جواهر السينما المصرية: «ضربة شمس»
 
 

تصعب رؤية المشهد الافتتاحي لفيلم «ضربة شمس» لمحمد خان دون التفكير في جان لوك جودار، خصوصًا فيلمه الكوميدي لعام 1961 «المرأة هي المرأة». المحيط مشابه بالتأكيد: شقة صغيرة بحوائط بيضاء، مليئة بالأغراض الغريبة، وعاشقين يافعين منهمكين في مزاح خفيف. ورغم المشاعر القوية التي يتبادلانها بوضوح، نستشعر من البداية أنهما ليسا على نفس الموجة.

المتوازيات بين خان وجودار لا تنتهي هنا. فكلاهما كانا ضمن رواد حركتين ثوريتين غيرتا صناعة السينما في مصر وفرنسا على التوالي. تأسست الواقعية الجديدة في مصر والموجة الجديدة الفرنسية على قيم فنية وجمالية مختلفة، ولكن كليهما سعى لتغيير طريقة صناعة الأفلام، وبدأ كل منهما بمجموعة من الفنانين الشباب الذين -باستجلاب رؤيتهم الفريدة للعالم في أفلامهم- نجحوا في تحقيق ذلك بالفعل.

وكما احتوى «المرأة هي المرأة» (وهو ثاني فيلم روائي لجودار، سبقه فقط بـ«حتى انقطاع النفس» في 1960) على الكثير من العناصر الأسلوبية التي رسّخت فيما بعد للتأثير الباقي لمخرجه على تاريخ السينما، ففي «ضربة شمس»، فيلم خان الروائي الأول، تمكننا رؤية الملامح المميِّزة، التي أكسبت أعماله اللاحقة مكانتها الفذّة في السينما المصرية، وهي تظهر وتبدأ في التبلور.

يمتد الفيلم ليعرض بضعة أيام في حياة شمس (نور الشريف)، وهو مصور يعمل بجريدة، ولكنه، مدفوعًا بشغفه للصور الفوتوغرافية وكل ما يمكنها الكشف عنه، بالإضافة لفضول يكاد يكون طفولي، كثيرًا ما ينحرف عن مساره، ليجد في صوره قصصًا أعمق من تلك التي يُكَلَّف بتغطيتها. توقعه تلك النزعة المغامِرة مع حبيبته سلوى (نورا) في المشاكل، وتبدأ في تحريك أحداث الفيلم، حين تصير صورة يلتقطها شمس في حفل زفاف، دليلًا يقوده لجماعة من المجرمين تهرّب الآثار خارج البلد. هنا ندرك أننا لا نشاهد فيلمًا رومانسيًا منطلقًا على نسق «المرأة هي المرأة»، وأنه في واقع الأمر فيلم حركة تشويقي.

رغم أن خان لم يصبح أبدًا أستاذًا في هذا النوع بالذات، وأن الفيلم -الذي كتبه فايز غالي- يعد ناقصًا في كثير من الأحيان، تحديدًا فيما يخص التصوير المسطّح لشخصياته «الشريرة» ومطاردات السيارات ومشاهد العراك فقيرة التنفيذ، إلا أن «ضربة شمس» يعد إنجازًا مهمًا لأكثر من سبب.

فإلى جانب فيلم «العوامة 70» (1982) لخيري بشارة، يشار لـ«ضربة شمس»، باعتباره العمل الذي أطلق موجة «الواقعية الجديدة». كما أنه يعد البداية الحقيقية لإحدى أكثر الشراكات الفنية ثراء وعطاء في مصر، وهي الشراكة السينمائية بين خان ومدير التصوير سعيد شيمي. ورغم أن صداقة عمر جمعتهما وأدت لتعاونهما سابقًا في فيلم خان القصير «البطيخة» عام 1972، إلا أن «ضربة شمس» كان أول تجربة يقدمان فيها أهم خصال الواقعية الجديدة على نطاق واسع، فقد صوّرا جميع المشاهد الخارجية -وهي تمثّل غالبية مشاهد الفيلم- في مواقع حقيقية، ولأول مرة تكون القاهرة، في كامل ارتباكها المُهلِك، المسرح الذي تنفرج عليه الأحداث؛ نرى الشخصيات تتنقل من حي مألوف إلى آخر عبر شوارع مكتظة وجسور قديمة وطرق سريعة مقفرة وكباري علوية عملاقة.

كما أنه من الآمن النظر لشمس باعتباره أول متمردي خان، الأبطال قليلي الحظ وغير التقليديين الذين نجدهم في قلب أفلامه، ويعلقون في ذاكرتنا لعيوبهم وفشلهم أكثر من أي شيء آخر. في البداية، يكون اهتمام شمس بعصابة المهرّبين مدفوعًا بالفضول فقط، وربما بالرغبة في الحصول على سبق صحفي. ولكن حين يطلق أحد أفراد العصابة النار على زميله فتحي (فاروق فلوكس)، متسببًا في موته، يتحول الأمر إلى مسعى شخصي نحو العدالة. يرفض شمس الاعتماد على جهود الشرطة أو حتى التعاون معها، رغم أن صديقه المقرب مراد (حسين الشربيني) هو المحقق الرئيسي في القضية.

وبينما مراد شخص خيّر بالمعنى الكلاسيكي؛ شجاع، ذو ضمير حي وحس حذر، فشمس بعيد جدًا عن الكمال؛ مندفع، عديم التركيز، مغرور، ولكن نزيه. ينصدم حين يكتشف أن مراد أرسله إلى حفل الزفاف في البداية عن قصد لأنه كان يعلم أن بعض أفراد العصابة سيكونون هناك، وكان في حاجة إلى عين شمس الرهيفة تجاه التفاصيل الخفية. كذب صديقه عليه، واضعًا الواجب قبل الولاء، وهو بالنسبة لشمس أمر لا يغتفر. ولذا فبعد مواجهتهما الأخيرة، حين نرى شمس مصابًا ومرهقًا، يسير بتثاقل مع سلوى على كوبري المشاة الممتد فوق ميدان التحرير في طريقهما إلى البيت، لا نشعر بالانتصار، بل بهزيمة محرِّرة. شمس منكسر، ولكنه فعل الصواب.

يتشابه في ذلك الكثير من أبطال خان اللاحقون. حين تُسرَق كل ممتلكات هند وكاميليا (1988)، ينتهي بهما الأمر يضحكان؛ فلا يزال لديهما جمال البحر وابنتهما أحلام. وحتى وهي تنتحر وتقتل في آن واحد، تحظى نوال في «موعد على العشاء» (1981) براحة هادئة مصدرها أنها فعلت ما يجب عليها فعله؛ حرّرت نفسها. في «الحريف» (1983)، عندما يسجل فارس هدفه اللاهث الأخير، يعلن في استسلام: «زمن اللعب راح. » وتستجمع منى، زوجة الرجل المهم (1987)، الجرأة اللازمة لتركه، فقط لتجلب معها مأساة مدوية. والرقصة الموعودة، والسعيدة والواثِقة، لهيام في «فتاة المصنع» (2014)، تنبع في واقع الأمر من ألم عميق.

تأسرنا تلك الشخصيات المحبَطة؛ ففي المساحة الرمادية التي زرعها خان فيها وتركها لتنمو، يوجد فيض من الألوان وعدد هائل من الاحتمالات. كثيرًا ما تكون مكاسبهم هي خسائرهم، وتتشابك انتصاراتهم مع هزائمهم في وثاق دائم. لا توجد مطلَقات، بل تعقيد، كالمدينة التي نقلها إلى الشاشة في شغف، يفرض نفسه، ويحيّر، ويبقى.

تلك هي تركة محمد خان، وقد بدأت بـ«ضربة شمس».

____________

ترجمة: ياسمين زهدي

اعلان
 
 
ياسمين زهدي