في «العور».. ما تبقى من الألم في انتظار ما تبقى من الأبناء
 
 
كنيسة شهداء الإيمان والوطن بقرية العور - المصدر: إبراهيم عزت
 

«ارجع يا مينا. ارجع. وزي ما فتحت الباب لإخواتك أفتحهولك يا ابني.. كنت طول 45 يوم أعيط وأدعي ربنا يرجع عايش. لكن بعد استشهاده فضلت أحلم بيه إنه عايز يرجع بلده. ونشكر ربنا إن جثمانه فعلًا هيوصل العور قريب». بابتسامة تقول «أم الشهيد» مينا فايز عزيز كما تُفضل أن يتم مناداتها، بعد أن ذُبح ابنها وعشرون قبطيًا وشاب أفريقي مسيحي في ليبيا على أيدي مسلحين تابعين لتنظيم داعش في فبراير 2015.

كان مكتب النائب العام الليبي، أعلن في 28 سبتمبر من العام الحالي اعتقال منفذ ومصور واقعة ذبح واحد وعشرين مسيحيًا في مدينة سرت الليبية في 15 فبراير 2015، الذي أرشد أيضًا عن مكان دفن الجثامين، ونُشرت صور لجثث مكومة في ملابس برتقالية تماثل التي ظهر بها الضحايا في «فيديو الذبح».

في قرية العور التابعة لمركز سمالوط بالمنيا، حيث فقدت القرية ثلاثة عشر من شبابها، وهو النصيب الأكبر من إجمالي واحد وعشرين ضحية، ينتظر أهالي الضحايا وصول جثامين أبنائهم.

«الدنيا مش هتبقى سايعاني لما ييجوا. يا ريت إنشالله هدومهم، أو أي حتة ولو صغيرة منهم هاحِس إن ضنايا معايا أكتر»، بلهفة تتحدث أم مينا وهي تجلس أمام مجسم كبير لصورة ابنها وهو يرتدي «التونية البيضاء» -الزي الكنسي المخصص للشمامسة- عن وعود النائب العام المصري، المستشار نبيل صادق ،بسرعة اتخاذ الإجراءات لإعادة الجثامين واستكمال التحقيقات مع الجانب الليبي.

في منزل بشير اسطفانوس تجلس أمه، التي فقدت اثنين من أبنائها هما صموئيل وبيشوي، في صالة منزلها بعد أن وضعت مقتنيات ابنيها في دولاب زجاجي كبير، وتنتظر عودة جثمانيهما. تقول: «باحس كل يوم إن في حد بيخبط عليّ يقولّي افتحيلي يا أمّا. أنا فخورة بعيالي ولما ييجي جسدهم هاكون فخورة أكتر».

الصورة: إبراهيم عزت

أكثر من سنتين مرا على الحادثة، وأسر الضحايا يتذكرونها وكأنها كانت بالأمس، يسردون الحكاية بينهم بصورة يومية، ومع كل خبر جديد يعاودون التفاصيل.

«أنا باتفرج على الفيديو اللي ظاهر فيه جزمهم وهدومهم وعضمهم كل يوم، وأدوّر على مينا، زي ما أتفرج على فيديو استشهادهم رغم إن الحريم والشباب حاولوا يمنعوني أشوفه لكن أنا أصريت. ولما سمعتهم بينادوا على يسوع، قلت ربنا يسامح اللي ذبحوهم، لكن يشكروا أنهم بعتوا عيالنا السما»، تقول أم مينا.

تعلق سلسلة في صدرها تضم صورة ابنها مينا ومعه الشقيقين بيشوي وصموئيل اسطفانوس اللذان كانا من ضمن الضحايا، تنظر للصورة وهي تقبض عليها بيدها وتقول: «أنا يمكن تشوفيني كدة جامدة، لكن أنا ضعيفة قوي وأي حاجة تأثر فيّا. لكن في مشوار مينا ده أنا جمدت، وربنا هو اللي اداني قوة، هما جرحونا لكن ربنا لمس قلوبنا وداوانا».

الصورة: إبراهيم عزت

«أم الشهيد» أو «زوجة الشهيد» هما اللقبان اللذان حصلت عليهما النساء من أمهات وزوجات في قرية العور عقب  الحادثة، فيما تظل أسماؤهن الحقيقية مخفية، حيث تودع غالبية النساء في صعيد مصر أسمائهن بعد إنجاب الطفل الأول، فُينادى عليهن بـ «أم فلان»، وعادة ما يكون اسم الذكر الأول حتى إن سبقه فتيات، ويطوي النسيان أسمائهن التي عشن بها قبل الزواج والإنجاب.

كما يودعن أسماءهن، تودع النساء الألوان في الملبس بعد فقدان عزيز في أسرهن، فتقول أم مينا: «أنا مش لابسة الأسود حزن، لأن الحزن في القلب مش في اللبس، لكن ﻷن الحريم لازم يلبسوا أسود، بس كيرلس ابني قال لي اوعديني يا أمي لما تيجي جثامين الشهداء ما تلبسيش أسود تاني، فقلت له لو مينا جه هالبس أبيض».

الصورة: إبراهيم عزت

في مربع واحد توجد منازل أسر الضحايا. تربط غالبيتهم علاقات دم أو مصاهرة. في منزل ماجد سليمان شحاتة تعيش أم صموئيل التي فقدت ستة أفراد من عائلتها من بينهم زوجها. ترتدي الأسود كباقي نساء القرية من أهالي الضحايا. تقول: «أنا كنت تعبانة أوي، 6 رجالة من عيلتي استشهدوا، الشهيد كيرلس  ابن خالي، والشهيد أبانوب ابن عمي، والشهيد يوسف ابن ابن عمي، والشهيد هاني ابن خالي، والشهيد مكرم ابن خالي، والشهيد ماجد جوزي».

تتذكر أم صموئيل تفاصيل حياتها وحياة زوجها الذي اهتم بتعليم أبنائه رغم ضعف إمكانيته المادية، وتقول: «قبل ما يسافر ليبيا كان بيشتغل بيومية 40 جنيه وكان أهم حاجة عنده أنه يعلم العيال. عندنا فيفي رابعة كلية ألسن، وصموئيل ثانية كلية وميرنا في تالتة اعدادي. نشكر ربنا، ويساعدنا نكمل معاهم المشوار اللي أبوهم كان عايزه».

تباينت ردود أفعال أهالي الضحايا بعد تلقيهم خبر ذبح أبنائهم. منهم من نُقل للمستشفيات بسبب حالات إغماء. إلا أن أم الشهيد كيرلس لفتت انتباه القرية وما زالوا يسردون بعجب رد فعلها، حيث أطلقت الزغاريد عقب مشاهدتها فيديو ذبح ابنها وعشرين آخرين، وحاول زوجها والجيران إثنائها وتهدئتها فكانت تصيح: «أنا ابني شهيد، أنا أم الشهيد». ورغم مرور أكثر من سنتين إلا أنها ما زالت تتحدث بالقوة والفرحة ذاتها.

«أيوة حزنت وعاتبت ربنا وقلت له: ليه يا رب عملت فينا كده، هو إحنا عملنا إيه؟ لكن بعدها شكرته إنه استجاب لنا وثبتوا على إيمانهم». تقول أم بشير.

«إن كان ابني صرخ وقال يا يسوع هازغرد له. إن نَكَر إيمانه يبقى مش ابني. لو كان ابني رجع عايش وهو ناكر المسيح كنت أبقى حزينة وتبقى البطن اللي شالت مش طاهرة تبقى اللي شالت نجسة». بابتسامة شديدة الوضوح لا تفارق وجهها تتحدث أم كيرلس عن ابنها وظروف مقتله، التي تراها وسام يجعلها تشعر بالفخر.

على عكس التماسك الذي رافق أم كيرلس، إلا أن زوجها، بشرى، بدا واهنًا ويقاطعها مستعجبًا فرحتها، يحكي بمرارة عن فراق ابنه: «أيوه متعزيين من السماء، لكن أنا تعبت قوي بعد استشهاد كيرلس، ومش قادر أصدق واستحمل فراقه، إحنا بشر يا عالم، أنا مش عارف أمه جايبه القوة دي من فين. أنا صحتي أتأثرت وكنت في الغيط أقوم بشغل نفرين. دلوقتي بانزل بالعافية. عارف أن الاستشهاد في الكنيسة، وعشنا طول عمرنا نسمع عنه، لكن دي أول مرة نشوفه كدة بعينينا، هو سهل تشوفي ضناكي بيتدبح وتكملي حياتك عادي؟».

وبالرغم من فجيعة الموت، إلا أن النساء يصررن على أن الأصعب عليهن كانت فترة الاختطاف التي دامت خمسة وأربعين يومًا لم يعلمن فيها شيئًا عن رجالهن. فكن يزرن كنيسة العذراء طوال فترة الاختطاف، ويتجمعن فيها بالمئات حيث قرر راعي الكنيسة تكريس تلك الفترة للصلاة. فكن يحضرن الصلوات، ويطلبن عودة ذويهن أحياء، إلا أنهن يختمن صلاتهن بـ «يا رب ثبتهم على إيمانهم». لا ينفين الألم ولكنهن يتشبثن بالتعزية.

«لما شفنا في الفيديو الاستشهاد على كلمة يا ربنا يسوع المسيح، نزلت علينا تعزية كبيرة قوي وسلام، وفرحت دلوقتي أكتر لما عرفت إن الجثامين هترجع، قولنا يا رب تمم مشوارهم وخليهم يوصلوا». يقطع كلامها صمت وابتسامة تعجب، قبل أن تعاود حديثها: «لما يكون في عجوز في البيت يموت نقفل التليفزيون بالسنة، لكن من يوم الاستشهاد التلفزيون مش مبطل في بيوتنا والفرح مالي القلب ونستعجب على حالنا، بس برضه هما وحشونا قوي، وحشنا صوتهم وضحكتهم». تقول زوجة ماجد، أحد ضحايا الحادث.

الصورة: إبراهيم عزت

على مدار سنة ونصف السنة، توحد أهالي ضحايا «العور» مع حزنهم الخاص، فكان واقع ذبح أبنائهم بسبب هويتهم الدينية أكبر من قدرتهم على الاستيعاب كما رددوا، حتى انتشلهم حزن عام فرض نفسه بسقوط عشرات القتلى من المسيحيين على يد الإرهاب، بدءًا من تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، ليغطى السواد منازل مئات الأسر المسيحية في محافظات مختلفة، وتخرج الأتوبيسات من قرية «العور» أكثر من مرة لتأدية واجب العزاء، كان آخرها واجب العزاء لدى أسرة القس سمعان شحاته الذي تم قتله يوم الخميس 12 أكتوبر في المرج.

كان هناك أيضا نزوح عشرات المسيحيين من العريش للإسماعيلية في فبراير 2017 بعد مقتل 6 مسيحيين في أسبوع، والتهديدات التي نُسبت لداعش بقتل المسيحيين حال بقائهم في العريش. وبعد هذه الأزمة جاء «الأحد الدامي» في كنيسة مارجرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية، يوم أحد الشعانين 9 أبريل 2017، حين سقط 18 قتيلًا، والذي أعقبه حادث قتل 29 مسيحيًا كانوا في طريقهم لزيارة دير الأنبا صموئيل في المنيا صباح يوم 26 مايو 2017.

«أنا ما خرجتش برة العور كتير. يمكن رحلات مع الكنيسة وخلاص. لكن بعد استشهاد ابني، استشهد مسيحيين تانين، فبقينا نسافر نعزي فيهم ونقعد كلنا نتكلم ونحكي ونصبر بعض». تحكي أم بشير عن مشاركتها مع أهالي العور في تقديم واجب العزاء.

تمتد قرى الصعيد متجاورة لا يفصلها حدود وإنما مجرد لافتات توضح أسمائها. وفي أحيان كثيرة يتم التعرف على القرى من خلال علامات بسيطة، كجسر أو منعطف بعد نهاية سوق أو غيرها من العلامات التي يتفق عليها المواطنون كعلامات لنهاية حدود قرية وبداية أخرى، يرشدون بها الغرباء.

«ما تسألوش حد على كنيسة الشهداء، قولوا عايزين قرية العور وخلاص، عشان ما حدش يضايقكم». نصحنا شاب يركب دراجة بخارية، ويظهر وشم العذراء كبير على ذراعه.

ومن على بعد، قبل مدخل القرية، تظهر كنيسة بيضاء وسط أراضٍ زراعية، تبدو أنها حديثة البناء ولم ينته العمل بها، وهي كنيسة شهداء الإيمان والوطن التي أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارًا، في 2015، ببنائها تكريمًا لذكرى الضحايا.

قرار الرئيس بأن تُبني الكنيسة داخل القرية في المنطقة الغربية لم ينل موافقة مسلمي القرية. ليخرجوا في مظاهرات عقب صلاة الجمعة 23 مارس 2015 ضد بنائها، ويحاصروا كنيسة العذراء، وهي الكنيسة الوحيدة في القرية ويهتفوا: «بالطول بالعرض. ما فيش كنيسة على الأرض». ويحدثوا تلفيات في مبني الكنيسة الخارجي ويحرقوا سيارة مملوكة لمسيحي.

تدخل الأمن بفض التظاهرة والإفراج عمن تم القبض عليهم في اليوم ذاته دون توجيه أي اتهامات، واضطر المسيحيون للخضوع والتنازل عن محاضر التعدي بالضرب والاعتداء على من حاول منهم الدفاع عن الكنيسة وقبول شروط مسلمي القرية في الجلسة العرفية التي عقدها محافظ المنيا، اللواء صلاح زيادة، ببناء الكنيسة خارج القرية على أرض وقف مملوكة للكنيسة بالأساس.

«قالوا لنا هدوا كنيسة العذراء وابنوا مكانها الكنيسة الجديدة، رغم أن الرئيس هو اللي أمر ببنائها وادانا 16 مليون جنيه، بس هما قالوا مش هيكون في كنيستين في القرية أبدًا، وسيدنا في الآخر وافق إننا نبنيها بره خالص». يقول عم عابد حارس كنيسة شهداء الإيمان والوطن لـ «مدى مصر».

الصورة: إبراهيم عزت

يبلغ تعداد سكان قرية العور  أكثر من 5 آلاف نسمة، أغلبهم من الأقباط، إلا أن بها مسجدين وكنيسة واحدة، وهي كنيسة العذراء التي يقول عنها عم عابد إنها تخدم مسيحيي القرية وثلاث قرى أخرى مجاورة؛ هي سوبي ووسيلة -لا توجد بهما كنائس- وقرية دبوس، والتي توجد بها كنيسة مبنية بالفعل وإن كان مسلمو القرية رفضوا إقامة الصلاة فيها بعد فترة،  فأغلقها الأمن.

تغيرت حياة أهالي الضحايا، وكان للقرية نفسها نصيب من التغيير بعد أن تحولت الإشارات للشوارع بأسماء الضحايا. فما أن تسأل عن بيت عائلة ما ليأتي الرد: «عند بيت الشهيد ماجد» أو «بيت الشهيد صموئيل». وهكذا حصلت العُطف -الشوارع الصغيرة بالقرى- على أسماء تُخلد ذكرى أبنائها، الأمر الذي يثير تحفظ بعض أهالي القرية المسلمين كما روى بعض أهالي الضحايا.

فيما يؤكد عم عابد أن العلاقة بين مسلمي القرية ومسيحيها لم تشهد إطلاقًا أي توترات إلا بعد ذبح أبنائها الأقباط، وتوافد الإعلام ومسؤولي الدولة لزيارة بيوت المسيحيين، وتسليط الضوء على معاناتهم، وقرار الرئيس ببناء الكنيسة، موضحًا أن التظاهرات التي خرجت ضد بناء الكنيسة لم يكن فيها مسلمو القرية فقط، وإنما مسلمي القرى المجاورة الذين انضموا لهم عقب صلاة الجمعة.

اعلان
 
 
كارولين كامل