تراجع البحث في العلوم الاجتماعية.. سؤالا المال والسياسة
 
 

تدرس غدير أحمد الماجستير بقسم دراسات النوع الاجتماعي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث تمثل لها الدراسة في هذا القسم ضرورة لتطورها الشخصي والمهني، بعد أن أسست مبادرة «ثورة البنات»، وهي مجموعة نسوية إلكترونية مستقلة، تهدف لوقف التمييز ضد النساء.

بدأت غدير دراستها في عام 2015، واضطرت لإنفاق كل مدخراتها -التي بلغت وقتها 51 ألف جنيه- كي تبدأ دراسة برنامج اللغة الإنجليزية والمواد التمهيدية اللازمة للالتحاق بالقسم. وحينما تقدمت للحصول على تخفيض في المصروفات كجزء من برنامج المساعدة المالية الذي تقدمه الجامعة، حصلت فقط على تخفيض بلغ 20% من قيمة المصروفات، وهي النسبة التي كانت تصل إلى 50% قبل عام 2013.

مع الارتفاع المتوقع في المصروفات الدراسية بعد قرار تحرير سعر الصرف، والذي قد يصل إلى 30%؛ لا تعرف غدير كيف سيمكنها الاستمرار. فبالإضافة إلى تخفيض نسبة المساعدة المالية، توجد زمالات محدودة للغاية في القسم الذي تدرس به، توضح: «المِنَح في القسم قليلة جدا، ومع الزيادة المتوقعة في المصروفات، سيستحيل عليّ الاستمرار في الدراسة».

من بين قرابة 50 منحة لدراسة الماجستير في الجامعة، تُقبل عشر طلبات للزمالة فقط من الطلبة الراغبين في دراسة العلوم الاجتماعية، معظمهم للراغبين في دراسة التعليم والقانون. بينما تركز باقي الزمالات على تخصصات في العلوم والهندسة والاقتصاد وإدارة الأعمال.

وتشمل العلوم الإجتماعية دراسة التخصصات المتعلقة بالمجتمعات الإنسانية، بداية من العلوم السياسية، مرورًا بالعلوم الإنسانية وعلم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ والأدب والآثار.

تقول غدير إن اهتمام الجامعة بتدريس العلوم الاجتماعية يقل بمرور الوقت: «تعتبر الجامعة دراسة العلوم الاجتماعية ديكور، في بعض الأحيان يُلغى تدريس بعض المواد الدراسية، لأن الطلاب المقيدين في المادة قليلون، ولا يوجد مال كاف لدفع مرتبات الأستاذ الجامعي والمعيدين. بالطبع يؤثر ذلك على جودة التعليم الذي نتلقاه».

    لا توجد معلومات معلنة عن الإنفاق على البحث العلمي في التخصصات المختلفة داخل الجامعة الأمريكية، لكن دليل الجامعة لعام 2016-2017، يبيِّن أن الجامعة تعتمد بشكل كبير على المنح والهبات لتغطية الإنفاق على البحث العلمي. أوضح الدليل أن المنح والهبات التي حصلت عليها الجامعة قد انخفضت بين عامي 2012 و2016، إلا أن النسبة التي حصل عليها البحث العلمي من هذه المنح والهبات؛ ارتفعت بشكل ملحوظ في نفس الفترة. رغم انخفاض هذه النسبة من 31% في 2015 إلى 21% في 2016.

بالإضافة إلى ذلك، تدعم الجامعة البحث العلمي لمراحل ما قبل التخرج. فطبقا للدليل ذاته، تنفق الجامعة قرابة الثلاثين ألف دولار على البحث الجامعي في مرحلة ما قبل التخرج منذ 2013، حيث يستحوذ البحث العلمي في مجالات العلوم والهندسة على 66% من الميزانية، بينما تحصل العلوم الإجتماعية على 15% فقط من الميزانية.

ورغم ذلك؛ يقول عميد كلية التربية بالجامعة تيد بيورينتان: إن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر لا تعني بالضرورة دفع الطلاب بعيدا عن دراسة العلوم الاجتماعية، أو تقليل الإنفاق على الدراسة في تلك المجالات. رائيًا أن «كل البرامج ستتأثر بشكل مؤقت، حتى يستطيع الكل التعافي من (صدمة) تعويم الجنيه»، مضيفا: «لدينا برنامج منح ومساعدات مالية رائع، ولدينا زمالات لطلبتنا، ولدينا متبرعين وممولين يستطيعون ملء هذه الفجوة [الناتجة عن التعويم] بشكل كبير، وهذا سيساعدنا في الفترة المقبلة. ولا أعتقد أن هذه الأزمة قد تبعد الطلبة عن دراسة العلوم الاجتماعية والاتجاه نحو الهندسة وإدارة الأعمال بشكل أكبر مما هو عليه الوضع الآن».

ويرى بيورينتان أن خريجي الجامعة الأمريكية الذين يدرسون الأدب وباقي التخصصات غير العلمية ما زالوا يترأسون الهيئات الكبرى، ويعملون كمستشارين لصانعي القرار: «هم ليسوا أقل التحاقًا بسوق العمل، ويحصلون على الكثير من المال».

لا وقت.. ولا مال للمجتمع

يدرس أحمد خير ماجستير النوع الاجتماعي والتنمية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ويقول أن تكلفة الدراسات العليا في مصر عالية للغاية، حتى في الجامعات الحكومية.

يدفع خير 27 ألف جنيه سنويا في هذا البرنامج، وهو ما يراه مكلفًا للغاية، مقارنة بأقسام أخرى في الكلية نفسها. حيث لا تتعدى تكاليف الدراسة في أغلب الأقسام مبلغ عشرة آلاف جنيه سنويا، على حد قوله.

توقع تقرير سابق لـ«مدى مصر» ارتفاعًا كبيرًا في مصروفات الدراسات العليا بالجامعات الحكومية، حيث تتطلع الجامعات لهذه الزيادة كمصدر محتمل لزيادة الموارد المالية. يقول خير: إن الطلاب أصبحوا أكثر اهتماما بدراسة التخصصات المرتبطة باحتياجات السوق، وهي تخصصات بعيدة عن العلوم الاجتماعية، مضيفا: «قارني بين عدد الطلبة المقيدين ببرامج الماجستير في العلوم الاجتماعية، بزملائهم الملتحقين ببرامج ماجستير إدارة الأعمال. الطلبة بالسنة الرابعة بكلية التجارة يتهافتون على التخطيط للالتحاق بها، لأنهم يعرفون أن الحصول على هذه الدرجة يعني مرتبات أعلى وفرص عمل أفضل».

ويرى خير أن العزوف العام عن دراسة العلوم الاجتماعية يؤدي إلى تدهور جودة البحث العلمي في هذا المجال، وهو ما دعمه تقرير عن المرصد المصري للعلوم والتكنولوجيا والابتكار (مركز بحثي حكومي تابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي). وبينما لم يحدد التقرير نسبا محددة للإنفاق على البحث العلمي في كل التخصصات والمجالات، إلا أنه يشير إلى نقص واضح في البحث العلمي في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، بالمقارنة بمجالات أخرى مثل الطب والهندسة والكيمياء. ويشير التقرير إلى المجالات المحتملة للتميز في البحث العلمي في مصر، معظمها في الطب والعلوم والهندسة. بينما تُعتبر الآثار هي التخصص الوحيد من مجالات العلوم الاجتماعية، التي تحمل تميُزًا في البحث العلمي.

وعلى الرغم مما أوضحه التقرير من أن 51% من الطلبة الملتحقين بالجامعة في مصر هم من دارسي العلوم الاجتماعية؛ إلا أن نسبة المتقدمين للدراسات العليا فيها لا يتعدون 15 % فقط من مجموع طلاب الماجستير والدكتوراه.

وأشار التقرير إلى أن الباحثين المصريين يعتمدون على جهات حكومية في تمويل بحوثهم، بشكل أكبر من جهات المنح الدولية. وفي هذا الصدد، كان صندوق تطوير العلوم والتكنولوجيا وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا هما المؤسستان الحكوميتان اللتان تمولان البحث العلمي بشكل كبير في مصر، وكلاهما يقع تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ويركزان بشكل كبير على تمويل المشاريع البحثية في المجالات العلمية.

ويركز صندوق تطوير العلوم والتكنولوجيا على التمويل المباشر للمشاريع البحثية، حيث يعتبر المركز القومي للبحوث  أكبر مؤسسة يمولها الصندوق، وحصل المعهد الذي يتميز بأبحاثه في مجالات الزراعة والكيمياء والهندسة -طبقا للتقرير- على 225 مليون جنيه في عام 2014.

علوم «غير مرغوب فيها»

تقول هدى الصدة، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، إن مصر تأثرت بظاهرة عالمية، أصبح فيها التعليم مؤسسة ربحية، ولم يعد وسيلة للتطور الذاتي والفكري، ولكن أداة تستجيب فقط لآليات السوق. «تأثير هذه الظاهرة أقوى بكثير في مصر، بسبب سوء أحوال التعليم في مصر من الأساس».

أشارت الصدة لنفس الظاهرة في مقال لها بجريدة الشروق عام 2012، بعنوان «الليبرالية الجديدة والعدوان على الجامعات». تقول الصدة؛ إن دور الدولة في دعم التعليم قد تراجع كثيرا منذ التسعينات. ففي عام 1992، صدر قانون يسمح بإنشاء جامعة خاصة هادفة للربح، وفي 2002 صدر قانون مشابه لتنظيم بناء الجامعات الأجنبية الخاصة، التي تراها أستاذة الأدب الإنجليزي «مشاريع استثمارية». قالت الصدة وقتها: «فلا يمكن أن تكون الجامعة، بالمعنى الحقيقى للجامعة، ــ أى الجامعة باعتبارها مكانا أصيلا لإنتاج المعرفة النظرية والعملية، ومكانا لتنمية التفكير النقدى والقدرات المبدعة عند الطلاب، مكانا لدعم الأبحاث والتفكير الخلاق ــ لا يمكن أن تكون مشروعا هادفا إلى الربح بل هي بالضرورة مشروعا قوميا بالدرجة الأولى، يتولاه ويضطلع على تنفيذه الأفراد والمجتمع والدولة».

لم تتغير نظرة الصدة منذ حينها، حيث أضافت لمدى مصر أن دراسة العلوم الاجتماعية هي الضحية الأولى لمثل هذه السياسات، ما يعني تضييق المجال أمام قنوات التفكير النقدي التي تستطيع تحدي هذه السياسات في الأساس: «لو درس كل الطلاب إدارة الأعمال والعلوم وابتعدوا عن العلوم الاجتماعية، لن يكون لدينا الناقدين الاجتماعيين الذين يمكنهم تغيير هذا الوضع».

 

جرافيتي جوليو ريجيني في شارع محمد محمود، القاهرة - المصدر: صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية

   لكن هذه السياسات التي تدفع نحو جعل التعليم مشروعا استثماريا، لا تعود فقط لأزمات متعلقة بمشاكل داخل تخص النظام التعليمي والجامعي؛ ولكن يمكن ربطها بالوضع السياسي. فحينما عُثر على جثة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني ملقاة في طريق صحراوي منذ عام مضى، تصاعدت التكهنات حول ارتباط مقتله بقوات الأمن، بسبب عمله البحثي حول الحركة العمالية في مصر.

وتؤكد أستاذة علوم الإنسانيات بالجامعة الأمريكية ريم سعد على هذه الفكرة: «من الطبيعي جدا أن يكون التركيز على أقسام مثل إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو الهندسة والعلوم، ولكن هذا مرتبط بالمناخ العام». تحديدا، تشير سعد إلى البيئة السياسية التي لم تعد متقبلة لأي نوع من البحث العلمي النقدي، وهو حجر الأساس للبحث في العلوم الاجتماعية. وأشارت في هذا الصدد إلى تعديل في قانون العقوبات عام 2014، الذي  يقضي بمعاقبة متلقي التمويل الأجنبي بالسجن المؤبد فضلاً عن الغرامة المالية. تقول: «التمويل مهم جدا للبحث العلمي. استهدف هذا التعديل في الأساس منظمات حقوق الإنسان، لكنه أيضا يؤثر على الباحثين، وعلى أي شخص يحاول إجراء بحث اجتماعي جاد ونقدي».

تتفق الصدة مع هذه الأطروحة، مضيفة أن الحريات الأكاديمية والعمل في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية يتأثران بشكل واضح حينما يتم قمع الحريات المدنية والسياسية. «حينما نتحدث عن تهديدات للبحث العلمي، هذا يعني تهديد واضح للبحث في مجالات مثل التاريخ والفلسفة والاجتماع أكثر من البحث في العلوم التطبيقية والهندسة. يضيق المجال العام بشكل أكبر، والجامعات هي نموذج مصغر لما يحدث في المجتمع».

يؤثر المجال العام المغلق أيضا على البحث الميداني، وكما يقول خير، دراسة العلوم الإجتماعية هي دراسة القضايا المثيرة للجدل، مضيفا: «هناك تضييقات عديدة على البحث الأكاديمي. فالمجال المتاح للباحث في العمل الميداني محدود وصعب جدا، خاصة حينما يتطلب البحث معايشة الباحث للأشياء والأشخاص الذين يدرسهم” على حد قوله».

وتقول الصدة: أنه بجانب أهمية العلوم الاجتماعية لدعم التطور الفكري والنقدي، فإنها أيضا هامة للتنمية الاقتصادية: «تتيح العلوم الاجتماعية توفير المعرفة والمعلومات في مسارات التنمية المختلفة بشكل مباشر أو غير مباشر. البحث الإجتماعي مهم أيضا لتقديم الاستشارات فيما يخص سياسات الدولة وتوجهاتها في مختلف المجالات مثل التنمية والتعليم والاقتصاد، فلا يمكن اعتبار دراسة العلوم الاجتماعية مجرد رفاهية».

يُنشر هذا التقرير بالتعاون مع مؤسسة الفنار للإعلام.

اعلان
 
 
مي شمس الدين