بين حل الدولة والدولتين: شهادة وفاة أوسلو

بين الثالث عشر من سبتمبر 1993 والخامس عشر من فبراير 2017، كُتبت شهادة وفاة اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني. انهارت الركيزة الأساسية للأنظمة العربية الحاكمة في تواطؤها على حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته التاريخية. حسنًا يا سادة، لن أتحدث كثيرًا اليوم عن ارتباط مصائر شعوب المنطقة بنهاية واحدة مشتركة، وهو ما يتجاوز المرحلة القومية وشعاراتها.
قبيل المؤتمر الصحفي الخاص بزيارة نتنياهو لدونالد ترامب، خرجت تصريحات عن مصدر مسؤول فى البيت الأبيض بأن «واشنطن لم  تعد ترى حل الدولتين كحل أساسي للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين». وهي تصريحات قد تُفهم للوهلة الأولى بوصفها بالون اختبار من الإدارة الأمريكية الجديدة للأنظمة العربية لجس نبضها حيال استمرار تواطؤها من عدمه. ثم خرجت حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية بمنظمة التحرير الفلسطينية «مشكورة!» لتعلق على تلك التصريحات بأنها «ليست سياسة مسؤولة ولا تخدم قضية السلام». وما هي سوى بضع ساعات حتى أتى اليقين من تصريحات ترامب ونتنياهو مباشرة، ودون المرواغات السياسية التقليدية التي اتبعتها الإدارات الأمريكية السابقة.

قال ترامب إنه سيقبل «بحل الدولتين أو الدولة طالما أنه يرضي الإسرائيليين أو الفلسطينيين» ليؤكد تصريحات المسؤول الأمريكي قبل ساعات من المؤتمر.

ما يؤكد موت أوسلو قبل توقيعها هو خلو الاتفاقية من أى بنود «شكلية» تجرّم ممارسة العنف ضد الفلسطينيين وخلوها حتى من الضمانات الأساسية لحقوقهم

وتجدر هنا الإشارة إلى نقطتين، الأولى هي تصريح أيوب قرا، وهو وزير دون حقيبة وزارية فى حكومة نتنياهو، والذي غرّد قبيل المؤتمر بأن ترامب ونتنياهو سيعتمدان خطة عبد الفتاح السيسي بإقامة دولة فلسطينية فى غزة وسيناء، وما يؤكد هذا الأمر هو تساؤل نتنياهو أثناء المؤتمر الصحفي مع ترامب «كيف تكون إسرائيل يهودية بدون يهودا [الضفة الغربية]؟ »، ذلك رغم نفيه فيما بعد للتصريحات السابقة لوزيره. والنقطة الثانية هي الإعلان الصريح من نتنياهو أثناء المؤتمر عن دور الشركاء من الدول العربية في التوصل لحل لقضية السلام على هذا الأساس، واصفًا الدول العربية بأنها صارت تنظر لإسرائيل لأول مرة كحليف وليس كعدو، مع تأكيده على الحجة الجديدة فى السيطرة على مقاليد الصراع في الشرق الأوسط، وهي مواجهة «الإسلام الراديكالي»، وهو النهج ذاته الذي تتبعه إدارة ترامب.

دولة أم دولتان؟ أوسلو ولدت ميتة

لنعد بالذاكرة بضع سنوات للوراء، حوالى الربع قرن تقريبًا، فمنذ توقيعها فى 13 سبتمبر 1993، ولدت الاتفاقية ميتة بالأساس على غرار سابقتها كامب ديفيد. الاتفاقية التي كانت ركيزة قيام مشروع حل الدولتين الموهوم، أتت فى سياق تاريخي ملائم لسلطة الكيان الصهيوني، وبهدف فرض سياسة الأمر الواقع المعتادة منه منذ نشأته الاستيطانية الأولى. وبتتبع السنوات اللاحقة على توقيع الاتفاقية، لا نجد لها أى أثر مادي وواقعي على مجرى الصراع سوى «النضال الفندقي» لأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية مع وجبات العشاء الفاخر والنبيذ الفرنسي المعتق على «طاولة المفاوضات». وما يؤكد أيضًا موت أوسلو قبل حتى توقيعها هو خلو الاتفاقية من أى بنود «شكلية» تجرّم ممارسة العنف ضد الفلسطينيين وخلوها حتى من الضمانات الأساسية لحقوقهم، وفقًا لتعقيب منظمة العفو الدولية.
وحتى إن كانت الاتفاقية تتضمن نصًا على هذا الأمر، ما كان هذا ليمنع الكيان الصهيوني من ارتكاب -على سبيل الذكر- مجزرتي الحرم الإبراهيمي وقانا فى 1995 و1996، أو اجتياح مخيم جنين فى 2002 أثناء الانتفاضة الثانية، حتى موافقة نتنياهو مؤخرًا على بناء ستة آلاف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس فى يناير الماضي. كل ما ذكرته لا يعد سوى نتائج ترتبت على أوسلو، وتمهّد الطريق للكيان الصهيوني لمد توسعه الاستيطاني قدر الإمكان، بتعليق مصائر وحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية على طاولة مفاوضات لحل وهمي لم يكتب له الوجود منذ يوم نشوئه.
وإذا كنا بصدد جدال حول «الدولة الواحدة» كواقع جديد مفروض على مسرح الصراع، فيجب هنا إيضاح أمرين؛ الأول هو أن الكيان الصهيوني لم يتخذ هذا المنحى إلا وفقًا لعدة أسباب تاريخية راهنة، أهمها صعود اليمين المتطرف وتنامي نزعته فى الغرب بصورة عامة، وتبنيه لخطاب مواجهة «الإسلام الراديكالي»، وهى الحجة القديمة – الجديدة بالحرب على الإرهاب القادم من الشرق الأوسط، وهو الخط ذاته الذي تسلكه حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة لتبرير جرائمها بحق الشعب الفلسطيني المقاوم، فضلًا عن اتجاهات الدوائر اليمينية المتطرفة فى الكيان الصهيوني بهذا الشأن، فوزير التربية بحكومة نتنياهو ورئيس حزب «البيت اليهودي» نفتالي بِنت صرّح عقب المؤتمر بأنه «لم تعد هناك حاجة لدولة فلسطينية ثالثة بعد الأردن وغزة»، كما اعتبرت وزيرة العدل والعضوة بذات الحزب أييلِيت شاكيد أن تصريحات ترامب تعد إنهاء لحلم الدولة الفلسطينية ومبادئ أوسلو.

حل الدولة الواحدة كان فى الأصل مرجعية المقاومة الفلسطينية منذ بدايتها، وهو القائم على حرية واستقلال كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر دون تفرقة اجتماعية أو عقائدية

الأمر الثاني هو تواطؤ سلطة منظمة التحرير وتحللها العضوي وانحرافها عن المسار الصحيح للقضية الفلسطينية منذ مصافحة عرفات لإسحاق رابين وتوقيع الاتفاقية، وليس أدل ذلك من مهزلة اللهث وراء المبادرة الفرنسية للسلام العام الماضي، والتي لم يولها الكيان الصهيوني طبعًا أي اهتمام، كما كان يخيل لأبو مازن وأعوانه، وما زاد هزلية تصرفات منظمة التحرير، هو تعليق صائب عريقات عقب مؤتمر ترامب – نتنياهو بأن «البديل عن حل الدولتين هو دولة ديمقراطية واحدة، بحقوق متساوية لجميع أبنائها من المسلمين والمسيحيين واليهود».
أى دولة واحدة «ديمقراطية» هذه التي تروج لها السلطة الفلسطينية، وهي التي تسخر جهودها لقمع وملاحقة عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية لمصلحة أمن الكيان الصهيوني؟ كل تلك المواقف المعهودة لمنظمة التحرير تفتح المجال للكيان الصهيوني للتصرف بأريحية كاملة على مسرح الصراع، وفقًا لدعايته اليمينية المتطرفة واستراتيجيته الدينية المتعلقة بيهودية الدولة، وكذلك استراتيجيته العسكرية الاستيطانية.
وبالنسبة لحل الدولة الواحدة، فهو ليس بالأمر المستحدث في معادلة الصراع بين طرفيه. وبعيدًا حتى عن أي انحيازات شخصية، فإنه لأمر بديهي إن قلنا إن الشرعية التاريخية لكامل التراب هي للشعب الفلسطيني، استنادًا لحقوقه التاريخية التي لن يكفي المجال لحصرها، بل تكفي الإشارة هنا للسياسة الضريبية التي اتبعتها حكومة الانتداب البريطاني بزعامة هربرت صموئيل، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية في انتزاع ملكية الأراضي من العرب لصالح المهاجرين اليهود، فضلًا عن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية من الهاجاناه وغيرها، بينما لا يستند الكيان الصهيوني في هذا الأمر سوى لأساطير تلمودية، كانت هي الأساس لدعاية الكيان الصهيوني بخصوص يهودية الدولة وما إلى ذلك، رغم ادعائهم فى ذات الوقت بتقدم «إسرائيل العلمانية» وكونها واحة الديمقراطية فى الشرق الأوسط…إلخ.
وطبقًا لهذا، فحل الدولة الواحدة كان فى الأصل مرجعية المقاومة الفلسطينية منذ بدايتها، وهو القائم على حرية واستقلال كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر دون تفرقة اجتماعية أو عقائدية، وذلك فى مواجهة وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود فى فلسطين منذ بداية الصراع، ما يعني أن أوسلو لم تكن سوى مرحلة زمنية من التشويش، ليس إلا.

واليوم، عندما نرى ترسانة الدعاية الصهيونية العالمية تتحدث عن «دولة يهودية واحدة»، كأساس لإقرار السلام فى المنطقة، فهذا أمر يتطلب مواجهة مضادة من كافة الأطراف المناهضة للصهيونية والمناصرة للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بالدفاع عن دولة «فلسطينية» كاملة التراب من عكا للنقب للقدس لغزة، وهو نضال ليس سهلًا ولا مستحيلًا فى آن واحد، ولن تأتي ثماره ونتائجه إلا عبر الدعم الكامل وغير المشروط للمقاومة الفلسطينية والعمل على تبني موقف سياسي راديكالي موحَّد بهذا الصدد، لخلق صف مضاد للدعاية والسياسات الصهيونية فى هذه اللحظة الراهنة، وليس عبر انتظار قرارات شكلية من مجلس الأمن والأمم المتحدة.
«سيناء رجعت كاملة».. لكن لمن؟

«يا راكعين لأمريكا، أنا بريء منكم»، ناجي العلي.
كانت هذه الجملة الواردة في الكاريكاتير الشهير للشهيد ناجي العلي أول ما خطر بذهني أول ما قرأت تصريحات كل من ترامب ونتنياهو، عن دور «الشركاء العرب» في عملية السلام، وأن دولًا عربية صارت ترى إسرائيل كحليف وليس كعدو. وقبيل المؤتمر أثارت تصريحات أيوب قرا حول إقامة دولة فلسطينية في سيناء وغزة، ثم نفي نتنياهو لها فيما بعد، مساحة واسعة من الجدل حول مستقبل الصراع فى السنوات القادمة. ومن المفهوم ضمنًا أن «الشركاء العرب» هم المحور الثلاثي، مصر والأردن والسعودية، فالطبقة الحاكمة فى كل من مصر والأردن تتمتع بعلاقات أكثر من ممتازة مع نظيرتها الصهيونية، نتيجة لتوقيع اتفاقتي كامب ديفيد ووادي عربة، وبالنسبة للسعودية فتطبيع آل سعود يسير بخطوات متلاحقة في هذه الفترة، وإن لم يكن فى إطار رسمي، منها مثلًا محاولة دخول اتفاقية كامب ديفيد بأثر رجعي، وكطرف ثالث فى الاتفاقية عبر أزمة تيران وصنافير، لكن خاب سعيهم.
لنعد مرة أخرى لسيناء، فتصريح أيوب قرا، والذي أعقبه نفي نتنياهو له، ليس بالأمر الطارئ، خاصة إذا أدركنا أن سيناء كانت دائمًا في مجرى الصراع مع الصهيونية. والحديث عن إقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء، سواء بالسلب أو بالإيجاب، بالتزامن مع موجات التهجير القسري والجماعي لأهالي العريش وسيناء، يعيد التأكيد على قضية السيادة المصرية المنقوصة على شبه الجزيرة نتيجة لاتفاقية كامب ديفيد والتقسيم الأمني المعروف لها، والذي تندرج تحته مناطق (أ) و(ب) و(ج).
ومع إقرار نتنياهو مؤخرًا بانعقاد قمة سرية في العقبة مارس الماضي، مع كل من السيسي وملك الأردن ووزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري للتباحث حول «حل» نهائي للصراع، ولمناقشة مقترح «عربي» -رفضه نتنياهو- حول الاعتراف بيهودية إسرائيل مقابل التفاوض على حل الدولتين، يتضح دور «الشركاء العرب» وسعيهم في العمل على ترتيب الأوضاع الداخلية للمنطقة وفقًا لاستراتيجية الكيان الصهيوني بعيدة المدى. ومع التصريحات الأخيرة لوزير دفاع الكيان الصهيوني ليبرمان، التي تبنى فيها القصف الجوي جنوب رفح المصرية، وصرح بأن «إسرائيل لا تترك أمرًا دون رد» عقب حادثة الجيب المختطفة وإطلاق الصواريخ على أم الرشراش، تتضح الصورة أكثر، ودون تشويش، على الأرض.
لم يكن مشروع الدولة الفلسطينية فى سيناء وغزة وليد اليوم، فبالعودة إلى العام 1953 نجد أن نفس الفكرة قد طُرحت لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فى غزة وصحراء سيناء عن طريق مؤسسة الأونروا والإدارة الأمريكية، ثم طرحت مرة أخرى فى مطلع الستينات عبر جوزيف جونسون رئيس مؤسسة كارنيجي للسلام، وفي المرتين قوبلت الفكرة بالرفض من قبل الحكومة المصرية. ظلت هذه الفكرة تُبث من وقت لآخر عبر سنين الصراع اللاحقة إلى اليوم لخدمة «يهودية الدولة».
كما لم تغب سيناء أبدًا عن الرؤية الصهيونية الجيو-سياسية للصراع، وإن كان على مستوى معاكس لإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء، فقد حاول ثيودور هرتسل، مؤسس الحلم الصهيوني الكبير من النيل للفرات،عندما قدم إلى مصر فى 1903 إقناع اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني والحكومة المصرية بإقامة «كيان استيطاني لليهود فى العريش وسيناء».
إذن فما يحدث اليوم هو الزج بسيناء من جديد على مسرح الصراع، وهي التي لم تغب عن بال دجّالي الكيان الصهيوني منذ أن تبلورت فكرة الدولة اليهودية فى مخيلة هرتسل، وإلا فلماذا احتُلت بعد هزيمة 1967؟ وما كانت حكومة نتنياهو لتبدي الأمر أو تنفيه إلا تأكيدًا منها على مصالحها وأطماعها الاستيطانية التوسعية، ولا يساعدها بهذا الشأن أكثر من «شركائها العرب»، من بترودولار ورجعية ملكية وعسكرية طبقية تحكم دول المنطقة.
خاتمة، هل من مخرج؟
رغم كل ما يصب فى مصلحة الكيان الصهيوني من توازن القوى السياسي والدعم الإعلامي والعسكري الضخم من الإمبريالية الجديدة، إلا أنه لا تزال هناك إمكانية للاستمرار فى المواجهة و بفرص متكافئة. لكن السؤال هنا: كيف؟
فى مقال سابق، كتبت أن بداية تحرير فلسطين تتلاقى بالضرورة مع انتصار انتفاضات/ ثورات الربيع العربى. وأعود وأكرر ما سبق أن قلته، لكن بطريقة أكثر تداخلًا مع المشهد الطارئ المتشابك، فمواجهة الطبقات العربية الحاكمة، أو «شركاء إسرائيل» في عملية السلام المزعومة هذه، عن طريق التحريض الواضح ضد الصهيونية وأطماعها الاستعمارية، هي الركيزة الأساسية لإعادة إحياء الحراك الاجتماعي والسياسي، في مواجهة الأطراف الداخلية والخارجية للثورة المضادة.
لم يعد مشهد الصراع اليوم ملتبسًا كما كان فى السابق، بل صار أوضح من ذي قبل، رغم تعدد وتشابك الأطراف واحتدام الصراعات وتدخل الطبقة الحاكمة العالمية في ساحة حرب الشرق الأوسط. إلا أن البوصلة لم تفقد طريقها بعد فى ليل الصحراء القاتم، فالدرب واضح لسالكيه.

حطموا الأصنام..فلن تبقى القيود أبد الدهر!

الحرية لرفيقي درب الثورة محمود أبو حديد وشريف عز الدين.

اعلان
 
 
محمود الشريف