي الأولى من نوعها منذ انطلاق الأزمة في2010، حيث كانت القاهرة تصر أن أديس أبابا خالفت مقتضيات القانون الدولي التي تطالب دول المنبع بالاتفاق مع دول المصب وباقي دول حوض النهر قبل القيام بمشروعات مائية ضخمة، يعد الإعلان عن الزيارة المرتقبة لشكري وزيارة ديسالين بمثابة تطور ثانٍ نحو تحسين محتمل في العلاقات بين البلدين.

وبحسب مسؤول حكومي مصري متابع لمفاوضات مصر وإثيوبيا، والتي تشارك فيها السودان، بوصفها دولة مصب، وأيضًا بوصفها دولة الاستضافة لإعلان الخرطوم للمبادئ المُوقع على المستوى الرئاسي في مارس 2015، فإن إثيوبيا عجزت خلال التفاوض عن الإجابة على أسئلة رئيسية تتعلق بمدة ملء خزان السد، وهو السؤال الأكثر حيوية لمصر لأن الملء السريع لخزان سعة 74 مليار متر مكعب هو بحسب المسؤول «كارثة لا يمكن تصور آثارها على الرقعة الزراعية التي لا تفي أصلًا بالاحتياجات الرئيسية، وأيضًا على الاستخدامات الأوسع للمياه».

ويضيف المسؤول نفسه: «إن الخطة الأولى لبناء السد كانت تقوم على أساس أن تكون سعة التخزين أقل من 15 مليار متر مكعب، ولكن إثيوبيا قامت بتطوير المشروع ليتحول من سد واحد إلى أربعة سدود متصلة، وقامت بمضاعفة السعة التخزينية خمس مرات دون أي تفاهمات مع دول المصب».

السؤال الثاني الحيوي، والذي يقول المسؤول إن إثيوبيا تراوغ بشأنه، هو ما طرحته القاهرة مرارًا بشأن الإدارة المشتركة للسد لضمان عدم تعرض جسده لأي عيوب كارثية مفاجئة، «خاصة وأن المعلومات المتاحة لدينا تفيد بأن موقع بناء السد عليه الكثير من علامات الاستفهام من الناحية الهندسية، كما أن تفاصيل السد نفسه تطرح علامات استفهام حول معاملات الأمان، والتي قد تصل لحدوث انهيار جزئي أو كبير في جسد السد»، إضافة إلى ذلك فإن الإدارة المشتركة تتعلق أيضًا بالبعد البيئي، حيث أن عملية التخزين يجب أن تتم بصورة لا يترتب عليها تأثير شديد الوطأة على نوع الطمي الذي يصل مصر، وهو ما قد يؤثر سلبًا على الدلتا في مصر وخاصة حالة الزراعة فيها.

ويقول المسؤول المصري كذلك إن إثيوبيا كانت قد أبدت انفتاحًا على هذا الأمر، ولكنها تراجعت عنه بعد توقيع إعلان الخرطوم للمبادئ.

النقطة الثالثة، بحسب نفس المسؤول هي التعاون الزراعي المصري الإثيوبي في المناطق المحيطة بالسد، والتي يفسرها قائلًا: «إثيوبيا تؤكد دومًا أن الهدف الوحيد من بناء السد هو توليد الكهرباء لأغراض التنمية، ونحن لم نعارض حقها في التنمية رغم أن الحقيقة أن هذا السد كان يمكن أن يقام في منطقة أخرى بعيدًا عن النهر الأزرق الذي يمدنا بالجزء الأكبر من احتياجاتنا المائية دون أن يؤثر ذلك على قدرة إثيوبيا في توليد الكهرباء لأغراض التنمية، ولكن ما لا نفهمه أيضًا هو لماذا تتهرب إثيوبيا من التزام واضح بالتعاون الزراعي في منطقة السد».

وبحسب مصدر حكومي مصري ثانٍ معني بالملف، فإن إعلان القاهرة في نوفمبر الماضي عن فشل جولة المفاوضات حول سد النهضة جاء بعد أن رفضت إثيوبيا، ودعمتها السودان، مطلبًا مصريًا بأن تتضمن المفاوضات تفاصيل تقرير استهلالي قدمه بيت خبرة تم الاتفاق معه على تقييم بناء السد وطريقة عمله، ليكون أساسًا للخطوة القادمة في ما يمكن الاتفاق عليه، وجاء الرفض الإثيوبي لهذا المطلب لعدم موافقتهم على ما انتهى إليه التقرير.

يقول المصدر: «إثيوبيا تباطأت كثيرًا في التوصل لتفاهم حول عمل المكتب الاستشاري، ثم رفضت تضمين ما قاله في التقرير الاستهلالي، فما الفائدة إذن من عملية تفاوض تتحول في ما يبدو لنا لعملية مماطلة مع سبق الاصرار والترصد، تهدف لوضع مصر أمام الأمر الواقع».

غير أن مسؤول حكومي إثيوبي شارك في اجتماعات القاهرة، قبل إعلان فشلها، قال إنه لم يكن هناك داعٍ إطلاقًا لوصف الموقف بأنه فشل كامل للتفاوض بين مصر وإثيوبيا، لأن الأمر يتعلق بالاختلافات القابلة للتجاوز.

وبحسب الصورة التي يقدمها المسؤول الإثيوبي، فإن الإعلان المصري لا يتعلق بموقف إثيوبيا من التقرير الاستهلالي، وإنما بأن مصر رفضت مقترحًا إثيوبيًا بأن يكون التفاوض على مدة الملء مرتبطًا بتقييم انهمار الأمطار في موسم متوسط الانهمار، إضافة إلى الرفض الإثيوبي لموقف مصر من الإشارة مباشرة إلى «استخدامات مصر الحالية من مياه النيل»، وهو الأمر الذي اتفقت فيه السودان مع إثيوبيا علنًا، حيث قال وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، إن مصر تستخدم أكثر من حصتها المقررة بـ 56 مليار متر مكعب سنويًا، لأن السودان عبر السنوات لم يكن يحصل على حصته المقدرة بـ 18 مليار متر مكعب، وذلك بحسب اتفاق تقسيم المياه الموقع بين البلدين، والذي تقول السودان إنه غير ملزم لها الآن، لأنه تم توقيعه بينما السودان كانت ما تزال تحت الاحتلال، بينما تعتبره إثيوبيا أيضًا غير ملزم لها لأنها لم تكن طرفًا فيه، وأنه كان اتفاق بين دولتي المصب.

وبحسب تقديرات حكوميين مصريين، لا يمكن لأي مسؤول مصري أن ينفي أن مصر تقف في نقطة لا يحسدها علىها أحد، حيث أن الغالبية العظمى من دول حوض النيل، منبع ومصب، تقف إلى جانب إثيوبيا، بعيدًا عما تعلنه رسميًا.

مسؤول حكومي مصري رفيع معني مباشرة بملف مياه النيل، يقول لـ «مدى مصر» إن معظم دول حوض النيل لا تتعاطف فعلًا مع مصر، ولكن الأهم أن عددًا غير قليل من هذه الدول يسعى لدعم إثيوبيا، ليس فقط لأنها تقدم لهم وعودًا بإمدادات كهربائية رخيصة السعر، ولكن لأن بناء سد النهضة من قبل إثيوبيا يعد سابقة يمكن لدول أخرى على ضفتي النهر أن تتبعها، و«بالفعل هناك أفكار نعلم أنه جاري التشاور حولها في كينيا وأيضًا تنزانيا».

وشهدت الأيام التالية على إعلان فشل المفاوضات في نوفمبر الماضي ما يصفه الدبلوماسيان الإثيوبيان في القاهرة بأنه حملة شديدة الوطأة ضد إثيوبيا، والتي اعتبرا أنها لا تخدم التفاهم الهادئ حول نقاط الاختلاف، والذي يجب أن يدار في إطار ثقة مصرية أن إثيوبيا لا تريد ضررًا لمصر.

كان سفير إثيوبيا في القاهرة قد قام بعد أيام قليلة من إعلان القاهرة فشل المفاوضات بزيارة للبرلمان أكد خلالها أن بلاده لا تقبل بإلحاق الأذى بمصر وأنها راغبة في التعاون مع مصر في العديد من المجالات، وأن التوصل لحل توافقي بشأن سد النهضة ليس بالأمر المستحيل، بل هو أمر وارد في حال ما بذل الفنيون على الجانبين الجهد الكافي للوصول لحلول يمكن أن تجد دعمًا من القيادة السياسية في القاهرة وأديس أبابا.

وأكد السفير الإثيوبي على رغبة رئيس وزراء بلاده في أن يزور مصر، وأن يخاطب البرلمان ليؤكد نفس المعاني حول التزام إثيوبيا بعدم إلحاق ضرر بالغ بمصر أثناء سنوات ملء السد. غير أن السفير لم يتحدث إطلاقًا عن السنوات التي تعتزم إثيوبيا أن تقوم خلالها بعملية الملء.

وبحسب مصادر من وزارة الخارجية المصرية، تحدثت مع «مدى مصر» في وقت سابق، فإن فترة ملء الخزان هي المعركة الحقيقية التي سيكون على القاهرة التعامل معها بحسم، إذ سيكون ضمان التزام إثيوبيا بإطالة فترة الملء لسبع سنوات «على اﻷقل» هو اﻷمل الوحيد لتقليل حدة الضرر المقبل بلا محالة.

وبحسب المصادر الرسمية الثلاثة التي تحدثت لـ «مدى مصر» فإن القاهرة ستفعل كل ما عليها فعله من خطوات قانونية وسياسية للحيلولة دون أن تمضي إثيوبيا قدمًا نحو ما تعتزمه من ملء خزان السد خلال ثلاث سنوات «لأن هذه ستكون الكارثة بعينها»، بحسب أحدهم.

وبحسب مصدر مصري حكومي آخر، فهناك ما يمكن وصفه بغرفة عمليات تتابع ملف سد النهضة من كافة الجوانب بالنظر إلى أن «كل المعلومات تقول إن الحجب الأكبر للمياه سيقع عن مصر الصيف المقبل»، وأن التوقعات الإجمالية لما جاءت به غرفة العمليات «سلبي ومقلق للغاية».

وبحسب المصدر نفسه، فإن هناك توجه لثلاثة تحركات رئيسية تعتزم الدولة القيام بها، الأول هو تهيئة الرأي العام من خلال تصريحات متزايدة ومداخلات تليفزيونية يدلي بها خبراء بالتفاهم مع الأجهزة المعنية للتمهيد لتعقد محتمل في الأمور، أما التوجه الثاني فهو السعي لحشد دعم دولي لمصر في مطالبة إثيوبيا بالنظر في تقليل حجم كمية المياه التي ستحتجزها سنويًا، بحيث لا يكون الضرر المصري فادحًا، كما هو مقدر له، في حال ما قامت إثيوبيا فعلًا باحتجاز سنوي لـ 15 مليار متر مكعب من أصل 56 مليار متر مكعب هي حصة مصر، التي لا تكفي مصر بالأساس، بحسب ما يُذَكِّر المسؤولون المصريون نظرائهم الدوليين عند التطرق لهذا الملف، وبدأ التوجه الثاني بالفعل بإشارة الرئيس المصري خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لملف سد النهضة.

أما التوجه الثالث، بحسب المصدر نفسه، فهو النظر في بعض الإجراءات التي يمكن للقاهرة أن تتخذها لتقليل الخسارة، من خلال إعلان محتمل لإيقاف كل أشكال التفاوض مع إثيوبيا، وكذلك إعلان أن الأخيرة خرقت تعهداتها بمقتضى اتفاق الخرطوم بين مصر والسودان وإثيوبيا «على الأقل من ناحية المضمون».

وبحسب المصادر المصرية التي تحدثت إلى «مدى مصر»، فإن شكري «في حال قيامه بالزيارة المفترضة لإثيوبيا، سيبلغ المسؤولين هناك أن مصر لا تقبل بعملية لي الأذرع»، وأنها لم تعدم الحيل القانونية لمطالبة إثيوبيا، بل وأيضًا السودان، بالابتعاد عن «أفكار لا هدف لها سوى إلحاق الأذى المائي» بمصر. لكن المصادر نفسها أوضحت أنه ليس بالضرورة أن يعود شكري بردود نهائية على ما سينقله من أسئلة حول المطلوب من إثيوبيا من الناحيتين السياسية والفنية لطمأنة أسباب القلق المصري بشأن تشغيل السد، الذي سيبدأ صيف العام المقبل «على الأرجح»، لكن ما يتوقعه شكري أن يجد انفتاحًا وتفهمًا من قبل المسؤولين في إثيوبيا وعزمًا من قبل رئيس وزراء إثيوبيا «لأن يكون لديه ما يقدمه خلال زيارته المرتقبة للقاهرة».

وتعد اختيارات مصر للتعامل مع ملف سد النهضة من أكثر القضايا الخلافية في دوائر الحكم في القاهرة، حيث تتبادل الوزارات والأجهزة المعنية بالملف المسؤولية عن تردي موقف مصر التفاوضي، بل وتنتقل الاتهامات داخل الوزارة الواحدة والجهاز الواحد على تحمل المسؤولية بين الحاضرين في الخدمة والسابقين عليهم في نفس المواقع، بما في ذلك وزارتي الري والخارجية، بحسب المصادر المصرية.

وأضافت المصادر نفسها أنه في العديد من القطاعات المختلفة يبدو اتفاقًا، لا يتم الحديث به سوي همسًا، عن رفض تم الإعراب عنه رسميًا حول قيام الرئيس المصري بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ الذي مثل قبولًا بلا مقابل من القاهرة لحق أديس أبابا في بناء السد.

وبينما يعتقد مصدران مصريان ممن تحدث إليهما «مدى مصر» في الحاجة لاتخاذ خطوات قانونية لـ «إهدار» هذا الإعلان من خلال رفض برلماني له، خاصة وأنه ليس اتفاقًا ملزمًا بالقطع، يرى مصدر ثالث أن الوقت قد تأخر كثيرًا لمثل هذه الخطوة، وأنها ربما لن يكون لها الأثر الكبير في ضوء قرب أديس أبابا من الانتهاء من عمليات البناء وفي ضوء تعاطف ما زال كبيرًا في قطاعات مختلفة من المجتمع الدولي لرغبة إثيوبيا في بناء السد.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان