من أم كلثوم لعمرو دياب ومنير: السباق نحو الخلود صورة للمطرب في مراحله الأخيرة

في مسيرة المغني الناجح جماهيريًا، يمكننا القول إن معيار جودة الصوت ليس الأهم، فللمنافسة على الساحة معايير أخرى، كصناعة شخصية مستقلة، والكفاءة في إدارة المشروع الفني والعلاقة بالدولة والشعب والتواصل الذكي مع التراث الموسيقي ومع متطلبات اللحظة الراهنة.

في محاولة للبحث في تاريخ المقامرات الفنية للبقاء لأطول فترة ممكنة على الساحة الفنية، نستعرض عدة نماذج اشتبكت مع عوامل متباينة، للحفاظ على النجاح والاستمرارية

إذا أردت النجاح كمغن، عليك أن تتعلم إرساء قواعدك الخاصة، واستخدام مقوماتك جيدًا، مع استغلال مواطن ضعف الآخرين، وانتهاز جميع الفرص أمامك. بمعنى آخر؛ عليك أن تكون واعيًا لكلِ حركة منك أو من منافسيك، فالساحة الفنية كرقعة الشطرنج، وكبيدق ضعيف يقف في مواجهة العالم، عليك اختيار أي قطعة ستكون وأي مقامرة ستلعبها مع التاريخ لكي تصل لنهاية الرقعة وتترقى ويُكتب اسمك في تاريخ الفن، أنت البيدق واللاعب والمدرب، وعليكَ التحكُّم في كل شيء حولك.

في محاولة للبحث في تاريخ المقامرات الفنية للبقاء لأطول فترة ممكنة على الساحة الفنية، نستعرض عدة نماذج اشتبكت مع عوامل متباينة، للحفاظ على النجاح والاستمرارية.

أم كلثوم: اللعبة الذكية والاشتباك مع الماضي

تبدأ المرحلة الانتقالية الأخيرة في حياة أم كلثوم مع بداية عقدها الخامس في محراب الغناء، أي مع بدايات الستينيات، بعد أن باتت هرمًا غنائيًا مكتمل البناءِ والسحر، لكن هل يكفي هذا؟ تعتمد الإجابة على تعريف «الاكتفاء» عند أم كلثوم، التي لم تعد تحلم بالتفرد على الساحة الغنائية فقط، بل أصبحت تسعى للخلود الفني. إذن نحن أمام فترة هي الأهم في تاريخها من ناحية ذكائها في الوقوف أمام التغيرات بجميع أشكالها؛ سياسية وموسيقية و جماهيرية.

تبدأ أم كلثوم مقامرتها بالاشتباك مع الماضي الموسيقي القريب (عبده الحامولي– محمد عثمان)، فلا تتنازل عما منحته من حرية كاملة للمطرب في التجلي والسلطنة، بينما تستمر في تعاونها مع ملحنين مُجدّدين كبليغ حمدي وعبد الوهاب، فقدمت خلطة جديدة جَمَعت بين زمنين مختلفين لا تنتمي لأيهما بالكامل، فلا هي ترتجل على المسرح أو تغيّر أداء الأغنية بين حفلة وأخرى، ولا هي مخلصة تمامًا لنوع الموسيقى الجديدة التي يقدمها ملحن كبليغ. بهذه الوصفة نجحت أم كلثوم، وتمكنت من إطالة فترة صلاحيتها، وزيادة رقعة جمهورها، فكم من الأجيال دخلت عالَمها من بوابة عبد الوهاب وبليغ.

من ناحية أخرى، امتلكت أم كلثوم خبرة في التعامل مع كل الظروف المحيطة بها، مثل انتقالها السلس والذكي من معسكر المَلكية إلى معسكر الثورة، بنجاح مكّنها من أن تصبح من المقربين للرئيس جمال عبد الناصر. أمّا بعد النكسة، فقد قررت أم كلثوم الاشتباك الواضح والصريح مع فكرة الوطن، بإقامة حفلات للمجهود الحربي.

كانت هذه فرصتها الأعظم؛ رحلة غنائية هي الأهم في تاريخ الموسيقى العربية، استمرت لسنوات وليس لشهور. نظمت أم كلثوم حفلات داخل محافظات مصر، لتعود بها للقرية مرة أخرى، ولكن في ثوب الست الأولى، بالإضافة لحفلاتها في الوطن العربي (تونس والمغرب و ليبيا و السودان و الإمارات)، وحفلتها في باريس على مسرح الأولمبيا. كانت بالفعل تجمع المال للمجهود الحربي، لكنها أيضًا في نفس الوقت روّجت لأغانيها بشكل لا مثيل له، لتخرج من هذا الاشتباك ظافرة بكل المقايس الفنية والسياسية والوطنية والشعبية.

عمرو دياب.. تطور لا يتوقف أبدًا

ما حققته أم كلثوم يذكّرنا بما يفعله عمرو دياب في السنوات الأخيرة، فرغم كونه في نهاية العقد الرابع من مسيرته الفنية، إلا أنه مازال مخلصًا لقراره بالاشتباك أيضًا مع الماضي، وإن كان في صورة مختلفة.

يحاول دياب تجميد الوقت، ليبقى مسجلًا في العقل الباطن لجمهوره في نفس سنه الصغيرة، فيحافظ على شكله بممارسة الرياضة وعلى روح موسيقاه بمواكبة الجديد، ليسيطر لسنوات طويلة على سوق الأغنية والموضة. حافظ دياب أيضًا على هويته الشخصية، فلم يحرق نفسه إعلاميًا، ولم يُحمّل أغانيه أية أيديولوجيات قد تكبّده خسارة شرائح من جمهوره، بل وعي بقدراته ومقوماته جيدًا، ولعب عليها.

ظاهريًا، يقدم منافسوه نفس نوعية «أغاني البوب»، مثل محمد فؤاد في منتصف التسعينات، أو تامر حسني ومحمد حماقي، بعدها بأكثر من عشر سنوات، لكن الفرق أن عمرو لا يقف مكانه، وإنما يتطور باستمرار، ويعمل على زيادة رقعته الجماهيرية بضم أجيال جديدة. ومثلما استطاعت أم كلثوم جر منافسيها كفايزة أحمد ووردة وميادة الحناوي لشكل الأغنية الطويلة، استمر منافسو عمرو في الركض وراءه، لكنهم لم يستطيعوا مواكبته.

عبد الحليم حافظ : الانفراد بهوية خاصة

الكثير من المطربين راحوا ضحية عبد الحليم حافظ، على رأسهم كمال حسني وماهر العطار وعبد اللطيف التلباني، والأخير هو أحد محاولات محمد الموجي لصناعة نجم ينافس حليم. حاول هذا الثلاثي تكرار حليم، إلا أنهم كانوا بلا شخصية غنائية أو تجارب خاصة، فانهار مشوار كل منهم بسهولة، ولم يتمكنوا من مواجهة حليم إلا في تصريحات صحفية، مثلما فعل ماهر العطار، في حوار له  عام 2015 في جريدة «اليوم السابع»، عندما صرّح بأن حليم قال له بعد نجاح أغنية «بلّغوه»: «يا ماهر ابعد عن الرومانسى وعن خط الحزن بتاعي، خليك مرِح وفرايحى. اللون دا هيمشى معاك».

امتثل العطار لكلامه واتجه للأغنية الشعبية كما في أغنية «افرش منديلك»، وهكذا بكل بساطة ابتعد عن منافسة حليم، وابتعد أيضًا عن صناعة مشروع فني يُذكَر له. وحتى الآن، وبعد رحيل عبد الحليم بأربعين عامًا، إلا أن العطار لا يزال يخشى الاشتباك الصريح معه، بل على العكس يتكلم عنه بشكل رومانسي، ويسترسل في حواراته عن صداقته بعبد الحليم وسهراته معه للصباح، ربما كان ذلك نوعًا من الاشتباك مع الأساطير، وإنه كان على مقربة منهم.

لكن على صعيدٍ آخر، ورغم أن حليم كان سببًا في القضاء على البعض ومحاربتهم فنيًا وشخصيًا في بعض الأحيان، إلا أنه لم يستطع هزيمة محمد رشدي، لأن رشدي خلق مساحته الفنية الخاصة، لدرجة أنه  أَجبر حليم على الاشتباك مع الأغنية الشعبية، فاقتسم جزءًا من نجاح رشدي الذي لم يحذ حذوه ونأى بنفسه عن الاشتباك مع الأغنية الحليمية، وربما لو كان انساق وراء هذا، لضيّع نفسه مثل الكثيرين.

نجح حليم في تخليد نفسه كالقديس حتى بعد رحيله، بالاشتباك مع منافسيه واقتسام جزء من مساحاتهم، أو بغناء نفس الأغنية كما فعل مع فايزة أحمد ومحمد قنديل، أو بالإطاحة بهم كما فعل مع العطار، أو بإثارة المشاكل بين المنافسين مثلما فعل بين محمد رشدي ومحرم فؤاد.

لم يترك حليم فرصة لمرضه أن يثبطه، بل روّضه واشتبك معه. كان واعيًا باحتمالية رحيله في أي وقت، خاصة في السنوات الأخيرة، لذلك شنّ حربًا خاصة على المرض والزمن، مستغلًا كل الفرص للخلود. خاض تجارب فنية جديدة عليه مثل تجربة فيلمه الأخير «أبي فوق الشجرة» عام 1969، أي قبل وفاته بسبع سنوات، وأخرج فيه طاقة مهولة، مقدمًا استعراضات بشكل مسرحي كامل، مصرًا على لعب دور الشاب الصغير المراهق،  كأنه إصرار على هزيمة المرض، أو على الأقل عقد اتفاق ضمني معه، بأن يُمهله فترة ليقدّم كل ما يمكنه تقديمه، كرائعته الختامية «قارئة الفنجان».

على ذكر عدم الاستسلام للظروف الصحية، والاشتباك مع الماضي، لدينا مثال حديث، وهو جورج وسوف، الذي اشتبك في السنوات الأخيرة مع بداياته الفنية ونجاحاته، كأنه يريد أن يقول: «هذا أنا جورج وسوف، هل تتذكروا هذه الأغاني؟» في حفلة أعياد بيروت 2014  مثلًا، التي يمكن اعتبارها حفلة الوداع رغم أنها ليست الأخيرة، أصرّ على الغناء ومواجهة المرض وشبح النهاية.

غَنّى وسوف بكل قوة وحماس، وعاد للأغاني القديمة والعلامات في مشواره الفني، بجانب تأديته لأغان فولكلورية مثل «قدٌك المياس». وفي ألبومه القادم المنتظر صدوره آخر هذا العام، يحاول وسوف الرجوع للماضي، بإعادة تقديم أغنية «معالم الطريق» والتي صرح أنّها معه منذ ما يقارب 25 عامًا، والتي غنتها المطربة نورا رحال عام 2000، وهي من ألحان شاكر الموجي، أحد أهم المساهمين في تكوين شخصية جورج وسوف في بداية مسيرته الفنية.

عبد الوهاب: الإدراك الدقيق لنقاط القوة والضعف

أما موسيقار الأجيال، فكانت له طريقته الفريدة في إطالة عمره الفني، حيث قرر في أوائل الستينيات اعتزال الغناء، بعد أن شعر أن صوته فقد جزءًا من بريقه، فاكتفى بما قدمه، واستند بكل ذكاء على كنز التلحين، كأنه قال لنفسه: «نعم سأعتزل الغناء، لكنني سألحّن وأغنّي ألحاني بكل ثقة واقتدار، وأقدم أغنية من حين لآخر». نجح عبد الوهاب لأنه كان يحترم صوته، فلم يكن هذا أول قرار اعتزال في تاريخه، فقد اعتزل في أواخر الثلاثينات الغناء في الحفلات العامة، مراهنًا على مكانة أكبر من كونه مطربًا، ليحتل قمة أكبر وأكثر اتساعًا، وليصبح بالفعل أكبر من مجرد مطرب ناجح.

اشتغل عبد الوهاب على اكتساب مساحات ونجاحات من الآخرين، دون التنازل عن قيمته ومكانته. لحّن لأم كلثوم، والتي تنازلت بدورها عن مساحة من نجاحها لعبد الوهاب وبليغ، كي تستطيع مواكبة الجيل الجديد والموسيقى الجديدة. كما كان عبد الوهاب منتجا وملحنًا وداعمًا وشريكًا لعبد الحليم حافظ، ومن أهم أسباب نجاحه جماهيريًا، فاستفاد الاثنان من هذا التعاون، وخرج الكل منتصرًا.

بخلاف كِبار الساحة، كانت هناك بعض المحاولات الناجحة لآخرين التزموا فيها ببعض معايير البقاء، فنالوا حظًا من النجاح. على سبيل المثال، حجزت فايزة أحمد مكانًا لنفسها، بالتركيز على الأغاني القصيرة في الأفلام والابتعاد بقدر استطاعتها عن الشكل الكلثومي للأغنية، أما محمد قنديل وعبد العزيز محمود فقد ضمنا مساحة خاصة بهما بتوجههما للراديو والشكل الشعبي من الأغنية.

من المطربين الأحدث، لدينا مدحت صالح الذي لا ينجح إلا لدى الاشتباك مع الأغاني القديمة، مستغلًا مساحات صوته، ويخسر خارج هذا النهج، مثلما حدث مع ألبومه الأخير. كما نجد على الحجار على الناحية الأخرى، الذي حاول تحصين فنه ونجاحه بعيدًا عن الشكل التجاري، فقرر الاشتباك مع جمهور موسيقى الأندر جراوند بتقديم حفلات في الأماكن المعروفة بتقديم هذا النوع من الموسيقى.

محمد منير.. تذَبذُب كبير وقِلّة وعي بالذات

كانت هذه بعض المحاولات للبقاء على الساحة، نجح بعضها بدرجات متفاوتة، ولكن حالة الإخفاق الأكبر كانت من نصيب محمد منير.

كان محمد منير هو المنافس الأقوى لعمرو دياب، لكن لأنه يقدم لونًا مختلفًا تمامًا، كان الصراع على عرش التاريخ والخلود صعبًا على كليهما؛ من ينجح في مد فترة صلاحيته الفنية وزيادة رقعته الجماهيرية؟ أطال دياب عُمره الفني بالحفاظ على صورة الماضي، أما منير فوقف حائرًا بين تاريخه ومشواره القديم وبين متطلبات مواكبة الزمن، فلم يُقدّم ما يرضي جمهوره ولا ما يؤهله لتوسيع مساحة جماهيريته. كانت أغاني منير مُحمَّلة بالكثير من الأحمال السياسية والثورية والتحريضية، وعندما حاول الخروج من هذا الأسْر تاه وسط الجموع.

اشتهر منير باشتباكه مع الدولة من موقع الثورة والمعارضة، لكنّه لم يكن مسيسًا بشكل صريح مثل عبد الحليم الذي دُشّن بوصفه «مطرب الثورة والدولة»، كما لم يكن أيضًا وطنيًا معارِضًا بوضوح مثل محمد حمام مثلًا

ورغم أن منير لا يزال يحاول، و لا يزال يبحث عن أي طريقة للاشتباك مع الجديد، لكن محاولاته تأتي عشوائية وغير مدروسة، ما يجعل مظهره كمن يتسول النجاح بشكل غير لائق، فيظهر مع عمرو دياب في أغنية القاهرة، كضيف شرف وليس كمطرب يقف ندًا لمنافسه. من غنّى قبل أكثر من ثلاثين عامًا «إيه يا بلاد يا غريبة، عدوة ولا حبيبة»، تنازَلَ عن شكله وأسلوبه، وغنّى كما يغني عمرو الذي نجح في الاستفادة من جمهور منير على عكس الأخير الذي خيّب آمال جمهوره.

أصبح منير مطربًا بلا هوية واضحة، وتجلى ذلك في تعاونه في أغنيته الجديدة، مع السنغالي يوسو ندور والألماني عادل طويل، حيثُ تجرّد تمامًا من لونه المعهود. كما لم يفلح عندما حاول استثمار ماضيه، عبر إعادة طرح أغانيه القديمة والشهيرة ولكن بتوزيعات جديدة؛ فالتوزيع الجديد لأغنية «في عينيكي غُربة وغَرابة» مثلًا لم يرْقَ في عيون جمهوره لمستوى التوزيع القديم، ليخسر بذلك كل محاولات مواكبة الجديد.

من ناحية أخرى، اشتهر منير باشتباكه مع الدولة من موقع الثورة والمعارضة، لكنّه لم يكن مسيسًا بشكل صريح مثل عبد الحليم الذي دُشّن بوصفه «مطرب الثورة والدولة»، والذي قدَّم الكثير من الأغاني الوطنية من منظور الدولة مثل أغنية «عدى النهار». كما لم يكن منير أيضًا وطنيًا معارِضًا بوضوح مثل محمد حمام مثلًا. كانت معارضة منير خفية غير مزعجة وحازت على قبول الدولة، وبعد الثورة فقد منير جزءًا كبير من هذا الاشتباك، وفقد جزءًا كبير من جمهوره.

كانت هذه نظرة سريعة لبعض محاولات البقاء على الساحة والخلود في تاريخ الموسيقى. حدث بعضها بوعي كامل من الفنان بشخصيته وهويته، والبعض الآخر بذكائه في تطوير نفسه ومواكبة عصره بجانب حفاظه على مشواره الفني.

كانت تلك مقامرات غير مضمونة النتائج، ولكن على الفنان أن يغامر، وأن يكون على إستعداد لمواجهة الخسارة، واضعًا في ذهنه خطة بديلة، تُمكِّنه من مَدِّ فترة صلاحيته لأطول وقت، حتى لا يُفاجأ بالجموع وهي تنفر من حوله، والأنوار تُطفأ والستائر تُسدل عليه.

اعلان