عن حجاب وأقرانه: ابن الشعب السيّد
 
 

في عقد الثمانينيات الغائم، كنت ما زلت طفلًا في المرحلة الابتدائية؛ أعشق القراءة وأكتب الشعر متعثرًا ومتعقبًا خطى أخي الأكبر، أحب الموسيقى وأسمع عبد الحليم بتوحد ومحمد منير بشغف وعلي الحجَّار بعشق متنامٍ. ورغم إصراري على الكتابة بالفصحى، لدرجة انتقاد أخي كلما حاول كتابة قصيدة أو أغنية بالعامية، إلا أن أغاني هذا الزمن كانت تحمل وعودًا شعرية وطموحات أعجبت خيال الطفل المتثاقف الذي كنته.

لم يكن الراديو يقدم الكثير من أغاني ذلك الزمن، ولم تكن هناك إذاعة مخصصة للأغاني، فكان الكاسيت والتليفزيون المصدرين الأساسيين لمتابعة أغاني الفترة. ومن بين الأغاني التي كان يقدمها التليفزيون، كانت تترات المسلسلات تمثل لي مصدر إلهام وسحر خاص، وظللت لفترة أردد أغاني تترات مسلسلي «الأيام» و«النديم» دون معرفة كاتبيهما، لكن مسلسل «الشهد والدموع» على ما أعتقد كان هو بداية شغفي بمعرفة فريق العمل من غير الممثلين، تحديدًا الشاعر والملحن والمخرج، ومع الوقت غدا وجود اسم سيد حجاب على تترات المسلسلات سببًا أساسيًا بالنسبة لي لمتابعتها. وكان الراحل الكبير غالبًا ما يرضي هذا الشغف وينميه؛ «غوايش»، «اللقاء الثاني»، و«الشراع المكسور»، ومن قبلها «أبنائي الأعزاء شكرًا»، «لا يا ابنتي العزيزة»، و«عصفور النار»، حتى أني في بداية التسعينيات سعدت كثيرًا عندما اشتريت ألبومًا لعلي الحجار اسمه «زيّ الهوا»، وكان يضم أغاني المسلسلات الثلاثة؛ «غوايش»، «اللقاء الثاني»، و«الشراع المكسور»، بألحان وتوزيع عمر خيرت. في هذا الوقت كنت أحاول كتابة قصائد بالعامية على استحياء، وكانت محاولاتي الأولى كالعادة واقعة في أسر أساليب الشعراء الكبار، وكانت القصائد الأولى واقعة تمامًا في إسار العم سيد.

حجاب وجاهين

أذكر أنه في الأعداد الأولى لجريدة «الأهرام الرياضي» قرأت أول حوار مطول على عدة حلقات مع الشاعر الكبير، وكان الحوار ممتعًا ومدهشًا قدر سعة ثقافة الرجل. ونشرت له جريدة «الأخبار» ذات مرة «رباعيات البحر»، وكان علي الحجار قد غنى بعضها في مسلسل «الشراع المكسور». فما كان مني إلا أن قصصت الرباعيات – والتي كانت تضم صورة للعم سيد – من الجريدة، وظللت عمرًا محتفظًا بها داخل كراسة قديمة كنت أكتب فيها ما يعجبني من شذرات. وكانت إحدى هذه الرباعيات تذكرني دومًا برباعية أخرى لصلاح جاهين:

بحر الحياة مفتوح في كل اتجاه

فيه اللي تاه بين مال وسلطان وجاه

واللي ضميره هداه لشط النجاه

حقق رجاه لقى آخرة الضيق براح (سيد حجاب)

بحر الحياة مليان بغرقى الحياة

صرخت خش الموج في حلقي ملاه

قارب نجاة صرخت.. قالوا مافيش

غير بس هو الحب قارب نجاة

عجبي! (صلاح جاهين)

أشار إلى هذا التشابه الشاعر مهاب نصر في أحد تعليقاته على الفيس بوك بعد وفاة حجاب. ومن المعروف تمامًا الدور الذي لعبه صلاح جاهين في تقديم العم سيد، والذي لم يكن يترك مناسبة إلا ويعترف فيها بفضل الرجل عليه، وبأنه رغم تقديره الكبير للشاعر فؤاد حداد الذي شكل مع جاهين قطبي شعر العامية منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أنه يعدُّ نفسه من مدرسة صلاح. وربما نجد تجسيدًا واضحًا لهذا في قصيدة «عشر كلمات عند افتراق الطريق» التي كتبها حجاب يوم 5 / 7 / 1986 – أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من وفاة جاهين، وضمَّها ديوانه «نُصّ الطريق»، وأهداها «إلى صلاح جاهين الأب والصديق»:

إنت في كل مكان ولاَّ أنا

شايلك في قلبي غالي زيّ الضنا؟!

إكمن قلبك ياما لجلي انضنى

حين كنت بِكريك يا بِكري الغُنا

جذور شعر العامية

وقد كانت فترة الستينيات فترة خصبة أدبيًا، خاصة فيما يتعلق بظهور جيل جديد في الرواية والقصة والشعر؛ جيل ذي حساسية مختلفة وطموح كبير في تجاوز الأجيال الراسخة قبله بغض النظر عن مدى صحة جمع كُتَّاب ذوي خلفيات وأساليب ورؤى مختلفة في جيل واحد، أو تسمية «الجيل» أصلًا وفق العقد الذي ظهر فيه. وقد تميز هذا الجيل من شعراء العامية بوجود أسماء كبيرة فيه، يمكن أن نطلق عليها «نجوم الجيل»؛ شعراء قادمون مباشرة من مدن وقرى في الصعيد والدلتا، حاملين مفردات مختلفة وروحًا جديدة ولهجات مغايرة.

أعتقد أن هذا الأمر كان نقطة تحول مميزة في تاريخ شعر العامية المصرية، ذلك الشعر الذي نجد نماذج له تعود إلى العصر المملوكي قبل عودته إلى أرضه الأصلية مرة أخرى؛ أرض الأغاني الفلكلورية والتراث الجماعي، حتى يظهر في العصر العثماني اسم «ابن عروس» والذي يشكك البعض في وجوده أصلًا، أو في مصريته (عبد الرحمن الأبنودي)، رغم جهود باحثين وشعراء مثل الشاعر مسعود شومان الذي أكّد مصريته وجمع مربعاته وأصدرها منذ سنوات. لكن القرن التاسع عشر شهد ظهورًا جديدًا لشعراء يكتبون أزجالهم بالعامية وينشرونها، وربما كان أشهرهم ابن الإسكندرية وخطيب الثورة العرابية عبد الله النديم. وبعد الاحتلال الإنجليزي، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، شهد شعر العامية أو «الزجل»، كما حلا لسدنة الأدب الرسمي تسميته وارتضى كتابه أن يسموه، ازدهارًا في نشر دواوينه، سواء التي جمعها الباحثون الأجانب مثل «مجموعة أزجال مصرية» التي جمعها م. بوريان، مدير بعثة الآثار الفرنسية في القاهرة، ونشرها في باريس عام 1893، أو «الأغاني الشعبية المتداولة في مصر العليا» التي جمعها ودوّنها جاستون ماسبيرو، الذي عمل مفتشًا بمصلحة الآثار المصرية بين عامي 1900 و1914، أو الدواوين التي جمعها ونشرها أصحابها في الثلث الأول من القرن العشرين مثل دواوين أبو بثينة وخليل نظير ومحمود رمزي نظيم ورزق حسن رزق وعزت صقر وميلاد واصف، وبرز بينهم بشكل خاص الشاعران بديع خيري وبيرم التونسي. وكانت العامية المستخدمة هي عامية أهل المدينة، خاصة في القاهرة والإسكندرية، وإن قام بعضهم بكتابة بعض أزجالهم بلهجات متعددة محلية، مثل اللهجة الصعيدية أو الريفية، أو حتى بإدخال مفردات أجنبية، أو تقليد الأرمن واليونانيين والأتراك، حال استخدامهم للعامية المصرية. لكن يبدو أن الاهتمام بالتراث الشعبي الذي حدث بعد 1952، وتوجه السياسة الثقافية نحو الاحتفاء به، بالإضافة إلى زيادة أعداد المتعلمين، كانت كلها من العوامل التي ساهمت في الاحتفاء بالتجارب الشعرية العامية القادمة من الصعيد والدلتا، ومن بين هذه التجارب كانت تجربة الأبنودي وسيد حجاب اللذين حظيا بدعم وتشجيع القطب الجاهيني.

حجاب والأبنودي

سارت تجربتا حجاب والأبنودي جنبًا إلى جنب، وإن بدا الأخير أكثر شهرة ولفتًا للانتباه طوال الستينيات، بعد ذيوع أغانيه التي لحّن بليغ حمدي الكثير منها، قبل أن يختلفا وتتباعد بينهما السبل. ولم تحقق أغاني حجاب نفس الشهرة، رغم أن أغنيته «ياما زقزق القمري على ورق اللمون»، التي لحنها إبراهيم رجب وغناها المطرب ماهر العطار، حققت نجاحًا كبيرًا وقتها، لكن الشهرة كالعادة توجهت إلى الأغنية ومغنيها أكثر مما توجهت لكاتبها وملحنها.

اشترك الأبنودي وحجاب في كتابة برنامج إذاعي بعنوان «بعد التحية والسلام»، فكتب الأبنودي 15 حلقة وكتب حجاب 15 حلقة، وكما يقول سيد حجاب في حواره الهام مع الشاعر مسعود شومان والذي نشرته جريدة «أخبار الأدب» مؤخرًا، فقد اهتم الأبنودي بنشر ما كتبه في «بعد التحية والسلام»، في دواوين مطبوعة، بينما رأى حجاب أن مجرد إذاعة الحلقات كان كافيًا.

صدر الديوان الأول لكليهما عن نفس الدار، دار «ابن عروس» التي أسسها الباحث والشاعر سيد خميس بدعم من صلاح جاهين وبمساهمات الشعراء أنفسهم. وكما يحكي سيد حجاب في الحوار نفسه، فقد كان مقررًا أن يخرج ديوانه «صياد وجنيَّة» أولًا عام 1964، لكن لظروف خاصة تقرر البدء بإصدار ديوان الأبنودي «الأرض والعيال»، وتأخر إصدار ديوان حجاب إلى عام 1966.

لا أعرف، لكن هل يمكن أن يكون اهتمام الشاعر بمشروعه الفردي – وهو الأمر المنطقي والمفهوم تمامًا – هو ما حقق للأبنودي تلك الشهرة الكبيرة منذ بداياته؟

تشابهت الكثير من تفاصيل حياة شاعري العامية الكبيرين، حتى أن كليهما اعتقل لفترة بسيطة، لكن يبدو أن سيد غير المبالي بالنشر كان دائمًا ما يضع الكثير من اهتمامه في العمل الثقافي الجماعي، خاصة في فترة الستينيات، والتي رحل في آخرها تقريبًا إلى سويسرا مع زوجته الفنانة السويسرية إيفيلين بوريه التي تزوجها عام 1963 – كما يذكر الشاعر شعبان يوسف في مقاله بعدد أخبار الأدب نفسه. ويحكي سيد عن فترة «هججانه» إلى سويسرا وانضمامه كدراماتورجي لتجربة مسرحية وليدة هناك بعنوان «مسرح الخلق الجماعي»، والتي حاول تطبيقها مرة أخرى بعد عودته إلى مصر مع مجموعة من المسرحيين، كان منهم عهدي صادق وسعاد نصر وأحمد عبد الوارث وأحمد راتب، لكنها كما يقول ضُربت في أوائل السبعينات مع ضرب الحركة الطلابية في الجامعة.

بين العمل الفردي والجماعي

وظل هذا الاهتمام بالعمل الثقافي الجماعي ماثلًا في تجربة حجاب حين تولى رئاسة القسم الثقافي والأدبي لمجلة «الشباب» التي كان يصدرها الاتحاد الاشتراكي. وكانت تنعقد في هذه المجلة ندوة أسبوعية اشترك فيها عدد كبير ممن أصبحوا يسمون بعد ذلك بـ«شعراء السبعينيات»، مثل حلمي سالم ورفعت سلام وحسن طلب وأمجد ريان وعلي قنديل وماجد يوسف وعبد المنعم رمضان، والذين كوّنوا بعد ذلك مجموعتي «إضاءة» و«أصوات». وكان سيد حجاب بمثابة الأخ الأكبر والمرشد الروحي والثقافي للمجموعة في تلك الندوات التي كانوا يقرأون فيها نصوصهم ويناقشونها.

لكن يبدو أن نهاية السبعينيات شهدت بداية تركيز السيد على مشروعه الفردي، فأصبحت كتابة الأغاني الدرامية سواء لتترات المسلسلات، أو أغانيها الداخلية وأغاني المسرحيات، ثم تجربته في «ألف ليلة وليلة» التي قدمها علي الحجار مع المطربة سلمى بألحان أحمد الحجار خلال التسعينيات، بالإضافة لتجربة فوازير «حاجات ومحتاجات» مع شريهان وهما التجربتان اللتان لم تحققا النجاح المنشود ربما – علامة على الرجل، وأصبح الرجل علامة عليها، لدرجة أن البعض يخطئ وينسب أغاني مسلسلات مثل «النديم» و«رحلة السيد أبو العلا البشري» التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي إليه، في مفارقة فادحة مع ما شهدته بداية الرحلة.

في عام 2010 أصدر سيد حجاب ديوانه «قبل الطوفان الجاي»، الذي عده الكثيرون نبوءة بالثورة. وبعد 2013 كان عضوًا في لجنة الخمسين التي صاغت دستور 2014، وعُهد إليه بكتابة ديباجة الدستور، فكتب فيها أن «ثورة 25 يناير – 30 يونيو فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ البشرية (….) هذه الثورة إشارة وبشارة، إشارة إلى ماض مازال حاضرًا، وبشارة بمستقبل تتطلع إليه الإنسانية كلها (….) نحن المواطنات والمواطنين، نحن الشعب المصري، السيد في الوطن السيد، هذه إرادتنا، وهذا دستور ثورتنا

كان كأنه يُوقّع باسمه داخل الديباجة من طرف خفي، مثلما يُوقّع بطريقته المعهودة بين الكلمات ويلعب بالجناسات، وفي يوم ذكرى هذه الثورة المغدورة، مات!

اعلان
 
 
عبد الرحيم يوسف