«أولاد الغيتو- اسمي آدم»: كيف يمكن سرد المذبحة؟
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ «الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر»، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر «مدى مصر» عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان من ليبيا، «مقتل بائع الكتب» لسعد محمد رحيم من العراق، «موت صغير» لمحمد حسن علوان من السعودية، «في غرفة العنكبوت» لمحمد عبد النبي من مصر، «السبيليات» لإسماعيل فهد إسماعيل من الكويت، و«أولاد الغيتو.. اسمي آدم»  لإلياس خوري من لبنان.

______________________________

تنطلق رواية الكاتب اللبناني إلياس خوري «أولاد الغيتو- اسمي آدم» من الإيمان باستحالة كتابة المذبحة، استحالة الإحاطة بكل تفاصيلها وأهوالها وحكاياتها التي لا تنتهي.

لذلك حين أراد آدم دنون، راوي النص وكاتبه المفترض، كتابة حكايته، كان لزامًا عليه استنطاق صمت ما بعد المذبحة ومواجهته، إعادة ترميم ثقوب ذاكرته من ذاكرة الآخرين، ومقاومة عجز اللغة عن وصف الدمار ورائحة الموت وعن الحفاظ على  فرادة مأساة كل ضحية من ضحاياها.

يعيد السرد خلق آدم تحت ظلال الأنبياء، إسماعيل ويسوع وإرميا، لأن حكاية أرض فلسطين، المولعة بتأليف حكايات الأنبياء، غير ممكنة دون هذه القداسة

يفتتح خوري الرواية بمقدمة، يخبر القارئ فيها أن الكتاب الذي بين يديه عبارة عن دفاتر، كاتبها وبطلها هو آدم دنون، ووصلت إليه عن طريق المصادفة، ثم أرسلها بعد تردد طويل إلى دار النشر. يقول أيضًا إنه التقى بدنون عدة مرات في مطعم الفلافل الذي يملكه الأخير، في نيويورك حيث يعمل خوري أستاذًا في الجامعة.

يعلم خوري من سارانغ لي، تلميذته الكورية، أن دنون مات محترقًا بدخان سيجارته، لكنه يرجح موته منتحرًا. ويقول إنه قرأ الدفاتر أكثر من ثلاث مرات، وبعد مرور سبع سنوات قرر العودة إليها ونشرها «بوصفها النص الذي تمنيت أن أكون كاتبه» بحد تعبيره؛ الجزء الثاني من «باب الشمس» الذي عجز عن كتابته.

***

شهدت الرواية العربية في السنوات الأخيرة تكرارًا لتلك اللعبة السردية، نتذكر من أهمها «معبد أنامل الحرير» للمصري إبراهيم فرغلي (2015)، «دمية النار» (2010) للجزائري بشير مفتي، و«مصابيح أورشليم» (2004) للعراقي علي بدر، حيث يدعي الكاتب عثوره على مخطوطة أو دفاتر كتبها شخص آخر ثم تركها ورحل، في تقليد قد يرجع إلى سرفانتس الذي ادعى أنه اشترى مخطوطة كتاب «دون كيخوته» من ورّاق عربي في سوق طليطلة. يذكر دنون هذه الحكاية في دفاتره ويعلق قائلًا: «ربما كان يكذب… لكن كذبه أكثر صدقًا من الصدق نفسه».

تبدأ دفاتر آدم دنون بمشروع رواية لم يكتمل؛ سيرة روائية عن الشاعر الأموي وضاح اليمن، وحكايته المذكورة في عدة كتب، منها «الأغاني»،  يصفها دنون ﺑ«حكاية أجمل عاشق في تاريخ الحب عند العرب». أحب وضاح اليمن روضة ثم أصابه ألم العشق وجنون الفراق، ولكن الأهم هو علاقته بعد ذلك بـ«أم البنين»، زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك، والتي تسببت بمقتله، حيث يكتشف الخليفة اختباء وضاح بأحد صناديق الثياب في غرفتها، فيأمر بدفن الصندوق، ويموت الشاعر دون أن يصدر صوتًا. رأى آدم في هذه القصة استعارة إنسانية عن الفلسطينيين، لأن صمت الشاعر، على طريقة أبطال غسان كنفاني في «رجال في الشمس»، هو صمت الفلسطينيين إزاء مصيرهم بعد النكبة وأهوالها.

إلياس خوري.. من صفحة الجائزة العالمية للرواية العربية

يحجم دنون عن استكمال روايته، ويبدأ في مساءلة الكتابة الرمزية وقدرتها على التعبير، لأن تحويل الوضاح إلى رمز يفقد الحكاية معناها وفرادتها.

يشرع بعدها دنون في سرد حكايته الشخصية، وتكون عليه إعادة تأليف حياته وفق الحكاية الجديدة «الحقيقية» التي فاجأه بها مأمون الأعمى، أستاذه في الصغر. قال مأمون إنه خرج من مدينة اللد بعد سقوطها، ومشي في «مسيرة الموت تحت الرصاص والشمس والعطش»، وقبل وصوله رأى طفلًا رضيعًا، تحت شجرة زيتون، مرميًا على صدر جثة أمه، فأخذه إلى «غيتو اللدّ» حيث استقر المقام بالناجين من المذبحة الكبرى، محاصرين داخل سياج من الأسلاك الشائكة، حول الحي المحيط بالمستشفى والمسجد والكنيسة.

تتبنى منال، إحدى ساكنات الغيتو، الطفل، وتدعي أنها أنجبته من زوجها حسن دنون، شهيد المقاومة. يستقر الأهالي على تسميته بـ«آدم»، أول مولود للغيتو. يقول: «آدم هو الاسم الأكثر تعبيرًا عن حقيقتي … فأنا ابن الأرض، ولا آباء لي».

تزلزل الحكاية الجديدة الحيوات السابقة لآدم دنون. لم تعد قصته اليهودية التي لفّقها عن نفسه كافية، بعد أن ترك والدته بحيفا في سن الخامسة عشر، صار يقدم نفسه كيهودي ابن ناج من «غيتو وارسو». التحق بجامعة حيفا ودرس العبرية والأدب الإسرائيلي ثم عمل صحافيًا يكتب عن الموسيقى الشرقية في صحيفة عبرية، حتى قرر في النهاية الهجرة إلى نيويورك والعمل في مطعم الفلافل.

تقشّر حكاية مأمون طبقات النسيان التي احتمى بها آدم طوال خمسين سنة، ليصير فعل الكتابة تمرينًا أخيرًا على الموت. يقول: «أنا لا أنبش الماضي بسبب حنيني إليه، أنا أكره الحنين».

نبش الماضي هو نبش حكاية غيتو اللد، المكان الذي بدأت فيه حكايته، وهو نبش في حكايات المذبحة التي وُلد مع أهوالها.

تستند حكاية آدم دنون عن غيتو ومذبحة اللدّ إلى حكايات أمه منال كما روتها له، وكتابات إسبير منير عن اللد، ودراسات ميخائيل مالومبو ووليد الخالدي، وكتب لا تُحصى عثر عليها في مكتبة نيويورك. كما رتق ذاكرته المثقوبة بحكايات الأحياء من سكان اللد الذين قابلهم وتواصل معهم.

لم تكن مذبحة اللد مضمرة بين سطور النص الروائي، لكنها تتجلى في القسم المعنون ﺑ«أيام الغيتو» لتشكل متن الحكاية، وتُنسج منه استطرادات وحكايات وذكريات أهل الغيتو؛ إيليا بطشون مأمون ومفيد شحادة وخلود وغيرهم. الغيتو جثة مدينة. نرى الصعوبات التي كادت أن تودي بهم، مثل مشكلة الماء والمؤن، والفرحة، التي تخلقت من رحم الصمت والموت، بالعثور على الأبقار والأغنام.

تتابع الرواية تفاصيل سقوط اللد. في يوليو/ تموز 1948 هاجمت القوات الإسرائيلية المدينة بعد حصارها. دخلتها قوات الهاجاناه والبَلماح وارتبكت مجازر، وقتل عشوائي وقصف من الطائرات والمدافع؛ «جثث ممزقة على حيطان جامع دهمش، أشلاء آدمية في الطرقات».

استغرق تنظيف المدينة من الجثث شهرًا كاملًا، وانتهى باللحظة الرهيبة المتمثلة في القرار الإسرائيلي بإحراق جثث اليوم الأخير

تم الطرد الشامل للسكان واللاجئين فيما عرف ﺑ«مسيرة الموت»؛ أكثر من خمسين ألف إنسانًا وجدوا أنفسهم يتدافعون في مسيرة أمرت بها القوات الإسرائيلية، في الوعر والعطش وتحت الشمس الحارقة والذباب الأزرق. لم يصل منهم إلى الغيتو سوى عدد يقل عن الألف.

أما «حكاية الحكايات»، كما يسميها دنون، فهي حكاية مجموعات العمل المكلفة من قبل الجيش الإسرائيلي بجمع ولمّ الجثث ودفنها. قبل نهاية الرواية، يروي الكهل السبعيني مراد العلمي، أحد المشاركين في جمع الجثث المتفسخة تحت شمس الموت، في سبعة مشاهد قصيرة، الفظائع والأهوال وضياع الملامح الإنسانية ورائحة الموت، ومنعهم من البكاء. استغرق تنظيف المدينة من الجثث شهرًا كاملًا، وانتهى باللحظة الرهيبة المتمثلة في القرار الإسرائيلي بإحراق جثث اليوم الأخير. ما رواه العلمي هو إعادة خلق لمجموعات «السوندركوماندو»، وهم اليهود الذين أجبرهم النازيون على التخلص من جثث ضحايا غرف الغاز في معسكرات الإبادة ورماد ما بعد المحرقة، كما شاهدنا مؤخرًا في فيلم «ابن شاؤول» ( 2015) للمخرج المجري لازلو نمسز.

***

«أولاد الغيتو- اسمي آدم» هي رواية شارحة، أي تستوعب المنظور النقدي في العملية الروائية ذاتها، وتنطلق من مساءلة عملية الكتابة الأدبية نفسها وأساليبها المختلفة في الكشف عن «الشرط الإنساني». تقوم البنية الروائية على الكتابة عن الكتابة أو الرواية داخل الرواية. لا تكتفي الرواية بتأمل ذاتها، وإنما تتأمل روايات «أدب النكبة» كذلك، وتشتبك مع العديد من النصوص الفلسطينية، السردية والشعرية. يصف إلياس خوري الدفاتر بأنها كتاب غير منقّح، ويخاطب القارئ: «يلاحظ القارئ أن هذه الدفاتر تتضمن نصوصًا غير مكتملة، تزاوج بين الرواية والسيرة الذاتية، وبين الواقع والتخييل، وتمزج النقد الأدبي بكتابة الأدب. لا أعرف كيف يمكنني تصنيف هذا النص من حيث الشكل أو المضمون، فهو يمزج الكتابة بكتابة تمهيدية، ويخلط السرد بالتأمل والحقيقة بالخيال، كأن الكلمات تصير مرايا للكلمات، وإلى آخره. »

يشترك الكاتب الفعلى مع الآخر المتخيل في استباق النقد وإدراجه داخل ثنايا النص. يحلل آدم دنون دلالات الحكاية ويكشف الأبعاد المجازية المضمرة. وكما يقول بورخيس، فإنه حين تصبح شخصية من شخصيات الرواية مؤلفةً للعمل الروائي الذي تتواجد فيه، فهذا يذكّرنا «بالجانب الخيالي لوجودنا الخاص». يشعر دنون بأنه شخصية في الرواية، لا في الحياة، ويستمر في عقد التناظرات والقرابات بين ذاته وشعراء وكتاب آخرين، مثل وضاح اليمن وراشد حسين ومحمود درويش وإميل حبيبي وغيرهم.

تقدّم «أولاد الغيتو» المذبحة وكأنها قيامة معكوسة؛ الأخ يترك أخاه والأب يتخلى عن ابنه، هي نهاية العالم وبدايته

يعيد السرد خلق آدم تحت ظلال الأنبياء، إسماعيل ويسوع وإرميا، لأن حكاية أرض فلسطين، المولعة بتأليف حكايات الأنبياء، غير ممكنة دون هذه القداسة. تقدّم «أولاد الغيتو» المذبحة وكأنها قيامة معكوسة؛ الأخ يترك أخاه والأب يتخلى عن ابنه، هي نهاية العالم وبدايته. أما آدم دنون فيحاول طوال الرواية خلق اللغة، كما فعل آدم الأول قبل سقوطه من الجنة، يحاول أن تبعث كلماته الحياة في الحكاية، أن تخلق العالم كما كانت قبل «السقوط». قصة اللد، كقصة الجنة، لا تسجل سقوط الإنسان وحسب، بل سقوط اللغة كذلك. يصف اللد بأنها صارت بعد ذلك مدينة أشبه ببرج بابل: «لغات ترتطم بعضها ببعض».

ومثلما كان الفلسطينيون ضحية الضحية أو «يهود اليهود»، كما يقول إدوارد سعيد، فإن رواية «أولاد الغيتو» هي كتابة الكتابة في سرد قصصهم، هي كتابة فوق كثير من النصوص للعديد من الكتاب؛ غسان كنفاني، محمود درويش، س. يزهار، إميل حبيبي، حيث مضمون الرواية صار هو نفسه شكلها. ولا يعتبر الشرط الجمالي ترفًا لا يسعى إلى الإسقاط أو التوثيق التاريخي، وإنما يتفحص التاريخ الفوضوي الدموي في تعقيد سردي مركب، تظهر فيه حيرة خلق الإحساس بالحقيقة.

في دلالة على هذا، نذكّر بأنه قبل عدة سنوات، أقامت مجموعة من الشباب الفلسطينيين مخيم صمود فوق أراضٍ تعمل إسرائيل على تحويلها إلى مستوطنات. أطلق شباب المقاومة على المخيم اسم «باب الشمس»، تيمنًا بعنوان رواية خوري، فيما أعاد طرح أسئلة علاقة الحقيقة بالخيال والواقع بالإبداع والأدب بالتاريخ، وهي نفس الأسئلة التي تطرحها « أولاد الغيتو».

اعلان
 
 
محمد عمر جنادي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن