تدوينة: عن محاولات النجاة .. عن كل يوم
 
 
الرسمة: علا أبو الشلاشل
 

أحاول أن أكون مريضة «الاضطراب ثنائي القطب» المثالية.  أجتهد لإظهار مرضي بأكثر الطرق عقلانية ومنطقية. أخفي تقلباتي، ووجوهي المتغيرة، لئلا تتخلخل إلى علاقاتي الشخصية والحميمة. أحاول استيعابها، واستيعاب نفسي، حتى لا أزعجك بعدم استقراري وحدّتي. أحاول أن أكون تلك المريضة المقبولة، التي تتكلم عن المرض كفعل غير لائق، كإصبعٍ متورم. فأنا أخشى أن أدعه يزعِجك بغرابته ومباغتته.

أنصت إلى تعليقاتك، بينما أتخيلك تهنئ نفسك على تسامحك وتقبلك لتنوّع الحالات العصبية. تمازحني بأن الجميع أصلًا «باي بولار[1]»، وأن فكرة المسميّات عفا عليها الزمن. أؤمي برأسي، وأنكمش داخل نفسي، وأموِّه خوفي بابتسامة. ولأنك تحب إبداء التعليقات البناءة، تقول لي «أنا أحبك لكن عصبيتك قد تكون مرهقة». تصفعني الجملة على وجهي، أبتلعها بصعوبة، بينما أفلت ضحكة صغيرة، وأتعهد بيني وبين نفسي ألا أكون على سجيتي مرة أخرى. سأحسن التصرف المرة القادمة.

أبوح لك بحزني، وأخبرك عن غضبي وقلقي، فتنصت لي بتلك الابتسامة الهازئة، ومع أنها غير ظاهرة، إلا أنها تصلني بعمق، وأشعر بها، مع أنك لا تصرِّح بها. لا تعترف بمشاعري المتدفقة، طالما هي غير مقترنة بوقائع عملية. مشاعري عبء عليك، سواء كانت تلك المشاعر تخصك أو لا تخصك، وسواء كانت تؤثر على اختياراتك ورغباتك أو لا تؤثر. وجودها في حد ذاته يزعجك، حتى وإن كانت لا تطالبك بشيء في المقابل.

عندما يتحوّل عقلي إلى هذه الحالة من اللا معني واللا منطقية، تجد من الصعب الإنصات لما أقول، وتجده أصعب، وأصعب، حين تشهد بنفسك تشتته وارتباكه، وحتى عندما يمر وقت وأهدأ، تظل غير قادرًا على الاستماع لي.

ألجأ أحيانًا لتضمين حديثي بكلمات معيّنة كأسماء فوكو ودريدا، وبعض الكلمات المنتمية لعالم المثقفين مثل «ذات»، و«تفاوت»، وأدعو أن تفتديني ثقافتي، وتنقذ صورتي أمامك، فتعاود الاستماع لي. أنت لا تريد أن تتركني وحيدة، بل وتتمنى لي كل خير، لكن في نفس الوقت، ترغب في أن تحتفظ بمسافة مني، تضمن لك ألا يزعجك مرضي. أبتلع حُكمك علي، وأحاول أن أكون أفضل المرة القادمة، وأحاول أيضًا إفهامك، حتى لا أشعر بثقل هذا الحُكم، ولأنني لا أريد أن أكون منعزلة.

خمسون بالمائة مِمَّن يعانون «الاضطراب ثنائي القطب» يحاولون الانتحار مرةً على الأقل، وعشرون بالمائة منهم ينجح بالفعل. في محاولتَي الفاشلتَيْن في أبريل 2013، وأيضًا أبريل 2017، كنتُ قريبة للغاية. وعندما وصلتُ لعَمر السابعة والثلاثين، تغلبتُ، بأعجوبة، على رغبتي في العدّ. في المرتين، كنتُ أمر بنوبة الهوس؛ أنا شخص يعاني من الاضطراب ثنائي القطب من نوعه الأول، ومع أن نوبات هوسي تزيد عن نوبات اكتئابي، إلا أن معظم نوبات الهوس هذه؛ تكون نوبات مختلطة أكثر من كونها نوبات هوس صافية.

في نوبة الهوس أكون مفعمة بالطاقة. أكاد ألمس النشوة وهي تطفو حولي في بعض الأوقات. فالهوس يلوّن العالم، حسب الطريقة التي أراه بها، ألوان مشرقة وناصعة، و فضاء واسع منثور عليه ترتر لامع، يعكس الضوء لمليون لون مختلف. في هذه المرحلة، تزيد ثقتي بالغرباء، وأعرَّض نفسي لمواقف خطرة وغير آمنة. لا أشعر فقط بأنني محبوبة ممَن حولي من الناس، بل أشعر أنني معشوقة ومعبودة. في هذه الأيام، تكون كتاباتي وأفكاري عظيمة، لا ليست عظيمة فحسب، ولكن استثنائية.

كل هذا لخمس دقائق فقط. وبعدها، وبنفس القوة، سأشعر أنني مزدراة، وبلا قيمة، وسأندم على كل القرارات التي أخذتها في حياتي. وبينما أتقلّب بين حالة وأخرى، هكذا بدون وتيرة محددة وبلا سبب، سيتغير تقييمي لما أشعر به، وستصبح كل الأشياء حولي محل تساؤل، وسيهيمن عليّ الارتباك والتوتر، لأفقد الاتصال مع وجودي، ومع جسدي، خلال هذا التسلسلات الزمنية.

أُصبِح مسكونة بالظلال التي تمرُق في مجال رؤيتي، يصاحبها شريط صوتي من الصرخات والأصوات التي تصم الآذان. أستطيع أن أتخيل كم من الصعب عليك أن تكون شاهدًا على هذه الحالة، لذا أرجوك، أنا أتفهم، استمر في الحفاظ على مسافتك مني.

رفضتُ العلاج الدوائي لسنوات، فحين تمّ تشخيصي لأول مرة منذ 18 عامًا، مررتُ بتجربة سيئة للغاية معه. أما في أبريل 2017، فقد توصلتُ للمعادلة الصحيحة، التي توفق بين العلاج بالأدوية والعلاج النفسي. لسنوات طويلة كنت أسخر طاقتي كلها، لتجميع شظايا الواقع سويًا، بينما يشن عقلي حربًا ضد حواسي وضد عملية التفكير، وضد منطقي الخاص. وأبدًا، لم أقتنع، أن حبة دواء يمكنها مساعدتي، وتمكيني من استجماع عقلي، لأتمكن من مواصلة حياتي.

بعد كل نوبة أمر بها، تنتظرني مرحلة أخرى، وهي مهمة تنظيف الآثار التي خلَّفتها، سواء كانت جروحًا جسدية بحاجة إلى الالتئام، أو خسائر مهنية واجتماعية وعاطفية بحاجة إلى التعويض.

الحياة لا تصفح، لذا أحاول أنا مسامحة نفسي ومسامحة الاضطراب ثنائي القطب أيضًا، وأواصل محاولاتي للسيطرة عليه.

ومع هذا القدر الكبير من الطاقة والوقت اللذين يتمّ استنزافهما في حياتي اليومية، من أجل تخطي الموقف بسلام، يكون الإجهاد المتراكم هو ثمرة كل نوبة. الجداول، الروتين، أنظمة التغذية، جلسات العلاج النفسي، الكتابة، العمل، النوم، التمرين البدني، كل ذلك يساعد  في تقليص وتيرة، وحدّة النوبات، لكن النكتة القاسية، هي أن هذه الممارسات، هي نفسها التي تتأثر بقدوم النوبات إلى أن تختفي قبل أن تصل لذروتها. تحافظ على مسافة معينة من عدم اتزاني. في كل مرة أحاول النجاة، إما أفعل ذلك بمفردي، أو أستثمر جهدي في تغيير قناعتانك، أشرح لك وأعِّلمك، حتى يمكنك الوقوف بجانبي.

في الأوقات التي أردتً فيها إنهاء حياتي، كانت هناك ثلاثة أفكار تدور وتتخبَّط في رأسي، تنثر بدورها نتفًا لأفكار أخرى، وتصورات عن نفسي، تطير حولي في الهواء كقصاصات ورق ملونة.

الفكرة الأولى: أنا لا أستطيع تحمل الألم الذي أشعر به الآن، وأريده أن ينتهي الآن. الثانية: أنا لا أستطيع تحمل الوجع الناتج عن كوني راغبة في إنهاء الألم وكوني مسكونة بالخوف والممانعة لإنهائه في نفس الوقت. أما الفكرة الثالثة فهي: حتى لو انتهى هذا الألم، كما يحدث كل مرة، فإنه سيعود مرة أخرى، كما يحدث أيضًا كل مرة.

بمرور السنوات، تضاءلت قدرتي اللازمة للمقاومة ولأكون متفائلة. قبل مرحلة الدواء، ارتبطت قدرتي على تخطي الأزمة، بدعم هائل من أصدقاء كانوا يأخذون بيدي، ويبعدونني عن الحافة، حين كنتُ أعرض حياتي للخطر. تعتمد حياتي على شبكة دعم استلزمت عقودًا لتتكون. شبكة الدعم هذه واسعة، بدوائر معارف متعددة، تمكنني من التناوب بينهم. في هذه اللحظات، لا تكون الحياة هي سؤال ماذا أريد أو لا أريد؟، بل هل يمكنني، اعتمادًا على نظام الدعم هذا، اجتياز النوبة بنجاح؟

في النهاية، تناول الدواء الصحيح ساعدني للغاية، لكن استلزم الأمر مني أكثر من عقد، لأستطيع الوثوق في أن قوانين الصحة النفسية يمكن أن تساعدني. فالمعالجون الذين أضروا بسلامتي النفسية، أكثر من الذين ساعدوني بالفعل، و الأدوية التي فاقمت من حالتي، فاقت تلك التي ساعدتني، والأشخاص الذين لمستُ في كلامهم وأفعالهم، الظاهرة والمبطَّنة، الواعية وغير الواعية، إحساسًا بالنفور مني، كانوا أكثر من هؤلاء الذين تقبلوني.

قدرتي على التعامل الناجح مع حالتي هذه، لم تتناسب مع حجم الإمكانيات التي كانت متوفرة لي، لكنها تتناسب مع حجم الجُهد الذي كرَّسته لبناء نظام دعم، وهي مهمة لا أنكر إطلاقًا أنها كانت أيسر بسبب الامتيازات الطبقية التي أحظى بها. أتألم لما يجب على من يعانون مرض نفسي مزمن، أن يبذلوه من طاقة تفوق إمكانياتهم،  لكي يتمكنوا من النجاة، لمجرّد الاستمرار في العيش، مع واقع متبدّل وغير مستقر.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن