النص المقدس بين الدستور الأمريكي والخطاب الديني في مصر

داخل متحف الأرشيف الوطني في العاصمة الأمريكية واشنطن، وفي غرفة دائرية محمية بأنظمة أمن نرى مثلها في أفلام توم كروز، وتحت زجاج مضاد للرصاص وعازل للرطوبة وكاشف للتغيرات في درجة الحرارة، توجد  ورقة مكتوبة فيها أربعة آلاف كلمة محاطة بكادرات برونزية، تُعرض للزوار صباحًا، وتُحفظ في خزانة مضادة للقنابل ليلًا، صنعتها الشركة التي صمّمت خزانة في هيروشيما لم تدمرها القنبلة الذرية سنة 1945.

تبدأ هذه الورقة بعبارة «نحن الشعب».

النص المقدس

نجم مهرجان القداسة هذا هو أقدم وثيقة دستورية نافذة في العالم، «الدستور الأمريكي» الذي ينص على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين وينظّم السلطات الفيدرالية وسلطات الولايات المختلفة، العقد الاجتماعي الذي كرّس استقلال الولايات الأمريكية عن بريطانيا بعد تدخل العناية الإلهية، بحد تعبير جورج واشنطن.

We The People

تزيد من هذه الهالة الإجراءات شبه الكافكاوية اللازمة لتعديل الدستور، حيث تلزم موافقة ثلثي أعضاء كل من مجلسي النواب والشيوخ في مرحلة أولى، وبعدها ثلاثة أرباع الولايات في مرحلة ثانية. ولذلك، فمن ضمن 11600 تعديلًا اقتُرحوا عبر التاريخ، لم يُوافَق إلا على 33 منها فقط. نظرًا لما سبق، يُعد الدستور الأمريكي نصًا مقدسًا لدولة علمانية (إذا كان الشك لا يزال يساورك، شاهد القراءة الشعائرية للدستور بالكامل لأول مرة في تاريخ مجلس النواب الأمريكي في 2011).

في رأيي المتواضع، لعبت الثقافة البروتستانتية دورًا كبيرًا في ذلك. وفقًا للاهوت العهود، فإن العلاقة مع الرب أفقية وليست رأسية، عقدية غير خضوعية، كما كان العهد الذي قطعته الـ13 ولاية في الدستور لتأسيس أمريكا. ونستدرك هنا بالقول إن مفهوم العلمانية الأمريكية لا يطابق المفهوم الفرنسي الشرس، حيث الدولة تُخرج الدين تمامًا من المجال العام (هناك مصطلحان في الفرنسية يعبران عن مفهومين مختلفين للعلمانية، sécularisation et laicité )، بل على حد تعبير المفكر الفرنسي أوليفيه روا، فالعلمانية الأمريكية علمانية مجتمعية أخرجت الدين تدريجيًا من المجال العام، دون أن ترفض التدين.

In God We Trust

على ورقة الدولار تُكتب جملة «نثق في الله.. In god we trust»، وتُصرف من هذا الدولار المقدس عدة مليارات على التبشير والقنوات الدينية، كما أن كل الرؤساء يذكرون الرب في غزواتهم الإعلامية، ومنهم من ادعى اصلا أن الإله كلّمه مباشرة، مثل جورج بوش في حربه وائتلافه المقدسين. على العكس من هذا، فقد غيّرت فرنسا دساتيرها أكثر مما غيّرت  ملامح ماريان، التمثال الذي يرمز للحرية والديمقراطية والذي أخذ شكل سيدات شهيرات، مثل بريجيت باردو في 1968، لكن الثابت المقدس غير المتغير في فرنسا هو “العلمانية في مواجهة الدين”.

في فرنسا الدولة هي موسى والعلمانية هي التوراة.

المحكمة التي تطبق النص المقدس

تحمي النص الدستوري المقدس المحكمةُ الفيدراليةُ العليا، وهي محكمة سياسية بامتياز، مهمتها تفسير المبادئ الدستورية، وبالتالي الفصل في قضايا عامة ومصيرية تتعلق بحرية التعبير والإجهاض وعقوبة الإعدام مثلًا، ويعتمد موقفها بالدرجة الأولى على توجهات القضاة الجالسين على المنصة، لدرجة أن المحكمة تُسمَّى باسم رئيسها في المقالات العلمية، للدلالة على توجهاتها، على غرار «محكمة إيرل وارين التقدمية»، أو «محكمة روبرتس المحافظة»، فيما يشبه تسميات المذاهب السنية الأربعة في الإسلام.

سياسة المحكمة متشددة جدًا في قبول القضايا، ولا تناقش المحكمة بالفعل إلا نسبة 1.1% من القضايا المرفوعة إليها، ما يضيف بالطبع لصفة «القداسة» المحيطة بالعملية الدستورية.

القاضي الجالس في المحكمة التي تطبق النص المقدس

عدد قضاة المحكمة الدستورية تسعة. يعملون مدى الحياة، ويقسمون على الإنجيل في مراسم رسمية (انظر مفهوم العلمانية الأمريكية أعلاه)، ويأخذون قراراتهم بالأغلبية. كنت قد استنتجت في آخر مقال لي في «مدى مصر»، أن القاضي ليس culture proof ، بمعنى أنه غير منفصل عن المكون الثقافي السائد في المجتمع، ومن هنا يمكننا فهم المشاكل التي وقعت في أمريكا بخصوص تعيين القاضي التاسع للمحكمة العليا، بعد وفاة القاضي المحافظ أنطونين سكاليا.

توجد رؤية في الفقه الإسلامي، وبمفادها فكلما اقتربنا من عصر الرسالة وعاصرنا النبوة، كانت الحقبة الزمنية أفضل، ولذلك يُصنَّف الزمن إلى «عصر وحي» ثم «صحابة وتابعين وتابعي التابعين»

في 2016، كان باراك أوباما قد اختار ميريك جارلاند صاحب الميول الليبرالية ليأخذ مكان سكاليا، ولكن الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ رفضت تسمية جارلاند، وقالت لأوباما إنه يقضي آخر سنة له في الرئاسة، وبالتالي يتعين عليه ترك الاختيار للرئيس القادم. السبب الرسمي للرفض كان الحفاظ على القرار الديمقراطي للشعب والتقاليد المتبعة في هذه المسائل (رغم قيام ريجان في 1988 بنفس الأمر)، لكن السبب الفعلي كان الخوف من تغيير أغلبية المحكمة من خمسة محافظين لخمسة ليبراليين، وتأثير هذا التغيير على القضايا العامة الأساسية مثل الإجهاض وعقوبة الاعدام.

فاز في الانتخابات الرئاسية دونالد ترامب، والذي اختار القاضي نيل جورستش في المحكمة العليا، ووافقت الأغلبية فورًا لأن أثر التعيين الأساسي سيكون الحفاظ على الاتجاه المحافظ للمحكمة العليا. وصف جورستش منهجه  بأنه «أصولي.. originalist» في تفسير الدستور، وسكاليا أيضًا كان أصوليًا، فما هي الأصولية؟

منهج القاضي الجالس في المحكمة التي تطبق النص المقدس

لشرح الأصولية في تفسير الدستور الأمريكي، نحتاج إلى استعارة مفهوم المفكر محمد عابد الجابري عن رؤية العالم وارتباطها بالمنهج العلمي. فكرة الجابري ببساطة، والمشار إليها في كتابه «بنية العقل العربي»، هي أن نظرة المرء للعالم وعلاقته به تحددان طريقة تعامله مع النص.

بدون الدخول في جدل «البيضة أم الدجاجة»، ومن أسبق «الرؤية أم المنهج»، أطرح مثالًا لتقريب المسألة: توجد رؤية في الفقه الإسلامي، وبمفادها فكلما اقتربنا من عصر الرسالة وعاصرنا النبوة، كانت الحقبة الزمنية أفضل، ولذلك يُصنَّف الزمن إلى «عصر وحي» ثم «صحابة وتابعين وتابعي التابعين»، بمعنى أننا، ووفقًا لحديث للبخاري، فكلما ابتعدنا عن مركز الوحي زمنيًا كان العصر أقل خيرًا. أنتجت هذه الرؤية للعالم منهجًا محددًا في تناول وتفسير النص القرآني أو السني، وأصبح إجماع الصحابة، أو حتى رأي الصحابي المنفرد، مصدرًا في استنتاج الأحكام الشرعية. هذه ببساطة رؤية معينة للزمن تنتج منهجًا محددًا يتمسك بمفهوم «السلف الصالح».

طبقًا لرؤية المدرسة الأصولية للزمن، فلابد لتفسير الدستور من احترام القصد الأصلي للآباء المؤسسين، بمعنى أن يحكم القرنُ الثامن عشر فهمَنا للحاضر، وللمستقبل أيضًا

«عصر الوحي الأمريكي»، وفقًا للرؤية الأصولية، أو التي يمكن عدُّها وفق مصطلحاتنا «سلفية»، هو عصر «الآباء المؤسسين..The Founding Fathers »، المجموعة التي أعلنت انفصال الولايات الأمريكية عن التاج البريطاني ثم كتبت الدستور المؤسس للدولة المستقلة في أواخر القرن الثامن عشر. طبقًا لرؤية المدرسة الأصولية للزمن، فلابد لتفسير الدستور من احترام القصد الأصلي للآباء المؤسسين، بمعنى أن يحكم القرنُ الثامن عشر فهمَنا للحاضر، وللمستقبل أيضًا. وبالتالي يصبح دور القاضي، مثلما صرح جورستش، أن «يسعى لتطبيق القانون كما هو، وينظر للوراء لا للأمام، ويحلل النص والتاريخ لكي يفهم القانون، مثله مثل القارئ الذي كان حيًا وقت كتابة الدستور [سنة 1787]».

هذا المنهج في التفسير يقابله بالطبع منهج آخر يرى أن الدستور الأمريكي «دستور حيّ» يتنفس ويكبر ويتطور مع مرور الزمن واختلاف الظروف، وينتقد هذا المنهج التفسيري الأحكام التي طبّقت المنهج الأصولي أو السلفي.

بعد أن حلّلنا سويًا رؤية الأصوليين ومنهجهم، نعرض الآن لبضعة أمثلة على أحكام صدرت عن القضاة المختلفين:

1- في سنة 1857، رفع مواطن اسمه «دريد سكوت»، من أصول أفريقية، قضية أمام المحكمة العليا كي يطالب بحريته من العبودية. رفضت المحكمة مناقشة القضية بحجة أن سكوت ليس مواطنًا أمريكيًا أصلًا، وكان تبريرها أن «واضعي الدستور الأمريكي يعتبرون السود من درجة إنسانية أدنى، وهم في المجمل غير مهيئين للتعايش مع الجنس الأبيض في العلاقات الاجتماعية أو السياسية سواء بسواء، وهم من الدونية بمكان بحيث لا يتمتعون بأي حقوق يتعين على الرجل الأبيض احترامها». والجدير بالذكر أن هذا الحكم كان أحد أسباب قيام الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب بعدها ببضعة سنوات.

دريد سكوت وزوجته

2- انتهت الحرب الأهلية بانتصار الشمال الليبرالي، ومن أهم آثارها إصدار التعديل الرابع عشر للدستور، الذي كرّس الحرية لكل المواطنين الأمريكان، بغض النظر عن لون بشرتهم، كما وضع مبدأ المساواة أمام القانون. لكن عمر الشقي باق، فقد التفّت ولايات الجنوب على مبادئ المواطنة والمساواة وبدأت سياسة الفصل العنصري؛ لا اختلاط بين البيض والسود في المطاعم والمدارس ووسائل المواصلات وغيره.

هنا وصلنا لقصة هومر بليسي، وهو مواطن أسود رفض مغادرة مقعده في القطار لراكب أبيض، فقبضت الشرطة  عليه وحبسته، وبالتالي قرر أن يتحدى قانون عربات القطار العنصرية في ولاية لويزيانا أمام المحكمة العليا سنة 1896. ولكن المحكمة رفضت إلغاء القانون العنصري، وكان تبريرها تحفة في استخدام المنطق الأرسطي: «إذا كانت المادة 14 من الدستور تكرّس المساواة بين المواطنين، فإن الفصل بينهم لا يخالف هذا المبدأ وليس معناه سمو عرق على الآخر». قنّنت المحكمة العليا هنا مبدأ «صباح الخير يا جاري، أنت في حالك، وأنا في حالي»، أي: «separate but equal».

«الفصل بين الأطفال البيض والسود في المدارس العامة له آثار ضارة على السود بالذات، وتزداد هذه المسألة خطورة حين يكون الفصل بقوة القانون، بحيث يوسم العرق الأسود بالدونية»

3- تثير آخر قضية الانتباه بشدة، لأننا فيها أمام نفس النص، ونفس المادة 14، ونفس المحكمة التي قالت إن العنصرية شيء مقبول، لكن اختلاف الظروف والرؤية، وبالتالي المنهج، رتّب حكمًا مختلفًا. كانت حركة الحقوق المدنية الأمريكية في أوج نشاطها السياسي والقضائي في هذه الفترة، وكانت تنتقد بشدة الفصل بين الأطفال البيض والسود في المدارس العامة، الذي كان هو القاعدة.

هنا وصلنا لقضية أوليفر براون ضد المجلس التعليمي سنة 1954، التي قالت المحكمة فيها، وبالاعتماد على أبحاث علمية مكّنتها من الوصول لهذه الاستنتاجات، إن «الفصل بين الأطفال البيض والسود في المدارس العامة له آثار ضارة على السود بالذات، وتزداد هذه المسألة خطورة حين يكون الفصل بقوة القانون، بحيث يوسم العرق الأسود بالدونية… والشعور بالدونية يؤثر على حماس الطفل للتعلم، بما يترتب عليه تأخر نموه العقلي والعلمي ويحرم الأطفال السود من الامتيازات التي يمكن الحصول عليها في المدارس المختلطة».

فصل عنصري

نص مقدس واحد، محكمة واحدة، ولكن رؤى ومناهج مختلفة، وأحكام مغايرة. ما علاقة هذا بتجديد الخطاب الديني في مصر؟

تجديد الخطاب الديني: مشكلة النص أم منهج التطبيق؟

هذا السؤال هو الرابط بين مصر وأمريكا، اللذين يشتركان في تقديس كل منهما لنصوص تخصه، بالإضافة لوجود منهج يفسر النصوص المقدسة وفقًا لرؤية السلف الصالح للعالم.

صحيح أن الدستور الأمريكي يتسم بأنه ليس مطلقًا ولديه قابلية نظرية للتعديل، لكن صعوبة إجراءات التعديل أضفت عليه ثباتًا وجمودًا لغويين ومعنويين على مدى 230 سنة، وبالتالي فقد كانت أهم التطورات التي حدثت في المجتمع الأمريكي نتاجًا لعملية تفسير النص، وليست نتاجًا للنص في ذاته، مثلما رأينا في قضايا العبودية وسياسات الفصل العنصري، ويضاف إليها مسائل حرية التعبير وحقوق المتهمين في القضايا الجنائية، على سبيل المثال لا الحصر.

إجابتي على هذا السؤال بصراحة، أن مشكلة الخطاب الديني في مصر ليست في النص، بل في منهج إنتاج الخطاب نفسه. وبالتالي لا تستهويني دعاوى تعطيل بعض النصوص الشرعية، أو تعديل مناهج الأزهر مثلًا بالحذف أو الإسقاط، لأني أراها مسكّنات تخفّف الألم ولا تعالج المرض، بل بالعكس، تخلق هوسًا بالممنوع وتجعله يطفو على السطح من مصادر أخرى. وكي أتناول منهج إنتاج الخطاب (أو الأحكام)، أحتاج أولًا لطرح مقدمة أرجع فيها لمفهوم الجابري عن الرؤية والمنهج، حيث نظرة المرء للعالم وعلاقته به تحددان طريقة تعامله مع النص.

لنعد لعالم العرب في الجزيرة قبل الإسلام؛ صحراء على مدِّ النظر، أفق مفتوح تتواجد فيه بين الفينة والفينة بعض النباتات أو الحيوانات أو الخيام، بحد تعبير الجابري في الكتاب المشار إليه: «السماء صافية مثل المرآة، ونجومها في الليل نقط بل ذرات، لكل منها كيانه الخاص، هو إشعاعه وحجمه وحركته وموقعه». كل شيء إذن في الصحراء متميزٌ ومنفصلٌ عن غيره.

أثّرت هذه الظروف الطبيعية والجغرافية على نظرة العربي لمفاهيم متنوعة، فرتابة الحياة في الصحراء جعلت مفهومه للزمن مثلًا قائمًا على وقوع حدث ما، ومن هنا كان يسمي السنين بأسماء الأحداث الخطيرة مثل «عام الفيل» و«عام الغدر». كما أن انفصال كل شيء عن غيره دعاه لإنكار مبدأ السببية، حيث أصبحت كل الوقائع «جائزة» وليست «لازمة»، ونفس الانفصال حصر نشاطه الذهني الأساسي في تقريب الأشياء من بعضها من خلال التشبيهات. هكذا انتشر الشعر وتميز العربي فيه، لدرجة أن عنترة بن شداد كان يود تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغر محبوبته المتبسم. في عالم الصحراء كل الأشياء منفصلة، وبالتالي يصبح المنهج هو التقريب بينها من خلال التشبيهات، ولا يعود مستغرَبًا بالتالي أن يُكثر نص القرآن من استخدام طريقة التشبيه هذه «مثل الحمار يحمل أسفارًا».

رسم لعنترة ابن شداد من القرن التاسع عشر

ينعكس الأمر على منهجية إنتاج الأحكام في الشريعة الاسلامية من خلال آلية القياس، التي تقوم في أساسها على التقريب بين مسألتين لأن علتهما مشتركة، مثل قياس تحريم المخدرات على تحريم الخمر لاشتراكهما في «إذهاب العقل»؛ مسألة جديدة ليس لها حكم، ومسألة أخرى تشبهها في العلة، مذكورة في القرآن أو السنة، فنعطي الجديدة نفس حكم القديمة.

المشكلة الأساسية في القياس والإجماع هي دخولهما، من خلال رؤية للعالم لديها حنين للماضي وبدون تصريح من القرآن أو السنة، في دائرة القداسة

المشكلة في هذا المنهج أنه يأخذ صفة «المطلق» من المسألة المذكورة في النص، ويمطّها على مسألة كان يمكن تركها للنقاش المجتمعي ليحدد موقفه منها بحسب ظروف الزمان والمكان، وبالتالي يخالف هذا المنهج مبدأ الاباحة الأصلية، أو كون «عدم النص هو نص في ذاته»، بتعبير عبد الجواد ياسين في كتابه «السلطة في الاسلام». فطالما أن «الحلال بيّن والحرام بيّن»، وأن «ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا»، فلماذا نعطي سلطة للتشبيهات وللإجماع على رأي يقع أصلًا خارج النص؟

المشكلة الأساسية في القياس والإجماع هي دخولهما، من خلال رؤية للعالم لديها حنين للماضي وبدون تصريح من القرآن أو السنة، في دائرة القداسة، وبالتالي في مجال المطلق، وهذا بخصوص مسائل لم ينظمها النص المقدس، وبالتالي فكل المذاهب الإسلامية فيها مسحة منهجية سلفية.

على طريقة مربع الدروس المستفادة في نهاية كل درس للقراءة، أرى أنه لابد للنقاش حول تجديد الخطاب الديني من تناول قضايا متنوعة، من ضمنها الصناعة الفقهية لهذه الأدوات المنهجية، وبالتالي إعادة تعريف دائرتي «المطلق» و«النسبي» في الشريعة الإسلامية، بحيث يظل المطلق يُمارَس على ما هو مطلق أصلًا، ولا ينعكس على ما هو نسبي بطبيعته.

لا يمكن لأي مما سبق أن يتحقق إلا من خلال تحرير الخطاب والنقاش نفسهما من معوّقات مثل «جريمة ازدراء الأديان» وخلافه، بمعنى أن تسمح قواعد اللعبة أصلًا بالنقاش حول التجديد، وتقبل فكرة أن الناس يمكنها التعايش برؤى مختلفة للعالم، دون أن يكون الاختلاف في ذاته خطرًا وجوديًا.

اعلان
 
 
أحمد القهوجي