عن دفء ميادين الثورة: الحميمية ضد أنماط السلطة

«المخبر من حقه يعرف الحرامية، بالعكس، من واجبه إنه يعرفهم. إنما إنت كمواطن مش المفروض يكون لك أي علاقة بيهم. دول عالمين مختلفين، مايتخلطوش إلا في جريمة، والمخبر من حقه الدخول في العالمين دول، إنما إنت لأ».

داود عبد السيد – فيلم «مواطن ومخبر وحرامي»

عندما سُئل معتز عطا الله، الباحث في مجال التعليم وأحد نشطاء ميدان التحرير والمتواجد هناك من الأيام الأولى لثورة 25 يناير، عن شعوره أثناء الثورة، أجاب بأن «كلمة واحدة تدخل العقل بشكل سريع للغاية، وهي الحميمية».

فسّر عطا الله معنى «الحميمية» بقوله: «عندما تكون في وضع استثنائي، لا هو بسلبي ولا إيجابي، ويصبح من السهل فيه الشعور بالقرب من الناس. ما حدث في الميدان كانت حالة من التقارب أتيح لها أن تنضج على نار هادئة بما يكفي لتصبح شيئًا مميزًا».

لم يبتعد معتز عن المعنى اللغوي لـ«الحميمية» كما عرّفها فقهاء اللغة العربية، الذين أرجعوا الكلمة إلى «أَحَمَ الشيء» أي قرب الشيء ودنا، و«الحميم» القريب. ووفقًا للسان العرب، نجد كلمة «حميم» بمعنى الماء الحار، و«حمّمت» الماء سخنته.

مفردات مثل «الدفء» و«الحرارة» كثيرًا ما تحل محل «الحميمية» لوصف علاقات الناس ببعضهم، كما يوصف غياب الحميمية، في كتابات كثيرة، بمفردات مثل «البرودة».

مارك بانسكيك، الطبيب النفسي والخبير المتقاعد المتخصص في رعاية الاحتياجات الإنسانية، يعرّف من جانبه الحميمية بأنها «تجربة التقارب الحقيقي مع الآخر. المعرفة الحقيقية هي أن تُعرَّف، إنها الشيء الذي يرفع الجنس لمصاف الروحانية».

يضع بانسكيك المصطلح في سياق العلاقات الجنسية، حيث تؤدي الحميمية إلى فقدان عاداتنا القديمة في الاقتراب من الآخر، الرجل أو المرأة، لنستسلم لعفوية اللحظة وإبداعها، ونوسّع نحن التعريف ليشمل العلاقات الإنسانية، خاصة بين الأفراد بانتماءاتهم المختلفة.

يأخذ المتصوف الراديكالي الهندي أوشو الحميمية إلى مستوى صوفي عال ومثالي، لتصبح هدفًا إنسانيًا اجتماعيًا وجوديًا، معرّفًا إياها بأنها «أن تكشف نفسك أمام الغرباء، أن تُسقط كل خوفك ودفاعاتك». يستخدم أوشو كلمة «الغرباء» لوصف الآخرين، لأن الآخر الذي قد يكون جارك أو زميلك أو مجرد بائع تشتري منه يتحول إلى «غريب» عنك.

«الحميمية» بالتعريفات السابقة، والتي سنستخدمها بالمعنى الذي اختبرها به معتز عطا الله في ميدان التحرير، أثناء مقاومة قطاع من المجتمع للسلطة، واختبرها به عالم الأنثروبولوجيا ومؤسس حركة «احتلوا»، ديفيد جرابر، في الاجتماعات التحضيرية أثناء دعوته الراديكالية لتغيير النظام في الولايات المتحدة، لا تعد وحسب صفة إيجابية للفرد تُحسّن من تواصله الاجتماعي وأدائه الجنسي، ولكن البعض، خاصة الراديكاليين من النشطاء أو العلماء في مجالات إنسانية مختلفة، يرون أنها قيمة أخلاقية ثورية تشكل تهديدًا لآليات سيطرة السلطة على المجتمع، وتعمل على تقويضها.

الحميمية، أو «المودة» بين الناس، كما يسميها جرابر، هي ما تشكل وقود الثورات، وبدونها تنعدم.

يستخدم أوشو لغة أدبية شاعرية في وصفه، حيث يرى أن المجتمع يمنعك من تقبل نفسك، ومن الحميمية مع «الغرباء» الذين هم كل من عداك، ويرجع ذلك إلى بضعة أشخاص من «المتعطشين للسلطة» قلّلوا من «كلية الكيان الإنساني» وحولوه إلى «قطيع..Mob». يعني هذا أن تفقد قيمتك كفرد وتتحول لرقم تسيطر السلطة بوسائلها على أفكاره ومشاعره. ولا يُسمح للإنسان بالبقاء إلا إذا قام بمساومة مع الواقع وواجباته، أو مع «أنواع الجنون» بلغة أوشو، لتتحول في النهاية «الأرض الجميلة» إلى «سجن كبير»، ويتحول المجتمع من أفراد مستقلين تربطهم الحميمية إلى تجمع موجَّه سياسيًا، «مجتمع بدائي وبربري بشكل كامل، مع قلة من السياسيين والكهنة والمتخصصين»، الذين يسيطرون على الملايين.

تتضح آلية تحويل الإنسان تلك في مسار ثورات الربيع العربي وحركات «احتلوا» في أمريكا وأوروبا، حيث نرى مشهدين مختلفين تمامًا؛ الأول صنعه المحتجون، وهو مشابه لحد كبير لثورة الياسمين في تونس، وميدان التحرير في مصر، ودوار اللؤلؤة في البحرين، حيث الدفء والتقارب الحميمي بين الناس، في مقابل الانضباط العسكري لأفراد الأمن وعملائهم، الذين يمثّلون «أرقامًا في قطيع، توجههم السلطة»، يتلقون الأوامر ويفعلون ما يؤمرون، وجرى إقناعهم بأن المحتجين مجرمون أو إرهابيون، أي نُفيت عنهم صفاتهم الإنسانية الأخلاقية.

لا تكتفي القطعان بمحاربة الحميمية في التجمعات المناهضة للسلطة، ولكن حتى في التجمعات الريفية والمدينية، سواء بالقضاء عليها أو بمسخها، مستغلة جهل وفقر الكثيرين من أبناء تلك التجمعات.

هذه الحميمية، أو «المودة» بين الناس، كما يسميها جرابر، هي ما تشكل وقود الثورات، وبدونها تنعدم. لذا تعمل السلطة على تشويهها، إما باستغلال الخلافات الدينية والعرقية وبث الخوف في كل طرف من الآخر، أو بوضع الحواجز بين أماكن سكنى البشر وشوارعهم (شارع الأزهر بسوره مثلًا الذي يفصل بين منطقتي الغورية والجمالية)، أو على مستوى أوسع، وفي حالة وجود خلافات عرقية أو دينية، تعمل السلطة على تأجيج الخلافات، لتظهر في النهاية بمظهر الحامي للوحدة.

ماي كاسا، مثال من المكسيك

في تحقيق لها، تحدثت صحيفة «دايلي ميل» البريطانية عن حي ماي كاسا، الذي يقع في مدينة مكسيكو سيتي، حيث يعيش ألفا شخص في قطار مهجور منذ عشرين عامًا، ويسكن في كل عربة عشرون فردًا، ولكل شخص الحق في العيش داخل أي من الأربعين عربة الصدئة التي يتكون منها القطار. وتريد الدولة السيطرة على هذا الوضع، لأنه «غير قانوني»، ولأن الأهالي لا يمتلكون القطار.

هذا المجتمع يتكون من عمال سكك حديد وأسرهم، ولديهم مدارس ابتدائية واتصال بالإنترنت ومحلات بيع تذاكر ومحلات للترفيه، وتمارَس كل أنشطة المجتمع في العربات الصدئة.

يشبه هذا المجتمع المكسيكي تجمع ميدان التحرير، حيث لا وجود للسلطة بالمرة، وحيث يتناوب أهل الحي على حراسته من اللصوص. يقول دانيال ليون الذي فقد ساقيه أثناء نومه قبل عشرين عامًا «هذا مجتمع سلمي». يعمل ليون بسبب بتر ساقيه في ملاحقة البضائع التي تسقط بين القطارات، يقول: «لم أكن لأعمل هذا العمل إن لم تكن ساقاي مقطوعتين».

يقول أحد المعلقين على تقرير ديلي ميل: «عندما تترك الحكومة الناس لوحدهم يزدهرون ويكبرون. إنهم يفهمون الأمر».

يا حوش آدم يا دارنا

الأحياء القديمة والشعبية أيضًا في القاهرة، والمسماة أحيانًا بالـ«عشوائية»، ليست بعيدة أيضًا عن تلك المجتمعات الحميمية، وتعمل السلطات حاليًا على تحويلها إلى مدن جديدة في ضواحي القاهرة التي توصف بالـ«أكثر رقيًا»، أما الـ«سي إن إن» فتصفها بأنها تحولت إلى مدن أشباح.

جاسر الموجي، مخرج أفلام تسجيلية ومنتج فني، قضى طفولته في حارة حوش آدم بحي الغورية في القاهرة الفاطمية، وهو المكان الذي غنى له الشيخ إمام «حارتنا»، ويتمتع بكثافة سكانية عالية وبحميمية تجمع بين سكانه، حيث الجميع يعرفون الجميع هناك.

يقول الموجي لـ«مدى مصر» إن هذا له أثرًا سحريًا على الأفراد هناك، وضرب مثلًا بشخص له سابقة إجرامية، ولكنه تاب عنها وسكن هناك، فحماه الناس من مضايقات الشرطة، التي لا تزال تلاحقه. كما تحدث الموجي عن آخر مجذوب له وضعه داخل المجتمع؛ لا يشعر بالإهمال، القهوجي يحضر له شايه، وأحيانًا يمازحه المارة مستهزئين، ولكنهم في النهاية لا يعزلونه ولا يتجاهلون وجوده.

لعبة السلطة

وتظل هذه التجمعات الفقيرة الحميمية عرضة لكافة أنواع التضليل والتهييج بسبب احتياجاتها وجهلها، وقد كشفت الشبهات التي حاقت بحادث كنيسة القديسين في احتفالات رأس سنة يناير 2011، أي قبل الثورة بأسابيع، والتي أغلقت السلطات ملفها بلا تحقيق جاد، كيف يمكن للسلطة أن تلعب في مناطق الفتن الطائفية وتحدث تأثيرا مريعًا، مستغلة فقر الناس وجهلهم. وكشف عن هذا أيضًا الخطابُ الانتخابي للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، والذي ركز على اضطهاد الأقليات الدينية، وعلى خوف الأمريكيين من المهاجرين، لتتراجع مطالب أثيرت في الحملات الانتخابية التمهيدية داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بتحسين ظروف حياة الناس والقضاء على المال السياسي، إلى مجرد المحافظة على شكل الديمقراطية الشكلية الذي «ينتظم» فيه الجميع.

يتحول المختلف سياسيًا إلى «عدو للوطن» في نظر عامة الناس في المجتمعات التي تحكمها نظم مستبدة، لتُخلق الفواصل بين الأفراد، والمساحات بين الأحياء، وينزع كل فرد عن الآخر كرامته وأهليته وحقه في الحياة، ويصبح المواطنون أرضًا خصبة لكل أنواع الديكتاتوريات، والحروب الأهلية

وفي المدن الاقتصادية الكبيرة، يعد غياب هذا الدفء في العلاقات الحميمية، المهدِّدة للسلطة والخاضعة لتهديدها في آن، سببًا رئيسيًا لعدم اندلاع ثورات شعبية، فالدفء هو ما يؤدي إلى «خلق حضارة بديلة»، وانعدامه يمنع اندلاعها، وفقًا لرأي ديفيد جرابر، الذي يقول في كتابه «المشروع الديمقراطي: تاريخ، أزمة، حركة»، متحدثًا عن شوارع نيويورك وواشنطن: «خلق حضارة جديدة بديلة، هو عمل عسير، خاصة في قلب الشوارع الأشد برودة والأقل مودة».

ويشارك جرابر كاتب أمريكي آخر، وهو السدير روبرتس، أستاذ القانون والسياسة العامة، والذي يرى في كتابه «نهاية الاحتجاج: كيف تعلَّمَ السوق الحر السيطرة على المعارضة»، أن الأمريكيين والبريطانيين يفتقرون إلى «العاطفة» اللازمة لجذب بعضهم إلى بعض في تجمعات، وأرجع ذلك لطرق ثلاث تعلمتها السلطات الرأسمالية بهدف «السيطرة على المعارضة»، وأولها إضعاف الحركة والمنظمات العمالية، ثم تدريب الشرطة باحترافية على التعامل مع أشكال الاحتجاجات، وأخيرًا إعطاء موظفين تكنوقراطيين صلاحيات واسعة في مناطق تدار تحت منهج «إدارة الأزمات»، لتمييع الأزمة في أروقة البيروقراطية الحكومية.

لا يكتفي انعدام الحميمية بتصعيب قيام «حضارة بديلة»، على حد تعبير جرابر، ولكنه أيضًا يخلق حاجزًا بين الفرد والفرد، ويساعد في تحويل الأفراد إلى أنماط اجتماعية طبقًا لأوضاعهم المالية والتعليمية والمهنية، ولانتماءاتهم الدينية وأصولهم العرقية.

يرى عالم الاجتماع مارك بوكانان في كتابه «الذرة الاجتماعية» أن هذا التنميط يلعب دورًا في قيام الديكتاتوريات والحروب الأهلية، فبدلًا من أن ترى نفسك إنسانًا وغيرك كذلك، تمتلك الأهلية والكرامة مثلك مثله تمامًا، تصنف نفسك داخل نمطك الوظيفي أو الديني أو الطبقي. حينها يتحول الآخر من «إنسان» إلى «مجرم» أو «إرهابي» في عيني ضابط شرطة، أو «فقير» في نظر الأغنياء، أو «جاهل» في نظر المتعلمين، أو «كافر» من وجهة نظر تدينك، كما تتحول المرأة إلى «مَرَة» في عين الرجل، ويتحول المختلف سياسيًا إلى «عدو للوطن» في نظر عامة الناس في المجتمعات التي تحكمها نظم مستبدة، لتُخلق الفواصل بين الأفراد، والمساحات بين الأحياء، وينزع كل فرد عن الآخر كرامته وأهليته وحقه في الحياة، ويصبح المواطنون أرضًا خصبة لكل أنواع الديكتاتوريات، والحروب الأهلية، وفقًا لتحليل بوكانان.

وسائل التنميط

اعتمدت السلطة، رغم اختلاف أشكالها بين الديمقراطية والحكم الاستبدادي، وسائل مشابهة لتنميط المجتمع، وأبرزها القمع المباشر والتهديد بالسجن وفتح الزنازين للمجرمين والإرهابيين.

فُصلت التظاهرات في البحرين عن مغزاها الإنساني، وتحولت إلى تظاهرات طائفية شيعية، ما شرّع في الرأي العام العربي حسم التظاهر عسكريًا

وفي المناطق التي تمتاز بالتنوع العرقي أو المذهبي، أحيانًا ما تغلّب السلطة مذهبًا على الآخر، مانحة إياه الامتيازات بالمقارنة بغيره، فيجري التلاعب بالشعوب، وتتحول حالة الحميمية، إن وُجدت، إلى نمط ديني طائفي، ما يسهّل على السلطة إقناع أبناء الدين أو المذهب المسيطرين بأن الآخرين كفرة يريدون هدم العقيدة، كما يسهّل التأثير في الحشود الحميمية للانسياق خلف روايات السلطة.

في ثورة البحرين، خلق المحتجون حالة مشابهة لحالة ميدان التحرير، وكان الهتاف الأبرز فيها «إخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه». ولأن الغالبية الشيعية واقعة تحت ضغط الفقر والجهل، فقد حلّت النمطية المذهبية سريعًا محل الحميمية. تقول زوجة أحد الثائرين: «لن يحدث شيء.. حشد من الغاضبين سيتم سحقهم»، فيجادلها زوجها بأن هذه المرة مختلفة، وحجته أن الشيعة لم يحتجوا مثل ذلك من قبل.

في البداية رفع متظاهرو البحرين مطالب مثل «برلمان منتخب» و«دستور جديد»، ولكن لم يمر شهر ونصف حتى دخل جنود من درع الجزيرة بـ1500 جندي، ليفضوا اعتصامات ميدان اللؤلؤة. فُصلت التظاهرات في البحرين عن مغزاها الإنساني، وتحولت إلى تظاهرات طائفية شيعية، ما شرّع في الرأي العام العربي حسم التظاهر عسكريًا.

قد يكون اعتصام البحرين قد فُضَّ بشكل عسكري ناجح، ولكن السوريين مثلًا اعتصموا في ميدان درعا ورددوا الأناشيد الشعبية وهتفوا بالحرية ولم يرفعوا شعارات طائفية أو دينية أو قومية، تأسيًا بميدان التحرير. وبعد أن فشلت قوات الأمن في تنميط «حميميتهم» لجأت إلى استراتيجية أخرى اتبعتها السلطات المصرية من قبل، وهي فتح السجون ليس للمجرمين هذه المرة، ولكن للإسلاميين الجهاديين.

غضَّ النظام الطرف عن إرهابيي سوريا، وترك المساحة لهم للانتشار في البلاد. وفي كتاب عن ظاهرة الجهاد السوري لتشارلز ليستر، وهو باحث مقيم في معهد الشرق الأوسط، تحدث عن عفو رئاسي، صدر في 26 مارس، عن 260 سجينًا من زنازين سجن صيدنايا، فيما اعتبره محاولة للتلاعب بشكل المعارضة، حيث أُطلق العنان لما يمكن أن يصفه مستريحًا بـ«المعارضة الجهادية والمتطرفة».

بنجاح السلطة في إعادة تنميط المجتمع، تشيع «البرودة» في الشوارع، حيث يلزم الناس بيوتهم، إما لحظر التجوال، الذي تفرضه السلطات بعد كل احتجاجات شعبية، أو خوفًا من عملاء الشرطة والخطف العشوائي

على حد رأي ليستر، فقد ساعد إطلاق سراح السجناء على تنشيط البنية التحتية الإرهابية، والتي كانت «كامنة» حتى قبل 2011، ولكن هذا كان قرارًا استراتيجيًا للمخابرات السورية، ثم جرى التلاعب بالجهاديين لمصالح عالمية أجنبية.

ولا تقتصر آليات تنميط الفرد الحميمي مع الآخر، على استخدام السلطة لوسائل العنف المباشر مثل القتل والاختطاف والضرب والحبس، أو التقليدية مثل الإعلام ورجال الدين، ولكنها تمتد لتشمل كذلك وسائل استخدمها الناشطون الراديكاليون لتفجير الحميمية مثل «وسائل التواصل الاجتماعي».

ففي مصر، وبعد الإقبال الكبير على الفيس بوك، والذي يرى البعض أنه ساهم في إنجاح ثورة يناير وإسقاط الديكتاتور المصري السابق محمد حسني مبارك، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إحلال الاستقطاب السياسي محل «الحشد الحميمي»، للدفاع عن مبادئ أو حقوق الإنسان، وفقًا لدراسة نشرتها «بيس تيك لاب» المتخصصة في دراسة تأثير التكنولوجيا في إحلال السلام، واستعرضتها صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

تقول الصحيفة إن «وسائل التواصل الاجتماعي عجّلت وكثّفت من اتجاهات خطرة، مثل الاستقطاب والخوف وتجريد المنافسين من إنسانيتهم»، وذلك بعد أن نُمّط كل تيار الثورة، كلٌ وفق تصنيفه، من إسلاميين إلى قوميين إلى شباب يميلون للليبرالية، وفي المقابل كان ما يعرف بـ«حزب الكنبة»، العامة الذين يشاهدون الأحداث ولا يتفاعلون معها، ومعهم أنصار النظام السابق، يحشدون للقيم الخاصة بهم، مثل الاستقرار أو «المشي جنب الحيط»، وما إلى ذلك.

في النهاية، تحاول السلطة بكل قواها تدمير الحميمية، واستعادة تنميط المجتمع. وبنجاحها، سواء بوسائل القوة المباشرة أو بطرق أخرى، في إعادة تنميط المجتمع؛ هذا فقير حرامي، وذلك سني وآخر شيعي، وإخواني وفلولي، وناشط ممول، تشيع «البرودة» في الشوارع، حيث يلزم الناس بيوتهم، إما لحظر التجوال، الذي تفرضه السلطات بعد كل احتجاجات شعبية، أو خوفًا من عملاء الشرطة والخطف العشوائي، أو حتى خوفًا من المداهمات العشوائية للمنازل التي يتجمع فيها الشباب والفتيات بشكل حميمي لأغراض اللهو والمتعة. هذا ما فعلته السلطات المصرية في السنوات التالية لإقصاء الرئيس مرسي المنتخب عن السلطة، كي لا يعود الناس في النهاية ملتزمين سوى بالتزاماتهم العملية والدينية بداخل بيوتهم، حيث الغياب الكامل للحميمية، ما يسهّل السيطرة عليهم. وحتى لو ولدت محاولات لإقامة حركات ديمقراطية، يكون الفشل هو مصيرها الراجح.

في كتابه المذكور، وفي سياق سرده لتجربة ممارسة الديمقراطية الأفقية، يحكي ديفيد جرابر عن «الحميمية» التي اكتشفها أثناء تحضيره مع زملائه لمخيمات «احتلوا» في عدة مدن أمريكية، عندما يكتسب الناس الثقة، ويتحاورون لحل مشكلة تؤرقهم جميعًا. فيحكي عن الثقة والذكاء المتولدين عندما يشعر كل إنسان بفرديته، ويتبادلها مع الآخرين.

في النهاية، قمعت السلطات الأمريكية مخيمات حركة «احتلوا» المقامة على غرار مخيمات ميدان التحرير في ثورة يناير، وفوجئ جرابر بأن الشرطة تتعنت مع الحركات «الاجتماعية والداعية للديمقراطية» أكثر من تعنتها مع التظاهرات التي يقيمها المتشددون والمتعصبون دينيًا أو قوميًا، فيقول: «الأشخاص الذين يتظاهرون للتشدد، تعاملهم الشرطة بكل رفق مقارنة بهؤلاء ممن يتبنون منطقًا معاكسًا».

يضع جرابر يده على دور الانفصال بين الناس والناس، أي الغياب الكامل للحميمية والتقارب، في تقويض الديمقراطية التشاركية، حتى يصل الأمر في الجمعيات العمومية بشكل عام، كما يستشهد، لأن يعيش الناس حيوات منفصلة عن بعضهم البعض، ولأن يستخدموا الجمعية العمومية لأغراض بعيدة؛ الاستعراض مثلًا، وليس لحل المشاكل التي تواجههم، إلى درجة أنه أحيانًا عندما يكون الشخص مقتنعًا بـ«نعم»، فإنه يصوّت لـ«لا».

ولا يبتعد المجتمع الأمريكي كثيرًا عن المصري، فمجتمع يحيا الأفراد فيه منتظمين في أنماط اجتماعية وسياسية، تسهل السيطرة عليه، وتوجيهه لخدمة أهداف السلطة، لتصبح كل أشكال الحميمية من تجمعات فنية في الميادين والساحات، وروابط الشباب لتشجيع كرة القدم، والسهر في المقاهي والبارات، والتجمعات الكبيرة في بيوت الأصدقاء، كل أشكال الحميمية تلك، حتى لو لم يكن لها هدف سياسي، تتحول في حالة تحققها لثورة يقوم بها أفراد المجتمع ضد التنميط الذي يفرضه النظام، وإذا ما كثرت وتكاثرت فقد تشكل وقودًا لثورة اجتماعية سياسية كما حدث في الخامس والعشرين من يناير.

اعلان
 
 
أحمد شهاب الدين