شكري في السودان للتهدئة والتحذير
 
 

مؤشر جديد على عمق الأزمة التي تعاني منها العلاقات المصرية السودانية منذ فترة، ظهر مع ترتيبات زيارة وزير الخارجية، سامح شكري، للخرطوم غدا الأربعاء، حيث يترأس الوفد المصري في اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين، المنوط بها بحث العلاقات المشتركة وقضايا الخلاف التي أخذت في التصاعد خلال الفترة الماضية، وتأتي على رأسها قضيتا النزاع حول السيادة على مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، إلى جانب ملف سد النهضة الإثيوبي.

تأجل موعد زيارة شكري، التي كان من المفترض أن تحدث في 22 يوليو الماضي، عدة مرات. كانت وكالة أنباء الشرق الأوسط قد نقلت في 26 يوليو الماضي عن وزير الخارجية السوداني، الدكتور إبراهيم غندور، أن اجتماعات اللجنة الوزارية المصرية السودانية المشتركة، سوف تعقد يوم أمس، الإثنين، الموافق 31 من يوليو، بالخرطوم، ويرأس فيها شكري الجانب المصري.

من جانبه، نفى المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، في مداخلة تليفزيونية صحة تصريحات الوزير السوداني قائلاً: «الموعد لم يكن مقررًا له يوم 31 يوليو»، موضحًا أن «الموعد الأساسي هو الأول من أغسطس»، وهو الموعد الذي تم تأجيله هو الآخر بسبب «بعض الارتباطات الطارئة التي ظهرت على جدول أعمال السيد وزير الخارجية»، وأنه جاري التشاور مع الغندور لتحديد موعد آخر، بحسب أبوزيد،  قبل أن تعلن الخارجية السودانية، أمس، أن موعد الزيارة تحدد غدًا الأربعاء.

مرة أخرى.. سد النهضة

جاءت التأجيلات المتتالية على خلفية فصل جديد من التوتر بين البلدين حول ملف حصة مصر من مياه النيل إثر تصريحات أدلى بها أحمد بلال، وزير الإعلام السوداني، أثناء وجوده في القاهرة للمشاركة في اجتماع وزراء الإعلام العرب، في 10 يوليو الماضي، أعرب خلالها عن تضامن السودان مع المطالبات المصرية المتعلقة بحصة المياه من نهر النيل. وهي التصريحات التي عرضت بلال لتوبيخ رسمي في الخرطوم، بحسب مصدر بالخارجية المصرية، لأنها بدت بعيدة عن موقف السودان الداعم في الأغلب لموقف إثيوبيا وعدد غير قليل من دول حوض النيل بتقليص الحصة التاريخية لمصر، وهو التوبيخ الذي أثار استياء القاهرة بشدة خاصة أنه تجاوز الدوائر الرسمية للدوائر الإعلامية.

كانت القاهرة قد حصلت مؤخرًا على معلومات حول إجراء إثيوبيا والسودان نقاشًا بشأن حزمة من المشروعات المائية التي سيجري تنفيذها في السودان، والتي ستساهم على المدى الطويل في تقليل جودة المياه التي تصل إلى مصر.

ويقول دبلوماسي مصري رفيع المستوى يعمل بالقاهرة لـ «مدى مصر» إن زيارة شكري للسودان تهدف إلى تحييد الخرطوم في الخلاف الدائر حاليًا بين القاهرة وأديس أبابا «ومعظم دول حوض النيل»، بما يخفف من الضغوط التي تواجهها مصر من إثيوبيا وبقية دول منبع النيل بشأن ملف سد النهضة.

وأضاف: «القاهرة لا يمكن أن تتجاوز ما حدث في الاجتماع الأخير لدول حوض النيل، والذي استضافته أوغندا في شهر يونيو عندما توافقت السودان مع دول الحوض في رفض المقترح المصري باستضافة القمة القادمة لدول حوض النيل». كما لا يمكن أن تتجاوز مصر عن استمرار السودان في إبداء «مواقف هجومية» ضدها في اجتماعات وزراء الري للدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) المعنيين باتفاق الخرطوم حول سد النهضة، حسبما أوضح الدبلوماسي المصري، الذي أضاف: «بما يصل لاتهام القاهرة (من جانب السودان) أنها لا تسعى للوصول لحل فني للمشكلة وإنما تسعى فقط لإبداء الرفض إزاء الوضع».

كانت القاهرة قد حصلت مؤخرًا على معلومات حول إجراء إثيوبيا والسودان نقاشًا بشأن حزمة من المشروعات المائية التي سيجري تنفيذها في السودان، والتي ستساهم على المدى الطويل في تقليل جودة المياه التي تصل إلى مصر.

صراع الحدود

يهدف شكري أيضًا خلال مشاوراته مع الغندور، غدًا، بحسب المصدر بالخارجية، إلى إيصال «رسالة حاسمة» إلى الخرطوم بأن مصر ستقف بقوة ضد أي محاولات لتدويل ملف السيادة على المثلث الحدودي الجنوبي، والذي يضم حلايب وشلاتين وأبو رماد.

كانت الحكومة المصرية برئاسة شريف إسماعيل قد أعلنت عن نيتها اتخاذ خطوات للتأكيد على مصرية المثلث الحدودي سواء من خلال نشاطات تنموية مثل توسيع حجم التواجد السكاني المصري به أو زيادة التحركات الأمنية عبر تواجد المزيد من الدوريات الأمنية هناك.

فيما قال مصدر آخر في الخارجية المصرية لـ «مدى مصر» إن القاهرة سيكون عليها إبداء رسالة واضحة للخرطوم حول ضرورة وقف ما وصفه بـ «الخروقات السيادية» التي تقوم بها القوات السودانية داخل مثلث حلايب. وذلك مع التأكيد على أن مصر لن تقف ساكنة أمام أي تحركات دبلوماسية تقوم بها السودان، بما في ذلك تحركات قد بدأت بالفعل بالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي حول سودانية حلايب وشلاتين وأبو رماد. وأضاف المصدر: «نحن لن نقف في وضعية المتفرج ونحن نرصد بدقة ما تقوم به السودان».

فيما قال دبلوماسي سوداني رفيع المستوى يعمل بالقاهرة، لـ «مدى مصر»، إن «السودان لا تريد اختلاق مشاكل مع مصر فيما يخص حلايب وشلاتين، ونحن لدينا ما يؤكد سودانية هذه المنطقة وإذا سألتم الأهالي بها سيقولون أنهم سودانيون. وعلى كل حال نحن مستعدون للذهاب للتحكيم الدولي وسنقبل بما تأتي به نتائج هذا التحكيم، ولكن مصر هي التي ترفض، بل تسعى لبسط سيطرتها علي المنطقة في إطار فرض أمر واقع».

من المتوقع أن يثير شكري ملفات خلافية أخرى تشمل ضبط الحدود في مثلث التقاطع السوداني-المصري-الليبي بما يحول دون «أي تدفق لمسلحين من ليبيا إلى مصر عبر الحدود السودانية المشتركة»

في هذا السياق، يقول مصدر حكومي مصري ذو صلة بالملف، إن الرسالة التي بعثت بها الحكومة السودانية لإحدى الإدارات القانونية بالأمم المتحدة تطالب فيها القاهرة بقبول بدء إجراءات التحكيم الدولي حول المثلث الحدودي، لها تأويل سياسي واضح مفاده أن السودان ستتحرك بخطي متصاعدة إزاء هذا الملف، لافتًا إلى أن هذه الخطوة تأتي تالية لخطوات أخرى قامت بها السودان في هذا الشأن سواء من خلال الاعتراض لدى الأمم المتحدة على الحدود المصرية أو من خلال إرسال أفراد من الشرطة السودانية للقيام بمهام تفتيش داخل المثلث أو من خلال الحديث الحكومي عن سودانية المثلث.

المصدر نفسه أقر أن ملف حلايب وشلاتين سيكون على مائدة «حديث وليس تفاوض» خلال المشاورات السياسية التي ستجري بين مصر والسودان على المستوى الوزاري في الخرطوم غدًا، بناء على مطلب سوداني.

وأوضح المصدر أن وضع الأمر على طاولة الحوار يعني أن شكري سيستمع لما لدى الجانب السوداني في هذا الشأن، لكن الموقف المصري الثابت هو أن القاهرة لن تتنازل بأي حال عن حلايب وشلاتين، مؤكدًا على أن الأمر محسوم بالنسبة لمصر، وتم إبلاغ السودان بذلك مرارًا خلال عهدي الرئيسين الأسبقين حسني مبارك ومحمد مرسي، حيث أُبلغت الخرطوم أنه لا يمكن مناقشة إعادة النظر في الحدود، لكن يمكن إرساء تعاون ثنائي في إطار اتفاق الحريات الأربع، وهو ما لم يتم علي أي حال، بحسب المصدر، مضيفًا أن القاهرة أكدت في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، الموقعة في أبريل 2016، أن حدود جمهورية مصر العربية تقع عند خط عرض 22، بما يعني شمولها المثلث الحدودي.

في المقابل، أكد أحد المصادر السودانية الذي تحدث مع «مدى مصر» أن الاتفاقية الثنائية بين مصر والسعودية غير ملزمة للخرطوم؛ مضيفًا أن السودان «واثق أنه يستطيع الحصول على حلايب وشلاتين من خلال التحكيم الدولي، حتى لو استغرق الأمر وقتا طويلًا»؛ مشيرًا إلى أن هناك توافق واسع حول هذا الأمر في أروقة الخرطوم، ليس فقط بين قطاعات الحكم، ولكن حتى بين الحكم والمعارضة.

في سياق متصل، يتوقع مصدر بالخارجية المصرية أن يثير شكري ملفات خلافية أخرى تشمل ضبط الحدود في مثلث التقاطع السوداني-المصري-الليبي بما يحول دون «أي تدفق لمسلحين من ليبيا إلى مصر عبر الحدود السودانية المشتركة».

اتهامات سودانية

يعلم شكري أن الغندور سيقوم بدوره بإثارة عدد غير قليل من أسباب الاستياء السوداني الذي أصبح متحررًا، بسبب ما يوصف بسعي مصر إلى تهميش المصالح السودانية لصالح مصر، بحسب الدبلوماسي السوداني في القاهرة، الذي يتوقع أن يكون أول الملفات التي يثيرها وزير الخارجية السوداني مع نظيره المصري، اتهامات الخرطوم للقاهرة بالتدخل المباشر في شؤونه.

كان الغندور قد أثار مسألة التدخلات المصرية في الشأن السوداني الداخلي خلال زيارة قام بها إلى القاهرة، في الأسبوع الأول من شهر يونيو الماضي، واستقبله خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

دبلوماسية مصرية: مصر تحركت في الأمم المتحدة ضد رفع العقوبات عن السودان بدعوى إيواء ودعم إرهابيين.

وتتهم السودان مصر بالتدخل بشكل مباشر في المناطق التي تشهد توترات مع حكومة الخرطوم. وأوضح الدبلوماسي السوداني أن هذا التدخل يتمثل في سعي مصر لتحريك جوبا ضد الخرطوم في إطار «مسعى -نحزن له- لتأجّيج وإثارة مشاكل للسودان بغية الضغط عليها»، مضيفًا أن الغندور قدم للقاهرة خلال زيارة يونيو «أدلة لا يمكن التشكيك بها» حول مختلف أشكال التدخل في الشأن السوداني الداخلي.

وكانت هذه الزيارة قد جاءت بعد إعلان السودان عن وجود تدخل مصري في الأراضي السودانية، وهو الأمر الذي رفضته مصر بشكل قاطع عبر تصريحات سريعة ومباشرة أدلى بها السيسي، نهاية شهر مايو الماضي، قال خلالها إن مصر تدير سياستها الخارجية بشرف.

من ناحية أخرى، أشارت دبلوماسية مصرية تعمل في جامعة الدول العربية إلى أن هناك «عتاب سوداني» إزاء المعاملة غير المنصفة التي يلقاها بعض الدبلوماسيين السودانيين في بعض المنظمات العربية التي تحظى مصر فيها بدور قيادي، حسب تعبيرها. وأوضحت أن ذلك يحدث سواء في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أو منظمة المرأة العربية، مضيفة أنه على الرغم من أن الأمر في الأصل خلافات إدارية، إلا أنه «لا يمكن تصور أن تكون معاملة الدبلوماسي السوداني في الجامعة أو المنظمة مماثلة لما كان سيتعرض له الدبلوماسي السعودي أو الكويتي».

وقالت الدبلوماسية إن السودان يعلم أن مصر كانت تستخدم تواجدها في مجلس الأمن لإزعاجه، وأوضحت: «مصر كانت تتحرك ضد رفع العقوبات عن السودان بدعوى إيواء ودعم إرهابيين. وهذا الأمر يجري النقاش حوله في الرياض».

فيما قال الدبلوماسي السوداني إن «هناك نقطة لا يتخذها المسؤولون المصريون في الحسبان وهي مشاعر التحفظ. لا أريد التحدث عن الكراهية والرفض إزاء مصر لأن هذا أمر مؤسف، ولكن المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي السودانية لابد أن يلمس غضبًا في أوساط الشباب السوداني إزاء مصر، وهو غضب لا يستهان به إطلاقًا». وأضاف: «علي سبيل المثال الأخوة في مصر يتهموننا بأننا لا نساندهم في الحفاظ على مصالحهم المائية، ولكنهم أيضًا ينسون أنهم لا يفكرون كثيًرا في مصالح السودان المائية والاقتصادية والاستراتيجية التي تربطها بدول حوض النيل».

واعتبر الدبلوماسي السوداني أن الوقت قد حان لوضع «صياغة جديدة لأسس العلاقات التاريخية» بين مصر والسودان، مع الأخذ في الاعتبار وجهات النظر السودانية إزاء العلاقات الثنائية والملفات الإقليمية أكثر مما سبق.  

وأضاف المصدر نفسه أن القاهرة عليها مراجعة مواقفها بجدية إزاء السودان لأن الخرطوم بكل مشاكلها لم تعد تهاب مصر ووزنها الثقافي والتاريخي كما كان الوضع سابقًا. وقال إن «القناعة التي تسيطر على القاهرة في تصوير مواقف السودان إزاء مصر بدءًا من ملف سد النهضة وصولًا إلى تطبيق المعاملة بالمثل فيما يخص الحصول على تأشيرات دخول أو تعليق استيراد السودان للمنتجات الزراعية والحيوانية من مصر؛ القناعة هي أنها أمور تأتي جراء تأثير قطر وتركيا علي صانع القرار السوداني. هذا أمر غير صحيح لأن الحليف العربي الأقوى للسودان الآن هو الرياض التي هي أيضًا أهم حلفاء القاهرة. كما أن نظام عمر البشير تربطه علاقات تعاون وثيقة بالإمارات تمثلت في اهتمام كبير من المستثمرين الإماراتيين بالسودان».

لا تتوقع المصادر الدبلوماسية التي تحدث معها «مدى مصر» حدوث تحول مباشر وسريع في ملف العلاقات مع السودان، لكنها تؤكد على حرص القاهرة على ألا تجنح العلاقات بين مصر والسودان لمزيد من التدهور.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان