الطلاب ذوو الإعاقة البصرية بلا كتب دراسية.. و«التعليم» لا ترد
 
 
وزير التربية والتعليو والتعليم الفني طارق شوقي. الصورة من صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية
 

رغم مرور قرابة الشهر على بدء العام الدراسي الحالي، إلا أن فصول مدارس «التربية الخاصة» المُسجَّل بها الطلبة من ذوي الإعاقات البصرية، تخلو حتى اﻵن من الكتب الدراسية المطبوعة بطريقة «برايل»، بحسب النائبة البرلمانية هبة هجرس، دون أن يبدو أن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني لديها حل قريب لهذه اﻷزمة حتى اﻵن.

بحسب بيانات إدارة التربية الخاصة بالوزارة يصل عدد الطلاب من ذوي الإعاقة البصرية إلى ثلاثة آلاف طالب بمختلف المراحل الدراسية في 98 مدرسة على مستوى الجمهورية، وكانت النائبة قد تقدمت، اﻷسبوع الماضي، بطلب لاستجواب وزير التربية والتعليم طارق شوقي بشأن عدم تسلمهم الكتب الدراسية.

اعتبرت هجرس، عضو لجنة التضامن الاجتماعي واﻷسرة واﻷشخاص ذوي الإعاقة بمجلس النواب، أن عدم طباعة هذه الكتب حتى اﻵن «خيبة قوية»، وقالت لـ «مدى مصر» إنه «بعد ارتفاع تكاليف الطباعة في الفترة الأخيرة تركت وزارة التربية والتعليم المطبعة الوحيدة المتخصصة في طباعة مثل هذه الكتب وبدأت في البحث عن بديل». موضحة أن مطابع «المركز النموذجي لرعاية وتوجيه المكفوفين.. قصر النور» كانت طوال 42 عامًا هي الجهة المختصة بطباعة هذه النوعية من الكتب الدراسية لصالح الوزارة، قبل أن تقرر الوزارة عدم التعامل معها.

ولم يكن أحمد خيري، المتحدث الرسمي باسم «التربية والتعليم والتعليم الفني»، متاحًا للرد على استفسارات مدى مصر بشأن عدم توافر الكتب، أو البديل الذي قد تلجأ له الوزارة، وبالتواصل مع مستشار الوزير للاحتياجات الخاصة، إنجي مشهور، يوم اﻷربعاء الماضي، أكدت أنها سترسل ردًا رسميًا على هذه التساؤلات، وهو ما لم يحدث حتى اﻵن.

اﻷزمة القديمة المتجددة

بدورها، أكدت هبة هجرس أن طباعة الكتب الدراسية بطريقة «برايل» تستغرق قرابة عدة أشهر، لما تتطلبه من مراجعة وتدقيق لغوي، وذلك فضلًا عن تغيير الوزارة لحوالي 30% من المناهج الخاصة بالعام الدراسي الحالي، الذي قد ينقضي دون طباعة هذه الكتب، بحسب هجرس، التي استطردت: «ما يحدث كارثة».

من جانبه، قال محمد أبو طالب، الناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، لـ «مدى مصر» إن الأزمة ليست جديدة، وأن الطلاب ذوي الإعاقة البصرية اعتادوا على تسلّم الكتب الدراسية في وقت متأخر من العام الدراسي، بل إنها لم تصلهم في كثير من اﻷحيان سوى بعد امتحانات الفصل الدراسي اﻷول.

أبو طالب، الذي كان طالبًا في إحدى مدارس التربية الخاصة بمحافظة سوهاج، أشار إلى أنه لم يتسلم الكتب الخاصة به في عام 2004 سوى في الفصل الدراسي الثاني، غير أنه أكد أن اﻷزمة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة ولم تعد متوقفة على تأخير الكتب الدراسية؛ «بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة، توقفت الوزارة منذ عام 2013 عن طبع المصاحف والأناجيل والقواميس والمعاجم بطريقة برايل»، مضيفًا أنه منذ بدء العام الدراسي الحالي يعاني الطلاب أيضًا من قلة اﻷوراق المستخدمة في الكتابة أثناء الدراسة.

أكبر من أزمة طباعة

لا يستوعب الفصل الواحد للطلاب ذوي الإعاقة البصرية في مدارس «التربية الخاصة» أكثر من عشرة طلاب، نظرًا لضخامة الكتب الخاصة بكل طالب، التي يصل وزنها إلى 120 كيلوجرامًا، بحسب أبو طالب، الذي أضاف أن ارتفاع سعر فرخ الورق الواحد المستخدم في طباعة تلك الكتب من جنيه وربع إلى ستة جنيهات كان وراء توقف الوزارة عن طباعة الكتب في «المركز النموذجي».

وأوضح أبو طالب كذلك أن أغلب مدارس التربية الخاصة، التابعة للوزارة، الخاصة بذوي الإعاقات البصرية، هي مدارس داخلية، ما يناسب طبيعة الكتب التي يدرس بها الطلاب وثقل حجمها، بحيث لا يكون الطالب مضطرًا لحملها إلى المنزل يوميًا.

وتساءل الناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية: «هل مطلوب من أهالي الطلاب الذهاب لمطابع خاصة وتحمل تكاليف طباعة الكتب، التي تصل إلى سبعة آلاف جنيه، وشحنها في سيارة نصف نقل نظرًا لثِقل حجمها، فضلًا عن السفر من وإلى القاهرة إن كانوا من سكان اﻷقاليم؟».

وفيما أوضح أبو طالب أن الكتب الدراسية «تُباع في مناقصات علنية نهاية كل عام، وذلك لصعوبة تخزينها، ما يعني أن الطلاب لا يملكون نسخًا من الكتب الدراسية الخاصة بالعام الماضي»، قالت هبة هجرس إن أولياء أمور الطلاب اضطروا إلى اللجوء إلى حلول شاقة مثل «شراء الكتب الدراسية في نسختها العادية وقراءة المناهج لأبنائهم أو اللجوء إلى الدروس الخصوصية بعد أن توقف الكثيرون من الطلاب عن الذهاب للمدارس».

محمد الزياتي، رئيس مجلس إدارة جمعية «مزايا للمكفوفين»، وهي جمعية تقدم خدمات لذوي الإعاقة البصرية تشمل إمداد طلبة المدارس بالكتب المكتوبة بطريقة «برايل» بشكل محدود، رأى أن الوزارة اتخذت مسلكًا سلبيًا في التعامل مع أزمة توريد الكتب الدراسية، من تأخّر وصول الكتب للمدارس، وعدم مطابقتها للمواصفات واحتوائها على مشاكل في الإخراج والشكل والأخطاء المطبعية في السنوات السابقة.

وأرجع الزياتي الأزمة إلى «عدم فرض الوزارة لرقابة على أداء «المركز النموذجي لرعاية المكفوفين» وإصرار جميع القائمين على العملية أن كل شئ تمام». مشيرًا إلى أن الوزارة إذا بدأت في تأسيس مطابعها الخاصة لإصدار الكتب بطريقة «برايل» ستوفَر في التكاليف المالية.

قرار بالدمج.. ولكن

من جانبه، أشار أبو طالب إلى أن الكتب الدراسية المطبوعة لم تعد حلًا عمليًا، موضحًا أن الوزارة يجب أن تتبنى وسائل أحدث، مثل «أجهزة برايل سينس، التي تتراوح أسعار الواحد منها بين 1500-5000 جنيهًا، وهي شاشة في حجم الأجندة الصغيرة، أو استخدام أجهزة كمبيوتر محمولة أو لوحية مدعَّمة بخاصية قارئ الشاشة، وكلها وسائل تُسهل من عملية دمج ذوي الإعاقة البصرية، لكن ما نفعله أننا نُعطل الطلبة بدلًا من أن ندمجهم».

أما النائبة هبة هجرس فاعتبرت أن الاتجاه نحو دمج الطلاب من ذوي الإعاقات البصرية في المدارس العادية عوضًا عن «التربية الخاصة» هو الحل اﻷمثل لمراعاة حقوق هذه الفئة، وأضافت: «أفكر في حق الطلاب في التعليم، خاصة أن مدارس التربية الخاصة لا تستوعب إلا 2.8% من احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، والبقية لا يتعلمون».

كان وزير التعليم قد أصدر في أغسطس الماضي قرارًا بالبدء في دمج الطلاب ذوي الإعاقات البسيطة داخل مدارس التعليم العام مع بداية العام الدراسي الحالي، وذلك بعد عقود من إلحاق الطلاب أصحاب الإعاقات المختلفة في  مدارس تخصهم، وهو القرار الذي بدأ تطبيقه بشكل أولي.

وكانت المادة التاسعة لقانون التعليم رقم 139 لعام 1981، تنص على أن تكون مدارس «التربية الخاصة» لتعليم ورعاية «المعوقين»، وذلك بما يتلاءم مع قدراتهم واستعداداتهم. وذلك بالمخالفة لنصوص «الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة»، التي صَدَّقت عليها مصر في أبريل من عام 2008. والتي تلزم الدول الموقعة عليها بضرورة دمج هؤلاء الطلاب في المدارس العامة.

ونَصَّ قرار الوزير الصادر مؤخرًا، فيما يخص الطلاب ذوي الإعاقة البصرية، على دمج الطلبة ذوي «جميع درجات الإعاقة البصرية (الكفيف وضعيف البصر)، ويقبل بمدارس الدمج الطالب الكفيف وهو من تقل حدة إبصاره عن 6/60، وكذلك يقبل ضعيف البصر والذى تبلغ درجة إبصاره 6/60 فى العينين أو العين الأقوى أو بعد التصحيح باستخدام النظارة الطبية، كما يقبل أيضًا التلاميذ المصابين بمتلازمة إرلن». وينص القرار على تشكيل لجنة من الإدارة العامة للتربية الخاصة يكون من إحدى مهامها «اقتراح تطويع الكتب الدراسية بما يتناسب مع ظروف الإعاقة، وبما يحقق الهدف من هذا التطويع واقتراح الوسائل التعليمية والأنشطة المتصلة بكل فئة من الفئات المدمجة بالتعاون مع الإدارات التعليمية وتقدير الاحتياجات السنوية لمدارس الدمج في جميع المديريات من القوى البشرية والتجهيزات وغيرها».

كما افتتحت الوزارة، قبل أسبوعين، مكتبًا لخدمة الطلاب ذوي الإعاقة بمقر ديوانها بالقاهرة، وذلك «في ضوء توجيهات الوزير بالاهتمام بالأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة، والعمل على تيسير خدماتهم» بحسب بيان للوزارة، وذلك دون توضيح نية الوزارة إذا كانت ستؤسس مكاتب مماثلة على مستوى الجمهورية.

اعلان
 
 
مي شمس الدين