يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (الحلقة 5 والأخيرة) تغريبة داخلية، وأخرى خارجية

كانت آخر أيامي في سجن طرة عصيبة، بعد إدراكي أني راحلٌ لا محالة.

كنت قد سمعت عن سجن أبو زعبل من أحد الإخوان الذين جرى تغريبهم من أبو زعبل إلى طرة. وقتها لم أكن أعرف معنى «التغريب» ولا القصد منه.

في مساء الثلاثاء نادى المسيَّر على اسمي من نضارة الغرفة ليعلمني بترحيلي غدًا الأربعاء. رجّح الجميع أني ذاهب إلى «المرج» أو «أبو زعبل»، فهما السجنان اللذان يجري الترحيل إليهما في يوم الأربعاء.

سألت المسيّر إلى أين فرفض إخباري.

في الصباح حملت أغراضي وذهبت لتوديع الأصدقاء، فربما لن تتقابل الوجوه مرة أخرى.

كتبت رقم تليفون والدتي على ورقة صغيرة وألقيتها أمام إحدى السيدات من الشباك الصغير في العربة، لتسلمها لوالدتي فتعرف وجهتي

ركبنا سيارة الترحيلات، بعد أن عرفت وجهتي؛ سجن أبو زعبل 2. كان العدد كبيرًا جدًا في السيارة. كتبت رقم تليفون والدتي على ورقة صغيرة وألقيتها أمام إحدى السيدات من الشباك الصغير في العربة، لتسلمها لوالدتي فتعرف وجهتي.

كنت أنظر من شباك السيارة إلى الشوارع والصبية، وتمنيت لو أعود مثلهم وأنعم بحريتي وأتنفس هواء نقيًا. كان للهواء القادم من الخارج طعم وإحساس مختلفان عن الهواء الخانق السائد في العربة. كان هواء لطيفًا منعشًا يداعب وجهي ويترك عليه آثار الأمل.

ظللنا لفترة طويلة في الطريق، وأنا أفكر إن كنت سأتعرض لمثل ما تعرضت له في طرة، أم أخف وطأة منه. ونظرات من حولي لم تبشرني بالخير.

كان للهواء القادم من الخارج طعم وإحساس مختلفان عن الهواء الخانق السائد في العربة. رسمة: رنوة يوسف

عندما وصلنا السور ودخلنا منه بالسيارة بدأ الجميع يترقبون بخوف، وإذ بالسيارة تقف أمام باب عال ليفتح أحدهم الباب ويصرخ «حمد لله عالسلامة يا رجالة»، فقلت لنفسي بسخرية إنها بداية مبشرة حقًا! وبعد هبوطنا من السيارة طُلب منا الجلوس والنظر للحائط وخلع ملابسنا. ثم أُمرنا بالوقوف وفرد أذرعنا، وأن يضع كلٌ منا ذراعيه على كتف من أمامه، وكأننا نلعب لعبة «القطار» التي كنا نلعبها في الطفولة.

ثم دخل كل خمسة منا لمكان، وطُلب منا شرب الماء لإفراغ بطننا ثم التبول أمامهم. بعدها توجهت كل مجموعة لغرفة ضيقة، وكان في استقبالنا رئيس المباحث ومجموعة من جلاديه. وعند دخولنا عُقدت لنا حفلة تشريف ألعن مما سبقتها في سجن طرة.

توجهنا بعدها إلى الإيراد، وفي الصباح جاءت والدتي لزيارتي، وكانت تحاول النظر لجسدي لتعرف إن كانوا قد اعتدوا عليّ أم لا، ولم أخبرها؛ هي مريضة ولن تحتمل.

بعد 12 يومًا جرى تسكيننا وصعدت لغرفتي التي سُكّنت فيها. سألت عن وقت الخروج للتريض فعرفت أنه لا يُسمح لأحد بالخروج من الغرفة نهائيًا ولا يوجد هنا تريض.

لفت انتباهي شاب صغير كان دائم الحديث إلى المروحة، وكنت فجأة أجده يقف ليعلن لشخص غيرمرئي أنه سيقتله إن نزل إليه. وبجواره شخص لا يتحدث نهائيًا، يستيقظ مبتسمًا ثم يعود للنوم. هل هذا مصير كل من يطول مكوثه هنا؟

كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي، فصحيح أن الغرفة كانت أكبر مساحة من الغرفة في طرة، وكان بها حمامان وسخانان لتجهيز الطعام، ولكنها كانت أكثر اكتظاظًا أيضًا، كما كان التعذيب هنا أعنف كثيرًا، حيث لا يوجد سوى عنبرين؛ واحد أقيم فيه والآخر للإخوان، وفي كل صباح كان المخبرون والشاويشية يجلبون مجموعات من الغرف ويربطونها بالبوابة الحديدية لمدخل العنبر، وهي ما تُدعى «الشخشيخة»، وينهالون عليهم بالضرب.

كانت ثمة مشاكل كثيرة تدور هنا وراء الأبواب المغلقة، والشفاطات لا تعمل، والعدد كبير في الغرف؛ كان معي في الغرفة ستون شخصًا.

نظرت للجميع في الغرفة وأنا في حيرة من أمري؛ كيف سأعيش هنا؟ تعرفت على بعض الأشخاص من محافظتي وجلست معهم. كانت الشرقية صاحبة الرقم القياسي في عدد المساجين هنا، فأبو زعبل أقرب سجن مشدد الحراسة للمحافظة.

كانت الغرفة بها مختلف الأعمار؛ شيوخ تصل أعمارهم لسبعين عامًا، بالإضافة لآخرين ذهب عقلهم. لفت انتباهي شاب صغير كان دائم الحديث إلى المروحة، وكنت فجأة أجده يقف ليعلن لشخص غير مرئي أنه سيقتله إن نزل إليه. وبجواره شخص لا يتحدث نهائيًا، يستيقظ مبتسمًا ثم يعود للنوم. هل هذا مصير كل من يطول مكوثه هنا؟

كانت الغرفة بها مختلف الأعمار؛ شيوخ تصل أعمارهم لسبعين عامًا، بالإضافة لآخرين ذهب عقلهم. رسمة: رنوة يوسف

في أول أسبوع لي في الغرفة، وفي وقت العشاء، ونحن جالسون في هدوء، انفتح باب الغرفة، وكان هذا حدثًا غريبًا، فمن المفروض ألا تنفتح أبواب الغرف بعد تمام السجن، الذي يحل قانونًا في الخامسة، ولكنه بشكل عام يستمر حتى السادسة لاستكمال دخول مسيري العنبر، وهم مساجين إما يوزعون الطعام أو يحملون الزيارات أو ينادون على المساجين للزيارات ولأخذ التمام، وهم آخر من يدخلون الغرف بشكل عام.

كان رئيس مباحث سجن أبو زعبل في مقدمة من دخلوا الغرفة يومها، ومعه مجموعة من المخبرين يحملون الشوم. دخلوا يضربون كل من وجدوه أمامهم ضربًا مبرحًا، وخيّم الصمت على الغرفة، وجلبوا أحد الشباب ومعه مجموعة مساجين أخرين من الجيزة. أمر رئيس المباحث المخبرين بتكتيفهم وتقريبهم من قدمه وهو جالس على الكرسي واضعًا حذاءه على وجوههم، ومن يحاول النهوض منهم كان المخبرون يضربونه بالشوم والكابلات على ظهره. ثم جُرّدوا من ملابسهم وأُنزلوا إلى أسفل.

في الصباح الباكر سمعنا أصوات استغاثة فعرفنا أنها صادرة من المجموعة التي كانت معنا في الغرفة، وقد أودعوا جميعًا عنبر التأديب. سألت عما فعلوه فأجابني إسلام الذي أعيش معه أنه قيل أنهم حاولوا «فرض السيطرة»، أي إحداث شغب.

كان لدى رئيس المباحث بعض المساجين في الغرفة ممن ينقلون إليه الأخبار مقابل منافع مادية مثل علب سجائر يومية.

هذا المكان كان أكثر إخافة بكثير من طرة؛ كنا هنا نصحو على صراخ ووتعذيب، كما ننام على صراخ وتعذيب.

رسمة: رنوة يوسف

توقفت كثيرًا عن الكتابة، فقد كانوا يبحثون في أي أوراق يجدونها، ويتعاملون بكل قسوة وعنف مع أصحاب القضايا السياسية أو من لهم علاقة بها.

في كل أربعاء، كانت إدارة السجن تجري عملية تغريب للمساجين؛ إما تغريب داخلي أو خارجي، بعد إذاقتهم أشد العذاب في التأديب.

و«التغريب» هو أن ترحِّل الإدارة المساجين من هذا السجن إلى آخر دون علم المسجون أو إخباره، ليخرج من جحيم إلى آخر أشد ضراوة. وأغلب الترحيلات كانت إلى سجن دمنهور، فهو كما يقال «جوانتانامو مصر». ويحدث الترحيل دون أي أغراض يحملها المسجون، مع توصية من المأمور ورئيس المباحث بأن يودع المسجون في تأديب السجن الذي سيذهب إليه.

أما «التغريب الداخلي» فيكون في منطقة السجون ذاتها، ويُرحّل المسجون فيه من سجن لآخر. كان الجميع يخشون هذا الأمر لأن رئيس مباحثجن ال ال كان دائم القيام به، ولا يكتفي به وإنما يعطي المسجون «فرقة»، بمعنى ألا يُسكّن في أي سجن يذهب إليه، بل يُنقل من سجن لآخر في كل أنحاء الجمهورية، وهو شبيه بما يُسمّى «كعب داير الأقسام»، ولكنه هنا «كعب داير السجون».

كان الصمت يخيّم على السجن وقت حضورهم، أعلى صوت يمكن سماعه فيه هو صوت الهمس. ولم يكن يُسمح لأحد بالخروج، وكان قائد العنبر في يومهم أيضًا هو أسوأ ضابط عنبر على الإطلاق. لم يكن يرى شخصًا إلا ويتلذذ بإيذائه

كنت أحاول الخروج من هذه الغرفة، فالوضع هنا سيء جدًا؛ أن تبقى في غرفة واحدة لا تنفتح أبدًا.

تعرفت على أحد الشاويشية وأخبرته أنني أرغب في التحرك ولو لعدة دقائق في هذا الممر الصغير، فقد ظهر على جسدي طفح جلدي جديد، وبدأت أعود للهرش وتقطيع جسمي بأظافري، فوافق بشرط أن أعطيه في كل يوم أريد الخروج فيه علبتي سجائر، ووافقت لأن الطبيب هنا لا يعطي هنا أحدًا من الشباب وقتًا للتريض، وإنما يُسمح به فقط لكبار السن، كما كنت أشتاق إلى عدة دقائق أقضيها في الشمس؛ كانت هذه أمنيتي منذ وصلت هنا.

بدأت أخرج بين وقت والآخر، بعد أن وصّى الشاويش زملاءه في النوبتشيات الأخرى عليّ، ما عدا نوبتشية واحدة كان يُمنع فيها أي شخص من الخروج فيها، وكان يطلق عليها «نوبتشية الكفار»، نسبة لقسوة المخبرين والشاويشية القائمين عليها.

كان الصمت يخيّم على السجن وقت حضورهم، أعلى صوت يمكن سماعه فيه هو صوت الهمس. ولم يكن يُسمح لأحد بالخروج، وكان قائد العنبر في يومهم أيضًا هو أسوأ ضابط عنبر على الإطلاق. لم يكن يرى شخصًا إلا ويتلذذ بإيذائه.

كانت الرعاية الصحية في سجن أبو زعبل من أسوأ ما يكون؛ التهوية سيئة والمراوح قليلة ولا تعمل، أما الشفاطات فلم يكن يُسمح بدخولها إلا على حساب المساجين، وبعض الغرف يكون المساجين قادرين فيها على دفع ثمنها وفي غيرها لا يقدرون، كل هذا بالإضافة لتكدس الغرفة بالمساجين، ما أدى لانتشار الأمراض في السجن.

في أحد الصباحات اكتُشفت حالة وفاة كانت لشاب يعاني من فترة، من مرض السل، الذي انتشر في عدد من الغرف بسبب الإهمال وسوء التهوية والرعاية الصحية. ثم توفي على إثره عدد آخر من المساجين وسط صمت من إدارة السجن ومحاولة التستر على هذا الأمر، بنقل المصابين لسجن أبو زعبل وإخراجهم من هناك في بطاطين الأموات.

كانت الإدارة تتعامل مع المرض بأسلوب التسكين، حيث يعلنون أنهم سيجلبون المراوح والشفاطات ويركّبونها، وهكذا ينتهي الأمر؛ وعود فقط ، فحياتنا لا تساوي لهم شيئًا، فهم لن يخسروا شيئًا بوفاة أحدنا، بل بالعكس، سيؤدي هذا إلى تخفيف الزحام قليلًا في السجن.

قال لي ضابط العنبر: «أنا حاسس إنك متفائل، عندك أمل. دا مايحصلش هنا في السجن!»، فرددت عليه مواصلًا الابتسام: «أنا عندي أمل في الله»، فطلب مني حَلْق شعري واللحاق به في مكتبه

في أحد الأيام عُرض عليّ العمل مع مسيّر العنبر، وكنت قد تعرفت عليه في الإيراد، وهو من مركز مجاور لمركزي في محافظة الشرقية. وكان قد رشحني للعمل معه ثم عرض عليّ، فرفضت في البداية، حتى أقنعني أحد زملائي في الغرفة بأنه أمر جيد لي، حيث سيمر الوقت دون ملل، وسأنعم بالخروج من الغرفة طول اليوم.

وافقت ونزلت مع صديقي هذا لمساعدته في مهامه؛ عمل التمام ومراجعة الفرن في عدد أرغفة الخبز، وتوزيع الطعام والدواء الدوري على الغرف.

كانت هذه بداية معرفتي بضابط العنبر، وكان يحب إيذاء الجميع.

كنت قد قرأت في أحد الصحف أن أصدقائي الذين حبسوا في قضية أحداث مجلس الشورى، قد جرى العفو عنهم. وكنت سعيدًا جدًا بهذا، فقال لي ضابط العنبر: «أنا حاسس إنك متفائل، عندك أمل. دا مايحصلش هنا في السجن!»، فرددت عليه مواصلًا الابتسام: «أنا عندي أمل في الله»، فطلب مني حَلْق شعري واللحاق به في مكتبه. وفي مكتبه طلب مني خلع ملابسي وارتداء الملابس الميري. نفذت ما طلب مني فطلب دفتر الجزاءات ووقع عليّ 24 ساعة أقضيها في التأديب، بتهمة «إحداث هياج فردي»، هذا ما كان مكتوبًا على ورقة الجزاء.

دخلت التأديب بالفعل وخرجت في صباح اليوم التالي معاهدًا نفسي على عدم النزول مرة أخرى إلى هذا العمل.

«التغريب» هو أن ترحِّل الإدارة المساجين من هذا السجن إلى آخر دون علم المسجون أو إخباره. رسمة: رنوة يوسف

في يوم من الأيام وجدتهم يجرون شابًا معصوب العينين ناحية التأديب، ويضربونه جميعًا ويسكبون الماء الساخن على جسده بعد الضرب. كانت حالته يُرثى لها، وعندما أدخلوه التأديب نظرت إلى تاريخ دخوله فوجده مسجلًا أما تاريخ خروجه فكان غير مسجل، كان مفتوحًا بلا تاريخ. كان هذا أحد شباب الإخوان من العنبر المجاور.

اتفقت وقتها مع أحد الشاويشية على أن نُدخل له العصير سرًا، دون أن يعلم أحد غيرنا، مقابل أن يأخذ الشاويش مني ثلاث علب سجائر في وقت النوبتشية، فوافق على الفور.

بعدها علمت أن الشاب من شبرا بالقاهرة، وأنه موجود هنا منذ عام ونصف على ذمة قضية اقتحام قسم أول شبرا، وفي أحد الزيارات وقع خلاف بينه وبين أحد الضباط، وفي الزيارة التالية، وبعد مغادرة أهله، اتُهم أنه دبّر في الزيارة السابقة خطة لضرب مقر الأمن الوطني في شبرا، كانت قد تحققت قبل أيام من الزيارة الثانية، أي وبينما هو في السجن.

ظل الشاب نحو ثلاثة أشهر في التأديب، وخرج منه إلى سجن آخر؛ جرى تغريبه. كنت أشفق عليه لرحيله بدون أن يعرف أي أحد مصيره أو إلى أين سيذهب.

كم هو مرير أن تكون وحيدًا في هذا المكان الملعون، وإن مت لن يعرف أحد ماذا حدث لك ولا من فعل بك هذا ولا لأي سبب مت، سوى الله وحده، فهو وحده العالم المطلع.

***

وبعد، فقد كان هذا بعضًا من يومياتى في السجن، أردت بها أن أحكي لمن هم خارج الأسوار عن شكل حياتنا بالداخل، وما عانيناه طوال إقامتنا هناك، بالإضافة لما يعانيه الأهل والأصدقاء من مشقة لفراق ذويهم. نسأل الله أن يرفع عن الجميع البلاء وأن يخرج الجميع إلى أهلهم سالمين.

اعلان