عام على اكتشاف جثة ريجيني: القاهرة تحاول كسب الوقت وروما تواصل البحث عن مخرج
 
 

قال مصدر رسمي في القاهرة هذا الأسبوع إنه لا توجد ترتيبات جادة «حتى الآن، رغم الكثير من الآمال» للعودة لتبادل السفراء بين القاهرة وروما، بعد ما يقرب من عام على رحيل السفير الإيطالي، ومرور شهور على عودة السفير المصري من روما بعد أن أنهى مهمته.

ورغم الإعلان منذ الصيف الماضي عن ترشيح مصر لهشام بدر كسفير جديد في روما، فإن بدر ما زال حتى الآن يمارس عمله كمساعد لوزير الخارجية لشئون العلاقات الدولية متعددة الأطراف بمقر الوزارة في القاهرة. ولم تتحرك مصر رسميًا للحصول على موافقة اعتماد بدر من قبل الحكومة الإيطالية، وهو الأمر الذي أكدته مصادر دبلوماسية إيطالية قالت إن تبادلًا للسفراء لن يتم إلا عند حدوث ما أسمته «انفراجة» ما في ملف التحقيق في المصرع الغامض لباحث الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني، والذي يمر اليوم عام على العثور على جثته قرب طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي بعد أيام من اختفائه في الخامس والعشرين من يناير 2016.

وكانت الحكومة الإيطالية السابقة قد قامت باستدعاء سفيرها في القاهرة إلى روما للتشاور في شهر إبريل الماضي-  ثم تم إيفاده رئيسًا لبعثة إيطاليا في مقر الاتحاد الأوروبي- للإعراب عن غضبها مما وصفته مصادر إيطالية دبلوماسية في حينه بـ «التعامل غير المهني من جانب الحكومة المصرية مع قضية مقتل مواطن إيطالي ثم ظهور جثته وهي على قدر كبير من التشويه المفزع ملقاة على قارعة الطريق».

استمرار التعاون رغم غياب السفيرين

في الوقت نفسه أقرت المصادر في القاهرة وروما بأن التعاون الاقتصادي الذي كان قائمًا بين البلدين لا يزال مستمرًا، وكذلك التعاون الأمني، خاصة فيما يتعلق بملف الهجرة عبر المتوسط، وفي الملف السياسي فيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية، بما في ذلك الوضع في ليبيا، والذي يمثل أهمية لكل من القاهرة وروما، «دون تأثر لأن هناك مصالح كبيرة بين البلدين» بحسب دبلوماسيين مصريين وإيطاليين.

ولم تلجأ الحكومة الإيطالية إلى اتخاذ خطوات تصعيدية للمطالبة بكشف حقيقة مقتل ريجيني إلا بعد عدة أشهر من الاحتجاجات والضغوط المحلية التي قادتها أسرة ريجيني ووسائل إعلام ومنظمات حقوقية إيطالية ودولية.   

وقال مسئول حكومي إيطالي على اطلاع وثيق على ملف ريجيني والعلاقات المصرية-الإيطالية إن بلاده تنتظر أن تلتزم القاهرة بما وعدت به من استضافة قريبة، «نتصور خلال أيام وليس أسابيع»، لفريق من الفنيين المتخصصين من ألمانيا وإيطاليا ليقوموا بمراجعة شرائط كاميرات محطات مترو الأنفاق التي كان الأكاديمي الإيطالي يتردد عليها. وتشير المعلومات الشرطية المتاحة إلى أن آخر ظهور لريجيني وهو على قيد الحياة كان بالقرب من إحدى هذه المحطات.

كان النائب العام المصري نبيل صادق قد أصدر بيانًا، في يوم 22 يناير الماضي، قال فيه إنه وافق على طلب المحققين الإيطاليين بإيفاد فريق خبراء إلى القاهرة لاسترجاع البيانات من جهاز التسجيل الخاص بكاميرا المراقبة بمحطة مترو الدقي، ما اعتبره المراقبون تراجعًا عن رفض مصري سابق للطلب ذاته، حيث كان المحققون المصريون في مرحلة مبكرة من التحقيقات قد ردوا على الطلب الإيطالي بالقول بأن البيانات المخزنة على كاميرات مراقبة المحطة قد فُقدت.

التسريب الغامض

وعلم «مدى مصر» أن التراجع المصري بشأن استقبال الفريق الفني جاء على خلفية اتصالات غاضبة تلقتها القاهرة من روما في اليوم نفسه، بعد قيام «جهة ما في الدولة المصرية» باستخدام التلفزيون الرسمي للدولة لإذاعة مقطع مصور لحديث بين ريجيني وممثل عن نقابة الباعة الجائلين، يطلب فيه الأخير الحصول على مبلغ مالي للمساعدة الشخصية. وبحسب المقطع المسرب، فإن الطالب الإيطالي رد على ممثل النقابة قائلًا: «محمد، الفلوس مش فلوسي أنا مش ممكن استخدم الفلوس بأي صورة عشان أخدمك، ومش ممكن أكتب أني عايز استخدم الفلوس بصورة شخصية».

وقال دبلوماسي إيطالي لـ«مدى مصر» إن الشريط المسرب «تم تحريره بصورة متعمدة» في مسعى لتصوير ريجيني كـ«جاسوس»، وهو الأمر الذي دفع سلطات التحقيق الإيطالية لأن تقوم ببث «المقطع الحقيقي» لما كان التلفزيون المصري قد عرضه من خلال تسريبه لواحدة من كبريات الصحف الايطالية (كورييري دي لاسيرا) بعدها بساعات قليلة، ما سبب إحراجًا للسلطات المصرية منعها من إعادة إذاعة المقطع على شاشة التلفزيون المصري.  

وبحسب المصدر نفسه فإن «ما أذيع [في القاهرة] هو حوالي خمسة دقائق من أصل تسجيل يتجاوز الأربعين دقيقة وفيه ما يثبت تواصلًا مباشرًا بين رئيس اتحاد الباعة [الجائلين المصري] مع جهة ما كلفته بالتسجيل».

ودفع الغضب الإيطالي النائب العام المصري إلى إصدار بيانه التوضيحي في اليوم نفسه لإذاعة التسجيل المسرب في القاهرة، وقال فيه إن النيابة المصرية قد سلّمت الجانب الإيطالي في الاجتماع الأخير بين الطرفين، في ديسمبر الماضي، «اسطوانة مدمجة تضم تسجيلًا لحوار دار بين جوليو ريجيني وممثل الباعة الجائلين سجله الأخير في وقت سابق على اختفاء الطالب الإيطالي، والذي بموجبه تخلت الجهات الأمنية عن الاستمرار في متابعة المجني عليه لما تبين لها من قصور نشاطه عن حد المساس بالأمن القومي المصري»، بحسب نص البيان.

وكان النائب العام المصري قد أقر للجانب الإيطالي للمرة الأولي، في سبتمبر الماضي، بخضوع ريجيني للرقابة الأمنية في القاهرة، عقب بلاغ تقدم به نقيب الباعة الجائلين محمد عبد الله إلى الجهات الأمنية، وذلك على الرغم من نفي الجهات الأمنية رسميًا، في فبراير من العام الماضي، أن يكون ريجيني قد خضع لأي شكل من أشكال المراقبة الأمنية.

مصير التحقيقات

المسئول الإيطالي المتابع للملف قال إن هناك أسبابًا تدعو للتوقع بأن الحكومة المصرية ربما ستكون جادة، وأخرى تدعو للتوقع أن السلطات المصرية ربما تستمر في المماطلة. وأضاف شارحًا أن مما يدعو لتوقع الجدية هي اللقاءات «الإيجابية إجمالا» التي أجراها النائب العام المصري في إيطاليا عبر الشهور الماضية مع نظيره الايطالي ومع عدد من المسؤولين المعنيين وأيضا مع أسرة ريجيني التي لم تصدر بيانًا متشددًا حول اللقاء.

ويقر المصدر المصري بأن هناك آراء مختلفة داخل المؤسسة المصرية حول الخطوة القادمة في التعامل مع الجانب الإيطالي.

غير أن المسئول نفسه ذكر أن مما يدعو «للتحسب»، إلى جانب واقعة تسريب الشريط الممنتج الشهر الماضي، «خبرة التعامل مع السلطات المصرية في هذا الشأن والتي تمتلئ بمحاولات لا نهائية للتحايل والمماطلة على أساس تصور سبق وأن أبلغنا المسئولين المصريين أكثر من مرة أنه لن يجدي»، مضيفًا أن البعض في القاهرة «يتصور أن قصة ريجيني ستخبو ثم ستذهب، ونحن في روما نعلم أن هذا لن يحدث، فهذا التزام الحكومة وهذا أيضًا التزام الاسرة بل هو التزام الرأي العام الإيطالي الذي تحرك في الخامس والعشرين [من يناير] ليتذكر ريجيني والذي ربما يتحرك أيضًا في الثالث من فبراير، كما وأن الإيطاليين كفوا عن القدوم لمصر للسياحة رغم عدم وجود حظر من السلطات الايطالية ورغم الولع الإيطالي [في السابق] بشواطئ مصر على البحر الاحمر وخاصة شرم الشيخ» بحسب المسئول.

وكان وزير الخارجية الإيطالي في الحكومة السابقة، وهو رئيس الحكومة الحالية، قد صرح في أكثر من مناسبة- كان آخرها قبل أيام قليلة في الخامس والعشرين من يناير وهو في منصب رئيس الوزراء- بأن بلاده لن يهدأ لها بال قبل أن يتم الكشف عن الحقيقة بشأن ريجيني. كما أن وزير الداخلية في الحكومة السابقة، والذي يتولى الآن ملف الخارجية، قد أدلى بتصريحات مماثلة أثناء توليه لكلا المنصبين.

كاميرات المترو

بحسب المصادر المصرية والإيطالية المتطابقة، فإن الحكومة المصرية لم تلتزم بتاريخ محدد لاستقبال فريق الفنيين الإيطاليين والألمان. المسئول الحكومي المصري المتابع للملف -والذي اشترط عدم الكشف عن هويته- قال إن هناك تقديرات مختلفة في القاهرة بشأن التاريخ الأمثل للسماح بقدوم هذا الفريق، فضلاً عن نقاش حول المدى الذي سيسمح من خلاله لهذا الفريق الفني بحرية التعامل مع شرائط كاميرات مترو الانفاق، وأيضا عن المدة الزمنية لهذه التسجيلات، وما سيكون عليه رد الفعل المصري لو أن الفنيين الأعضاء في هذا الفريق قدموا «مطالب مبالغًا فيها بحسب تقديرات أجهزة الأمن».

ويقر المصدر المصري بأن هناك آراء مختلفة داخل المؤسسة المصرية حول الخطوة القادمة في التعامل مع الجانب الإيطالي، وأن هناك نقاشًا عميقًا -وربما غير ودود- بين أجهزة الدولة المعنية بشأن من سيتم تحميله تبعة هذا الملف.

البحث عن مخرج

أيًا كانت نتيجة التحقيقات والعمل الفني، فإن مصادر الجانبين تقر بأن إيطاليا أظهرت قدرًا معقولًا من «الواقعية السياسية»، خاصة في الربع الأخير من العام الماضي، لتشجيع الطرف المصري على استمرار التعاون وصولًا إلى حل للأزمة الدبلوماسية القائمة. وكانت أبرز مظاهر تلك الواقعية هي التعبير الصريح للجانب المصري أن روما على استعداد للفصل «بين العمل الشرطي وبين المسؤولية السياسية أو التنفيذية»، في إشارة إلى استعداد الجانب الإيطالي للقبول بتقديم المتورطين الفعليين إلى العدالة -«من قام بالتوقيف والتحقيق والانتهاك» بحسب مصدر دبلوماسي إيطالي في روما- وليس بالضرورة من منحهم الأوامر.

كما أن روما قبلت تأكيد القاهرة على أن الحكومة المصرية لن تسمح بسفر أي متهم للتحقيق أو الخضوع للمحاكمة في إيطاليا، وهو ما قال المسؤول المصري إنه «شأن غير خاضع أصلًا للمناقشة»، فيما ذكر الدبلوماسي الإيطالي أن حكومة بلاده ستقبل بأن «يأتي المحققون للقاهرة وأن يكون لهم حق الاستجواب المنفرد».

وعبرت مصادر الطرفين عن الأمل في أن تشهد الشهور الأولى من العام الحالي قدرًا كافيًا من التقدم، بحيث لا يحل شهر إبريل المقبل بدون تبادل للسفراء.

تم تحديث هذا المحتوى في الخامسة من مساء السادس من فبراير لتعديل عبارة وردت على لسان المصدر الحكومي المصري. 

اعلان
 
 
أسمهان سليمان