بعد تحليلهما لـ«تسريب سيناء».. منظمتان دوليتان تطالبان بالتحقيق في عمليات «إعدام خارج القانون»
 
 
إلى اليمين صورتان ماخوذتان عن صفحة المتحدث العسكري وإلى اليسار صور مأخوذة عن التسريب الذي نسبته "مكملين" للقوات المسلحة
 

أصدرت منظمتا «العفو الدولية» و«هيومان رايتس ووتش» بيانين أمس، الجمعة، يحويان تحليلاً للفيديو الذي أذاعته قناة «مكملين»، المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، يوم الخميس الماضي، زاعمة أنه مُسرّب من إحدى عمليات القوات المسلحة في شمال سيناء. وقارنت المنظمتان الفيديو بصور ومقطع فيديو آخر نشره المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية قرب نهاية العام الماضي. وطالبت المنظمتان السلطات المصرية بإجراء تحقيق في «وقائع القتل خارج إطار القانون» المنسوبة إلى القوات المسلحة في الفيديو، ومعاقبة المسؤولين عنها.

وأظهر الفيديو المُسرَّب عبر قناة «مكملين»، التي تبث إرسالها من تركيا، أفرادًا يرتدون زيًا مطابقًا لزي الجيش المصري، يقومون بإعدام مدنيين عُزّل ميدانيًا، بعد استجواب قصير لأحد المقتولين بواسطة شخص ملتح يرتدي الملابس العسكرية، ويتحدث بلهجة مماثلة لأهالي شمال سيناء. وعقب إعدام شخصين تم وضع سلاح بجوار كل منهما، ليتم تصويرهما لاحقًا، بحسب فيديو القناة، الذي التُقِط بواسطة كاميرا هاتف محمول.

ولم يتمكن «مدى مصر» من التأكد من صحّة الفيديو من مصادر مستقلّة، كما أنه لم تصدر أية بيانات رسمية تنفي صحته أو تثبتها حتى الآن.

كانت الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع قد نشرت مقطع فيديو في 5 نوفمبر 2016، يصور عددا من المداهمات والعمليات الأمنية ضمن عملية «حق الشهيد»، التي بدأت عقب اغتيال النائب العام هشام بركات قبل عامين. وظهرت في الفيديو صورتان لجثتين، يُفترض أن صاحبيهما قُتلا خلال تبادُل لإطلاق النيران خلال إحدى المداهمات في العريش. غير أنهما يشبهان الشخصين اللذين أُعدما في الفيديو المُسرّب عبر قناة مكملين، دون أن يُظهر هذا الأخير أية اشتباكات.

*يحذر «مدى مصر» من حدة الصور ومقاطع الفيديو الواردة في هذا التقرير

ونفت عدة منصات إعلامية خلال اليومين الماضيين صحة الفيديو، واصفة إياه بكونه «مُفبرك» و«تمثيلية الإخوان لتشويه الجيش المصري». فنشرت «بوابة الفجر» تقريرًا سردت به «٧ مشاهد» ترى أنها دليل على «فبركة» الفيديو، من بينها ارتداء الشخصيات التي تظهر به ملابس عسكرية صيفية، بينما افترض «الفجر» أن الفيديو تم تسجيله في ديسمبر، حيث ترتدي القوات المسلحة الملابس الشتوية. وأشار الفجر في أكثر من موضع إلى ارتداء الأشخاص في الفيديو ملابس غير عسكرية، بالإضافة إلى ظهور شخص يرتدي ملابس أحد أفراد القوات المسلحة وقد نمت لحيته، وهو ما يخالف التقاليد العسكرية، الشخص عينه تحدث في الفيديو بلهجة وصفها الفجر بالخليجية.

وفي مداخلة هاتفية مع الإعلامي محمد موسى، في برنامج خط أحمر على قناة العاصمة، قال اللواء محمود منصور، الذي تم تقديمه بصفته مؤسس المخابرات القطرية، أن الفيديو أُنتج في قطر. فيما نشرت «الشروق» نقلًا عن مصدر مطّلع أن «الفيديو مُفبرك». وأشار المصدر إلى نفس النقاط التي ترددت على لسان عدد من الإعلاميين لنفي صحته، مضيفًا أنه «صارت هناك لدينا قاعدة: وهي أنه كلما حقق الجيش والشرطة نجاحًا على الأرض فى ضرب الارهابيين، فإننا ننتظر فيديو مفبركًا يحاول الإساءة إلى مصر بكل الطرق. ولا نعرف ماذا سيحوي الفيديو القادم من أكاذيب».

تشكيك حقوقي

قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها، إنها علمت من مصادر محلية أن الفيديو صُوِّر في منطقة صحراوية تقع بين جنوب الشيخ زويد ومدينة رفح المصرية، وهو الأمر نفسه الذي ذكرته منظمة «هيومان رايتس ووتش» في بيانها. وأضافت الأخيرة -وفقًا لأحد ممثلي قناة مكملين- أن الواقعة حدثت في وقت ما بين شهري أكتوبر ونوفمبر 2016 في قرية التومة جنوب الشيخ زويد، التي كانت محل كثير من عمليات القوات المسلحة ضد العناصر المسلحة التابعة لتنظيم ولاية سيناء، التابع لتنظيم الدولة الإسلامية.

ونقلت المنظمتان عن صفحة «سيناء 24»، المعنية بنشر أخبار شمال سيناء، أن الشخصين اللذين تم إعدامهما في الفيديو المُسرّب شقيقان، هما داود صبري العوابدة (16 سنة) وعبد الهادي صبري العوابدة (19 سنة)، من قبيلة الرميلات. واعتقلهما الجيش -وفقا للصفحة- في 18 يوليو 2016، في مدينة رفح قبل أن تنقطع أخبارهما تمامًا.

«فرق الموت»

اعتمدت المنظمتان على مصادر محلية بشمال سيناء في الحصول على معلومة تزعُم أن الشخص الذي استجوب أحد المقتولين ويتحدث بلهجة سيناوية، هو أحد العناصر البدوية المتعاونة مع الجيش. وأضافت «هيومان رايتس ووتش» أن أحد مصادرها يعرف الرجل شخصيًا، حيث أنه جاوره في السكن بمدينة الشيخ زويد. بالإضافة إلى أن ثلاثة مصادر أخرى تعرفت عليه بشكل مستقل، أحد هذه المصادر من قناة مكملين، والثاني من شمال سيناء، والثالث وصفته المنظمة بالخبير في شؤون شبه الجزيرة.

ويظهر في الفيديو المُسرّب الشخص المنسوب له التعاوُن مع الجيش، وهو يرتدي ملابس عسكرية تحمل شارة قوات المشاة. بينما يظهر شخص آخر في البداية في أقصى يمين الصورة ويرتدي ملابس عسكرية تحمل شارة المخابرات الحربية، ويبدو صوته وهو يوجّه أحد مرتدي الثياب العسكرية أثناء تنفيذه عملية الإعدام، بألا يكتفي فقط بالتصويب على الرأس قائلًا «بلاش الدماغ بس»، لكي لا يبدو الأمر إعدامًا. وعقب الإعدام يضع الجندي سلاحًا بجوار جثة الشخص الذي قُتل.

ونشر «مدى مصر» في أغسطس الماضي تحقيقًا بعنوان «من الشيخ زويد.. مدى مصر يتحدث إلى “صحوات” سيناء»، في إشارة إلى فرق المتعاونين مع الجيش والشرطة بشمال سيناء، التي تشبه في بعض خصائصها «صحوات العراق»، وهي مليشيات قبلية تتعاون مع القوات الأمنية هناك.

عكس صحوات العراق، فإن العناصر المدنية المساندة للجيش في سيناء لا تخضع لقيادات رؤوس القبائل والعائلات، بل ولا تحظى برضا أغلبهم

وظهرت فرقة المتعاونين في 2015 في شوارع مدينة الشيخ زويد ومنطقة الكوثر وحي الزهور، وموقف مواصلات المدينة وسط الركاب والأهالي. مع الوقت اكتسب هؤلاء المدنيون المسلحون اسم الكتيبة 103، لتمييزهم عن تمركز قوات الجيش في الكتيبة 101، ومسلحي سيناء من الجهاديين الذين يطلق الأهالي عليهم وصف الكتيبة 102. فيما يطلق المتعاونون على أنفسهم اسم «فرق الموت»، نظرًا لتعرضهم لخطر القتل على يد مقاتلي ولاية سيناء.

ويتنوع نشاط هذه الفرق مع الجيش بين التعاون المعلوماتي، وتنفيذ عمليات نوعية تحت إشراف القوات المسلحة، التي تمدهم بالسلاح.

ونَبّه التحقيق إلى أنه على عكس صحوات العراق، فإن العناصر المدنية المساندة للجيش في سيناء لا تخضع لقيادات رؤوس القبائل والعائلات، بل ولا تحظى برضا أغلبهم، وفقا للشيخ إبراهيم المنيعي رئيس اتحاد قبائل سيناء.

ويرفض المنيعي بشدة ظاهرة حمل المدنيين السلاح في سيناء لمواجهة المسلحين، معتبرا أنها قد تجُرّ العائلات إلى ما وصفه بـ«فتنة قبلية قد تصعب السيطرة عليها مستقبلا». مشددا على أن تأمين المدينة يجب أن يكون مسؤولية الجيش وحده.

 وقال تقرير «هيومان رايتس ووتش» إن مصادر محلية أخبرت المنظمة بأن المتعاونين سبق لهم تهديد سكان، أو التسبب في إلقاء القبض على البعض بسبب خلافات شخصية أو مهنية.

وقائع مشابهة

قالت «هيومان رايتس ووتش» في بيانها إن الفيديو المنسوب للقوات المسلحة يُظهر نمطًا متكررًا من «القتل خارج إطار القانون» بحسب مصادرها في شمال سيناء. وأضافت أن شخصين على الأقل كانا مُحتّجزين في السابق من قِبل قوات الجيش، أخبرا المنظمة أنه أثناء احتجازهما كان يتم تجميع عدد من السجناء ونقلهم إلى مكان غير معلوم، وأن هؤلاء لم يعودوا أبدًا إلى مقر احتجازهم، مما يجعلهما يعتقدان أن هؤلاء السجناء قد أُعدموا، بحسب المنظمة.

وأكدت المنظمة أنه في 2014، أخبرها أحد السجناء السابقين أن أحد الأشخاص الذين تم نقلهم إلى مكان غير معلوم، قد اكتُشِفَت جثته لاحقًا بواسطة أسرته في منطقة صحراوية.

ونشرت المنظمة تقريرًا في مارس الماضي، عما وصفته بـ«عملية محتملة للقتل خارج إطار القانون» لأربعة أشخاص ضمن 10 آخرين بعد إلقاء القبض عليهم. وشكك التقرير في حقيقة رواية وزارة الداخلية، مرجحًا اختلاق واقعة مداهمة للتغطية على عملية قتلهم.

وأصدرت وزارة الداخلية في يناير الماضي بيانًا، قالت فيه إنها اشتبكت مع عدد من المسلحين في مبنى في مدينة العريش، ما أسفر عن مقتل 10 مواطنين. غير أن عدد من أهالي القتلى أكدوا أنهم كانوا مُعتَقلِين لدى
أجهزة الأمن، وأنهم تعرضوا للإخفاء القسري لفترة سبقت إعلان الوزارة عن مقتلهم في تلك «المداهمة».

بعد صدور البيان، نشرت الداخلية مقطعًا مصورًا على موقع «يوتيوب»، يظهر مداهمة قوات الشرطة للمبنى، ويظهر أيضًا عددًا من الجثث، وعملية إطلاق النار على شخص خارج المبنى.

فيما أشار تقرير «هيومان رايتس ووتش» إلى فيديوهين آخرين تم نشرهما بواسطة صفحة «شبكة سكاي إيجي نيوز» الداعمة لعمليات القوات المسلحة في شمال سيناء، يحتفيان بتصفية عدد من العناصر المسلحة. ويظهر في أحدهما صوت شخص يتساءل «أغيّر وضع السلاح يعني؟».

 

مطالبات بوقف مد مصر بالسلاح

أشار تقرير المنظمتين إلى ظهور سيارة مدرعة «هامفي» الأمريكية في الفيديو المنسوب للقوات المسلحة. وأضافت العفو الدولية أن الولايات المتحدة سلّمت مصر 1000 سيارة مدرعة بداية من 2003 حتى الآن، من بينها 100 مدرعة «هامفي»، شبيهة بتلك التي ظهرت في الفيديو، وذلك وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

وقالت ناجية بونعيم، مدير الحملات الدولية في شمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية، إن «الدول المختلفة، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، تقوم بتوريد أسلحة[…] دون مراقبة إلى أي مدى يمكن أن تُستخدم هذه الأسلحة في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب مخالفات جسيمة لحقوق الإنسان»، داعية إلى وقف هذه التوريدات فورًا.

«عمليات القتل الصادمة تلك، تؤكد أن حملة مصر على الإرهاب في سيناء خارج إطار السيطرة».

وأضافت بونعيم «السهولة التي يقوم بها أفراد من القوات المسلحة المصرية بقتل أشخاص عُزّل بدم بارد، تُظهر عدم وجود أي مخاوف لديهم من المساءلة على أفعالهم. عمليات القتل هذه تصل إلى مستوى الإعدام خارج إطار القانون، وهي جرائم تلتزم مصر بالتحقيق فيها ومقاضاة ومعاقبة مرتكبيها، وفق القانون الدولي. وهي وقائع تتماثل مع نمط متكرر من القتل في شمال سيناء».

فيما قال جو ستورك، نائب مدير الشرق الأوسط في منظمة «هيومان رايتس ووتش»، إن «عمليات القتل الصادمة تلك، تؤكد أن حملة مصر على الإرهاب في سيناء خارج إطار السيطرة».

وأضاف بيان المنظمة أنه «إذا ما وصل القتال في شمال سيناء إلى مستوى ‘النزاع المسلح’ كما يُعرّفه القانون الدولي، فإن ممارسات كلا الطرفين ستخضع للقانون الإنساني الدولي، المعروف أيضًا باسم قوانين الحرب. وبموجب ذلك فإن القتل العمد لمدنيين أو سجناء حرب يعد انتهاكًا جسيمًا لمعاهدات جنيف، مما يجعل مصر مُلزمة بالقبض على المسؤولين عن تلك الجرائم ومعاقبتهم».

كان صحفي قد وجه سؤالًا إلى ستيفان دوجاريك، المتحدث الرسمي باسم أمين عام الأمم المتحدة، في مؤتمر صحفي أمس الجمعة، متسائلًا إذا كان الأمين العام لديه تعليق على الفيديو المنسوب للقوات المسلحة أو إذا ما كانت الأمم المتحدة ستتخذ رد فعل.

ورد دوجاريك قائلًا «شاهدت الفيديو ضمن التغطيات الإخبارية. ليس لدينا الأن طريقة للتأكد من صحة الفيديو. لكن بشكل مبدئي، كموقف نؤكده مرارًا وتكرارًا، فإن الحرب ضد الإرهاب لا يجب أن تكون على حساب حقوق الإنسان. أما بخصوص هذا الفيديو تحديدًا، كما قلت سابقًا، فليس لدي القدرة على تحديد مدى دقته».

ونشر «معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط»، ومقره واشنطن، تعليقًا على الفيديو المُسرّب جاء فيه سردٌ لعدد من المعلومات المتعلقة بالحرب على الإرهاب في سيناء. وبيّن أن نحو 6268 شخصًا قد قُتلوا باعتبارهم من المسلحين منذ منتصف 2013، معظمهم تم تصفيتهم في إطار عملية «حق الشهيد» منذ أواخر 2015.

من منشور بصفحة المتحدث العسكري – نشرت بتاريخ 6 ديسمبر 2016

شهدت سيناء وحدها في الفترة نفسها نحو 1635 عمل إرهابي مُسلح، أعلنت «ولاية سيناء» مسؤوليتها عن 726 عملية منها، بما يُمثّل نحو 58٪ من إجمالي العمليات. وتسببت العمليات الإرهابية المسلحة في مقتل 378 من أفراد الأمن المصري، سواء من الجيش أو الشرطة، خلال الأعوام التالية للإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في يوليو 2013.

ورصد معهد التحرير تغيُّر وتيرة العمليات خلال الأعوام الماضية، من 12عملية شهريًا في المتوسط سنة 2014، إلى 36 عملية شهريًا في 2015، وارتفاعها إلى 57 عملية في 2016، ثم تراجعها إلى 37 عملية شهريًا في 2017.

أشار المعهد كذلك إلى أن تقديرات الحكومة الأمريكية وحكومات أجنبية أخرى، أن عدد مقاتلي ولاية سيناء يتراوح بين 500 و1000، على أكثر التقديرات، وهو ما لا يتناسب مع عدد من أعلنت القوات المسلحة عن مقتلهم ضمن عملياتها في شبه جزيرة سيناء.

اعلان