محمود حجازي.. المعلوم والمفهوم من عملية تهميش الرجل الثاني
 
 
الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي
 

قال مصدر قريب لرئيس الأركان السابق محمود حجازي إنه بعد قرابة ثلاثة أسابيع على إعفاء الرجل من مهام منصبه العسكري الرفيع والحيوي، ومنحه اللقب الأدبي كمستشار لرئيس الجمهورية دون صلاحيات محددة، فإن تحركات الرجل القوي السابق «تبدو محدودة للغاية، وكذلك استقباله وأسرته لمعارف من غير الأقارب المباشرين».

المصدر نفسه قال إن «الشيء الوحيد المؤكد أن حجازي يشعر بالإهانة من الطريقة التي انتهت بها مهمته، والتي بدت كعقاب على ردة فعل متراخية في التعامل مع حادثة طريق الواحات (التي قتل فيها 16 شرطيًا يوم الجمعة 20 أكتوبر الماضي)، أو بتحديد أكثر كعقاب لقيام القوات التابعة للداخلية بمهمة على طريق الواحات دون تنسيق مسبق مع القوات المسلحة».

في الوقت نفسه قال مصدر حكومي إنه «لا يعلم بعد بتخصيص مهام سياسية محددة للفريق حجازي» وإنه ليس هناك مكتب للرجل تجري مراسلته عليه، «على الأقل حتى الآن، ولكن بالطبع ربما يتم تخصيص مكتب له في وقت لاحق».

المصدر نفسه قال إن هناك بالفعل عملية تقسيم ثلاثي للملفات التي كان حجازي يتولاها، بين مساعد وزير الدفاع للعلاقات الخارجية، ورئيس المخابرات العامة، ووزير الخارجية، تحت الإشراف المباشر لمدير مكتب رئيس الجمهورية وبالتالي «لا يبدو واضحًا ما الذي سيحال لحجازي».

المصدر أضاف أنه في حدود ما يُتداول في الأروقة الرسمية فإنه «سيندهش كثيرًا لو تم اختيار» رئيس الأركان السابق لأي مهام تنفيذية؛ مثل رئيس الحكومة في الولاية الثانية للرئيس، بحسب ما كان يتكهن البعض به عند الإقالة.

المصدر نفسه قال أيضًا إن هناك تعليمات ألا يتم إلقاء الكثير من الأضواء في الإعلام أو الصحافة على العمل الذي يقوم به رئيس الأركان الجديد أو غيره ممَن تولوا ملفات حجازي السابقة. وقال أيضًا إن هناك تنبيهًا بأن تتم مخاطبة رئيس الأركان الجديد باسم محمد فريد فقط، وليس محمد فريد حجازي «ربما منعا للبس».

يحمل صعود وخروج محمود حجازي من الدوائر العليا للحكم دلالات كثيرة حول الطريقة التي يتعاون بها الرئيس عبد الفتاح السيسي مع المقربين منه من العسكريين والسياسيين، وكذلك حول الوضع الحالي لدوائر السلطة وعلاقات القوة فيها، في ظل أزمات سياسية واقتصادية متوالية وانتخابات متوقعة في ربيع العام المقبل.  

حجازي حينما كان رئيسًا للإركان إلى جوار وزير الدفاع صدقي صبحي

قصة ظهور بدأت مع ثورة يناير

«لقد كان دومًا شخصًا حاضرًا، بل قوي الحضور، في العديد من الاجتماعات التي جرت في الأيام التالية لاندلاع ثورة يناير. كان يبدو واثقًا من نفسه، وكان لا يتردد، مثل آخرين، في طرح ما يريد أن يقول».. هكذا وصف أحد الوجوه السياسية، التي ارتبط اسمها بثورة يناير 2011 ،حجازي، كان ذلك في النصف الثاني من 2014، بعد شهور قليلة من صعود رئاسي محتفى به لعبد الفتاح السيسي.

كان حجازي بالفعل في واجهة المشهد في الشهور التالية لثورة يناير. حضوره الأبرز ربما كان في مؤتمر صحفي أعقب مظاهرات ماسبيرو، 9 أكتوبر 2011، والتي راح ضحيتها 28 مواطنًا منهم 26 من الأقباط.

جالسًا إلى جوار اللواء محمد العصار، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة حينئذ، والذي ذهب بدوره بعيدا عن المجلس وعن قيادة القوات المسلحة، قبل أكثر من عام، إلى مكتب وزير الدولة للإنتاج الحربي، كان حجازي في وضعية أكثر هدوءًا وتماسكًا لدحض تورط ضباط أو مجندين من القوات المسلحة في العنف ضد المتظاهرين من شباب الأقباط.

ومع تظاهرات جرى الحشد نحوها بعد نحو عامين في يونيو 2013  للمطالبة بإنهاء قسري ومبكر لحكم محمد مرسي، الرئيس المدني الأول لمصر منذ ثورة يوليو 1952، ظهر حجازي بقوة، هذه المرة «رجلًا ثانيًا» بقرب السيسي، الذي كان يومها وزير دفاع جاء به مرسي ليحل محل محمد حسين طنطاوي، الذي كان عرفًا رأس الدولة المصرية بعد تنحي حسني مبارك عن الرئاسة في 2011 وحتى انتخاب مرسي في يونيو 2012.

وبينما كانت هناك محاولات لطرح فكرة إقناع مرسي بأن يُجري انتخابات رئاسية مبكرة، كانت الإجابات الرافضة تأتي بالأساس من حجازي، المعروف بأنه كان معارضًا بشدة للسماح بمشاركة الإخوان في الانتخابات الرئاسية أو وصولهم للحكم، بحسب أحد المعاونين السياسيين لمرشح رئاسي سابق في الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة عام 2012.

بحسب المصدر، بدا حجازي شديد الحسم في الرفض، وفي قوله إن ما فعله الإخوان كان بالتأكيد ضد مصلحة ما عرف في حينه بالمشروع الإسلامي للحكم، وقال وقتها «إن على الإخوان أن يخرجوا عن الحكم خروج أربكان إذا ما أرادوا يومًا أن يكون لهم أردوغان»، في إشارة للقبول القسري للقائد السياسي التركي السابق نجم الدين أربكان بالخروج من الحكم في تركيا في تسعينات القرن الماضي في ظل البقاء الواثق للرئيس رجب طيب أردوغان.

اعتلى السيسي سدة الحكم، وجاء بصدقي صبحي، الذي يسبقه في التراتبية العسكرية بعام، وزيرًا للدفاع، وبحجازي، الذي كان يسبقه بثلاثة أعوام في التراتبية العسكرية، رئيسًا للأركان. التفسير الأشهر في دوائر الحكم حينها، كما في دوائر دبلوماسية غربية، أن رئيس الأركان في العرف المصري هو الرجل الأقوى عسكريًا لأنه مَن بيده كما يقال دومًا «القدرة على الأمر بتحريك الدبابات».

صلة المصاهرة التي تجمع بين السيسي وحجازي -تزوج ابن الرئيس، محمود، قبل سنوات قليلة بابنة رئيس الأركان، داليا- فسرت اختيار الرجل قائدًا للأركان، كونه محل ثقة الرئيس الذي يعاديه في الداخل تيار سياسي أوسع من الاخوان، يشمل الإسلاميين، بما في ذلك قواعد سلفية رفضت الانضواء، بحسب شهادة أحد قيادات حزب النور، المتحالف حتى الآن مع رأس السلطة التنفيذية، إضافة إلى القطاع الأكبر من المنتمين والمتعاطفين مع ثورة يناير 2011، والذين أصبحوا يرون في السيسي، الذي كان مرسي وأعوانه قد وصفوه انه «وزير دفاع بنكهة الثورة»، العدو الأشد ضراوة للثورة.

محلل سياسي قريب من الدوائر العسكرية قال إن «حجازي كان الرجل الأقرب للسيسي وكان يلتقيه منفردًا على الأقل مرة كل أسبوع، مما كان يثير غيرة الجميع». اتفق مع هذا التقدير سفير أوروبي قال: «الرجل أقوى من وزير الدفاع في ما يتعلق بعلاقته مع الرئيس، يمكنني أن أؤكد ذلك بدون تردد، وهذا يتضح في الكثير من التعاملات المباشرة».

حجازي

الرجل الثاني وظهور أقوى في سنوات الحكم الصعبة

بعد مرور قرابة عامين من وصول السيسي لحكم مصر انتقل الحديث، في الدوائر الدبلوماسية بالأساس، إلى غياب الرؤية الاستراتيجية والسياسية لدى الرجل. وكان البعض يضيف، بتحفظ في البداية ثم بثقة في ما بعد،  فيما بدا أن هذا الأمر مختلف جدًا بالنسبة لحجازي، الرجل الثاني القوي الذي يمتلك رؤية سياسية واضحة وقدرة على الحديث مع الغرب.

ومع بدايات تردد الحديث عن ارتفاع وتيرة التذمر الاقتصادي، خاصة في ظل الإجراءات التي ضمت تحرير سعر صرف الجنيه، ما أدى إلى ضعفه وارتفاع الأسعار، إضافة إلى تقليص الدعم، كان اسم حجازي حاضرًا في قلب الحديث عن حسم السيناريوهات المتوقعة. هناك مثلًا سيناريو تحول التذمر إلى غضب متزايد ومظاهرات واسعة، وكان كثيرون يرون أن صبحي لن يستطيع أن ينحاز للشارع حتى لو قرر ذلك، لأن الصهر الموثوق فيه لن يسمح بذلك، بل ربما، بحسب توقعات بعض السياسيين، يأمر بتحريك الدبابات لوقف موجات التمرد.

غير أن عسكريًا سابقاً، خرج من الخدمة قبل أكثر من عام، وعرف حجازي عن قرب، قال قبل أشهر قليلة، إن رئيس الأركان المقال لم يكن أبدًا لينحاز بعيدًا عمّا يقرره أغلب قيادات القوات المسلحة، «بالعكس، هناك ما يقال باتجاه أن الرجل ذهب لمن يثق أنهم يشعرون بقلق إزاء خيارات السيسي، خاصة مع الخلاف الذي دار في النقاشات حول التعاطي مع قضية نقل جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية؛ ليخبرهم ضمنًا دون تصريح بأن انتمائه العائلي لن يحول دون التزامه بأي مسار تختاره القوات المسلحة في أي لحظة».

وفي معرض نقاش حول الشخصيات العسكرية التي يمكن أن تطرح نفسها كبديل محتمل، قال سفير أوروبي آخر، «على الأقل بعد مدة أولى كاملة للسيسي، لأنني أظن أنه مستمر رغم كل الصعوبات»، كما إن كثير من المسؤولين الغربيين الذين التقوا حجازي في كثير من المراحل كانوا يخرجون من الاجتماع بتساؤل حول حقيقة طموح الرجل الثاني القوي الذي لم يبدو في لحظة أن نيّته خيانة الرئيس.

السفير نفسه قال إنه يسمع كثيرًا من بعض مَن يلتقيهم في القاهرة أن السيسي ربما ينظر إلى حجازي باعتباره «مدفيديف لبوتين»، قاصدًا رئيس الوزراء الروسي الذي جاء به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «محللًا» لعودته لرئاسة البلاد حين منعه الدستور من الترشح لفترة رئاسة ثالثة في عام 2008، فأصبح رئيس وزراء مدفيديف الذي تولى رئاسة البلاد ليعود بوتين للرئاسة بعد انتهاء فترة مدفيديف في 2012. ولكن السفير أضاف أنه شخصيًا يستبعد ذلك، لأن حجازي «رجل معتد جدًا بذاته ويعرف قدراته السياسية والعسكرية تمامًا»، مضيفًا «لا أظنه أبدًا يقبل أن يكون مدفيديف. هو يقبل أن يكون الرجل الثاني بوصفه شريكًا قويًا متقدما على آخرين ولكن لا يقبل أن يكون بديلًا مؤقتًا. ربما يحب يومًا أن يلعب دور البطولة».

تقدير مماثل ورد على لسان وزير مصري سابق تقاطعت ظروف عمله مع رئيس الأركان السابق، ورآه «الرجل الثاني القوي الذي يشهد الجميع بقوته وكفاءته والذي لا يمانع في دور العسكري القوي ولا يقبل بدور تنفيذي متواضع».

من ناحيته، أقر المحلل السياسي القريب من الدوائر العسكرية، بما قاله حكوميون مصريون من أن الملفات المكلف بها حجازي كانت تتسع على المستوى السياسي وليس فقط العسكري. فهناك مثلًا الإشراف المباشر على أعمال المخابرات العسكرية، والإشراف على الأوضاع في سيناء، إضافة إلى ملف صياغة حلول أمنية وسياسية للوضع في ليبيا، وملف العلاقات مع الولايات الأمريكية.

ولكن الأمر تغير منذ أشهر ماضية وبدأت عملية ما لتهميش حجازي، عندما استحضر السيسي محمد الشحات رئيسا للمخابرات الحربية، وقام بتعيين أسامة عسكر مساعدًا للقائد العام للقوات المسلحة لشؤون تنمية سيناء.

المحطة الأخيرة حتى الآن: الإقالة

قال المحلل إن خبر إقالة حجازي من منصبه كرئيس للأركان جاء صادمًا، بل وغير مفهوم حتى لبعض أرفع القيادات العسكرية، «لم يكن أحد يستشعر أن تلك الخطوة آتية على أية حال»، وذلك بالرغم من مؤشرات التهميش الأولية.

وبحسب هذا المحلل، كان حجازي في زيارة للولايات المتحدة في مهمة عمل، مواعيدها معلنة، على عكس تفاصيل لقاءاتها، قبل أن يعود إلى القاهرة ليطلب منه فور وصوله التوجه فورًا للقاء رئاسي تم إبلاغه خلاله عن تحوله من رئيس الأركان إلى مستشار سياسي. حدث ذلك قبل الإعلان الرسمي يوم السبت 29 أكتوبر، الذي أربك مسؤولي السفارة المصرية بالسعودية الذين كانوا يجرون ترتيبات مع مكتب حجازي لوصوله إلى الرياض في اليوم التالي على الإقالة للمشاركة في اجتماعات تستضيفها المملكة حول اليمن.

لكن كلمات كتبها معتز حجازي، ابن رئيس الأركان المقال، في حساب له على موقع فيسبوك، عبرت عن رفض والده للانصياع للتيار بعد ساعات قليلة من خبر إعفاء الرجل من منصبه العسكري الرفيع. أشارت هذه الكلمات إلى أن ما بدا صادمًا ومفاجئًا للبعض، لم يكن صادمًا ومفاجئًا لهذه الدرجة.

تعليق سابق لحجازي الإبن، الذي يعلن دعمه السياسي للسيسي، حول رفضه آليات جمع توقيعات لمناشدة الرئيس للترشح لفترة ثانية، قبل نحو عشرة أيام من القرار الرئاسي بتحويل حجازي من الرجل العسكري القوي إلى مستشار للرئيس ألقى ضوءً على أن الأمور لم تكن على ما يرام.

علاقة الإقالة بحادث طريق الواحات ما زالت ملتبسة. إذ يقول المصدر الحكومي إن مَن قام بتسريب التسجيل الصوتي المذاع في برنامج المذيع أحمد موسى، بما فيه من إشارة لتأخر الطيران في مد يد العون لدورية الشرطة المحاصرة في الواحات، أراد إلقاء اللوم على القوات المسلحة، ويبدو أن وزير الداخلية تمكن من إثبات ذلك.

جاء هذا بخلاف تزامن إعلان قرار إعفاء حجازي من مسؤولياته العسكرية وإعلان قرار وزير الداخلية إقالة رئيس قطاع الأمن الوطني، الموصوف بأنه المسؤول الأول عن واقعة الواحات.  

ولكن السفير الأوروبي الثاني، قال إن «نمط أداء السيسي لا يتفق مع نظرية القرارات الانفعالية، خاصة إزاء أحد أقرب معاونيه»، وأضاف أن هذا الأمر «لا بد أنه كان محل تدبر من السيسي على الأقل لعدة أسابيع. هذا هو السيسي في قراءتي له».

«اليوم لا يمكن القول إن حجازي ذهب بسبب ما حدث في الواحات، بعد أربع سنوات من حوادث لا تقل إزعاجًا تحدث في سيناء»، بحسب العسكري السابق الذي سبق له أن تحدث عن حالة عدم ارتياح في بعض دوائر القوات المسلحة عن خيارات السيسي، خاصة عندما رفض صدقي صبحي، وزير الدفاع، التوقيع على اتفاقية نقل جزيرتي تيران وصنافير إلى السيادة السعودية، والذي بررته الحومة في تقرير قدم إلى البرلمان جاء فيه، أن من وقع على الاتفاقية هو رئيس وزراء مصر وولي ولي عهد السعودية ؛ وكلا منهما لهم الصفة التمثيلية لدولتة؛ مشيرا الي ان من يقوم بالتوقيع مسألة تقديرية لكل دولة.

المصدر الحكومي قال بعد قرار إقالة حجازي إن رئيس الأركان رفض أيضًا عقد لقاءات ثنائية منفصلة مع مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى زاروا القاهرة خلال الأسابيع الماضية للنقاش حول تفاصيل إتمام نقل جزيرة تيران بعد أن تم الانتهاء من نقل جزيرة صنافير.

«هذه ليست المرة الأولى التي رفض حجازي فيها مثل هذا النوع من اللقاءات، وهذا ليس بالضرورة مؤشرًا أنه كان ضمن القيادات العسكرية المتحفظة حول نقل سيادة الجزيرتين، ولكنه بالتأكيد كان مؤشرا لإدراكه أن هذه الصفقة لا تتمتع بأي شعبية في صفوف القوات المسلحة وأنها مرفوضة شعبية قولًا واحدًا. بل لأن هذا الرجل الذكي يدرك أنه في يوم ما لو اختلف الواقع السياسي في مصر بعد سنوات طالت أم قصرت فإن صفقة تيران وصنافير قد تكون محل مساءلة قانونية ما، وهو الوضع الذي لا يريد أن يضع نفسه فيه»، بحسب قول المسؤول.

من جانبه، أصر السفير الأوروبي على أن «حجازي من أكثر العسكريين ذكاءً ويتمتع بحساسية سياسية لا يمكن أن توقعه في فخ قول ما يغضب الرئيس». وأضاف: «غير صحيح ما تردد في بعض الدوائر المصرية أن حجازي تلقى إشارات من بعض العواصم الغربية حول مصر ما بعد السيسي، لأن هذا الأمر بصراحة ليس محل نقاش الآن خاصة بالنظر إلى أن السعودية والإمارات لا تبديان غضبًا إزاء القاهرة بعد تجاوز استياء الرياض حول ملف تيران وصنافير».

ومع ذلك، قال المصدر الحكومي: «أظن الآن بعد ثلاثة أسابيع يمكن أن نخلص أن هناك غضب رئاسي من رئيس الأركان السابق. كما أن قرار الرئيس أن يكون التعامل حاسم مع الرجل الذي كان محل ثقته، إلى جانب ما يربطه به من علاقة نسب، يعد تحذيرًا لكل من يتصور أن رأس السلطة التنفيذية يتردد في التخلص من أي من معاونيه دون أي اعتبار لأي صلات شخصية أو علاقة العمل سابقة».

وأضاف «لم تنكشف بعد، حتى لنا في الدوائر الحكومية، حقيقة التخلص من محمد  التهامي، رئيس المخابرات العامة السابق، والذي كان محل ثقة كاملة من الرئيس (في أواخر 2014). كما لا نعرف الكثير عن مدى التقارب مع المشير طنطاوي، وإذا كان ما زال قائمًا أم أنه مجرد أمر أدبي. الشيء الوحيد الأكيد هو أن الرجال الذين أحاطوا بالرئيس عند وصوله إلى السلطة، القوي منهم والضعيف، مَن دعم ترشحه الرئاسي ومَن رفض، أصبحوا كلهم تقريبًا خارج الدائرة المباشرة حتى لو احتفظ بعضهم بمناصب رسمية، عدا رجلين هما وزير الدفاع ومدير مكتب الرئيس».

الأمر الذي يتفق عليه الجميع، ربما بنفس المفردات، هو أن الخروج الدرامي لحجازي من الكادر الأرفع للحكم في مصر ضَيَّق الحلقة المحيطة بالسيسي لتشمل عباس كامل، رئيس مكتبه، وخالد فوزي، رئيس المخابرات العامة، ومحمد سعيد العصار، وزير الإنتاج الحربي المشارك فعليًا لرئيس الوزراء شريف إسماعيل في مهامه بحسب أكثر من مصدر، ومحمد فرج الشحات، مدير المخابرات الحربية، ووزير الدفاع، صدقي صبحي، الذي يعلم بحسب مصادر متطابقة أن رفضه التوقيع على اتفاقية نقل سيادة تيران وصنافير ليس بالأمر الذي سيتجاوزه رأس السلطة التنفيذية والقائد الأعلي للقوات المسلحة.

المحلل المقرب من الدوائر العسكرية قال إن اﻷمر بحسب ما سمع من عسكريين حاليين «لا يمكن أن يذهب بعيدًا في إجراءات التنكيل، لأن هذا ينال من صورة الأسرة المتماسكة. ذهاب حجازي عن رئاسة الأركان والطريقة التي ذهب بها لا تعني، أيًا كانت التفاصيل، إلا أمرًا واحدًا: كل ما كان يتردد عن خلافات داخل المنظومة الأعلى للحكم سواء في ما يتعلق بملفات معلنة مثل إدارة الوضع في ليبيا وسيناء أو إدارة العلاقات مع إسرائيل أو إدارة العلاقات مع كوريا الشمالية كلها صحيحة ولو بدرجات».

النقطة التي يتفق عليها الجميع أن ذهاب حجازي ليس تساؤلًا حول مدى متانة الدائرة الأقرب للرئيس، ولكنها إشارة إلى أن الرجل ما زال في طور التخلص من الذين كانوا إلى جانبه في رحلة صعوده إلى سدة الحكم التي بدأت في صيف 2012.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان