آليات التلاعب والإقناع في خطاب الإعلام والسلطة

مقدمة

في منتصف العام 2014، وبعد مرور سنوات ثلاث أو ما يزيد قليلًا على الحراك الثوريّ الذي بدأ في الخامس والعشرين مِن يناير لعام 2011، والذي تخللته تقلبات كثيرة على الساحة السياسية، اختارت النسبة العظمى من الناخبين المصريين المشاركين في الاقتراع على الرئيس المنتظر، أن تنحاز إلى المؤسسة العسكرية ومرشحها، برغم الميراث الطويل الذي لا ينبئ بحكم رشيد أو بعدالة ناجزة أو برفاهة تدق الأبواب دقًا. تجاهل الناخبون تاريخًا مِن الحكم العسكري يدركون حتمًا أنه لم يخلْ مِن أوجه فساد وقمع متعددة، وصوتوا لإعادة إنتاج حُقب لم يكونوا عنها راضين، أو هكذا بدا، فما نحى بهم إلى هذا الاختيار؟

عودة سريعة ومختصرة إلى الوراء تبرز الأحداث التي تعاقبت على الساحة السياسية المصرية في السنوات الست الماضية، والتي انتهت إلى حزمة من الاختيارات الصعبة؛ لقد تولى المجلس العسكري إدارة البلاد بعدما تنحي الرئيس السابق مبارك، بحيث امتد الخط على استقامته، ليصبح المجلس خير خلف يسير على صراط سلفه، ثم أجريت الانتخابات الرئاسية بعد مناوشات قصيرة الأجل بين المجلس والطليعة الثورية، فجاءت الصناديق بالرئيس المدنيّ الأول في التاريخ المصري محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكن مرسي لم يلبث أن غُيِّب عن المشهد بيد المؤسسة العسكرية المدعومة شعبيًا، بعد فشله في السيطرة على مقاليد الأمور، ليتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا السلطة لعام واحد تقريبًا، ثم تُجرَى انتخابات رئاسية جديدة تحمل وزير الدفاع ورأس المؤسسة العسكرية إلى سدة الحكم.

بقدر ما كان نجاح المرشح القادم رأسًا من المؤسسة العسكرية أمرًا متوقعًا، فإنه ظل أيضًا باعِثًا على الجدل والتأمل والدراسة

ثمّة تساؤلات عدة تجدر إثارتها بشأن التذبذبات الفكرية والموقفية والتطورات المزاجية، التي وجهت الناس بمختلف انتماءاتهم السياسية والطبقية على مدار السنوات الفائتة، فمِن مزاج ثوريّ ملتهب وعزم على التغيير وصحو لا يمكن إنكاره، إلى خمول وانكسار ورضاء بأقل القليل، أو فلنقل رضاء بالعودة إلى نقطة صفرية، بحيث تتراكم أسباب المعاناة على المستويات كافة مِن جديد.

بقدر ما كان نجاح المرشح القادم رأسًا من المؤسسة العسكرية أمرًا متوقعًا بل ومسلَمًا به، فإنه ظل أيضًا باعِثًا على الجدل والتأمل والدراسة، وبقدر ما بدا منطقيًا فإنه أثار زوابع من الجدل لم تخمد حتى لحظات الكتابة، وقد قدم المستاؤون مما آلت إليه الأوضاع تفسيراتهم الخاصة، بينما قدم المؤيدون والداعمون للمسار الراهن ما لديهم من حجج وأسباب، والحقُّ أن عوامل متعددة شاركت في صياغة الواقع على صورته الحالية، لا يمكن انتقاء عامل واحد منها وحذف ما دونه. بعض هذه العوامل قد ينسحب على شرائح المجتمع جميعها، متجاوزًا ما هو خاص بالظرف الاجتماعي والاقتصادي إلى ما هو موروث ومتجذر في الثقافة والعادات التي تشكلت على مر عقود، والبعض الآخر يمكن أن نجد صداه في طبقة أو فئة بعينها بغير أن يتجاوزها إلى أخرى. على كل حال يمكننا أن نعدد إجابات متنوعة في مواجهة السؤال الأساسي، حول العوامل والضوابط الحاكمة التي وجهت الجماهير، وبصيغة أكثر مباشرة: كيف ولماذا عادت المؤسسة العسكرية المصرية لتتصدر المسرح السياسيّ؟

أما عن موازين القوة والسلطة والنفوذ وحضور المصالح الاقتصادية الكبرى فأمور تحتاج إلى أبحاث مستقلة، وأما عن ألاعيب السياسة ودهاليزها، فتلك تمتزج ولابد بخصائص وخصال اللاعبين سواء وقعوا موقع الفاعل أو موقع المفعول به، وعليه يمكن الحديث عن ميول الناس المتأصلة، بل وربما الفطريّة، إلى انتهاج الطريق الأسهل، ورغبة الكثيرين في الركون إلى الشكل الأبوي الصارم في إدارة الأمور، وتفضيل التوحد مع السلطة والوقوف إلى جوارها في خندق واحد بدلًا من الوقوف في مواجهتها، والنزوع إلى استعادة ما هو مألوف خوفًا مما هو مجهول، والدفع بمسألة غياب البدائل، وغير هذا وذاك الكثير.

حول الإجابات المطروحة

الاستسهال

تقع مسألة الاستسهال موقعًا شديد الأهمية من محاولة فهم الدوافع النفسية والاجتماعية التي تحرك قسمًا معتبرًا من الجماهير، وإذ تبدو الكلمة عامية، شعبوية لا أساس علميّ لها ولا تنظير يعول عليه، فإن مضمونها يمثل على العكس من الإيحاءات السابقة، مفتاحًا لفهم كثير من التحولات الجذرية التي شابت السلوك الجمعي للمواطنين، والتي حسمت الصراعات الكبرى على السلطة.

يشير مفهوم «الاستسهال» إلى انتقاء الوسائل التي لا تستوجب بذل الجهد المضني في الوصول إلى الهدف، ورغم أن انتهاج الطريق الأسهل لا يحقق دومًا كامل الأهداف، ورغم أن عواقبه قد تكون وخيمة على المدى الطويل، لكننا حين «نستسهل» أمرًا ما، فإننا لا ننظر لما هو آجل، بل للآني الذي يمكننا أن نتحسسه وأن نلمسه بأيدينا. هكذا جرى الأمر في العام 2011، حين لم يتشبث المحتجون بتطبيق نص الدستور، وقبلوا بنقل السلطة للمجلس العسكري وانفضت الجموع إلا قليلًا، وهكذا أيضًا جرى في الثلاثين من يونيو لعام 2013، حين استنجد الناس بالمؤسسة العسكرية فاستدعوها لتخليصهم من حكم كان أدنى من طموحاتهم، رافعين رايات الاستسلام. في المرتين اختار الناس الطريق الأسهل الذي يحقق حدًا أدنى مِن المطالب بغير أن يجشمهم مزيدًا من العناء والمقاومة.

عصفور في اليد

كان الهدف الذي صدحت به شعارات المحتجين هو إسقاط النظام، ولما لاح الثمن بمرور الوقت كبيرًا، أكبر من تصورات الجموع التي احتلت الشوارع والميادين، ولما بدا أن ثمة مكاسب صغرى يمكن الحصول عليها مع تجنب دخول معارك حقيقة موجعة، وأن التغيير الجذري الشامل الذي يسحق أعمدة النظام فلا يبقي على شيء منها ولا يذر لمن الصعوبة بمكان، جاءت لحظة المكاشفة وإعادة الحسابات ومن ثم اتخاذ القرار، فالمكتسبات المحتملة قد لا تستحق الثمن الضخم المطلوب. من يجد قوت يومه ويمضي إلى حال سبيله «مستورًا» بالتعبير التقليدي، لا يفضل في العادة أن يجازف ولا أن يدفع الكثير، خاصة في غياب ما يضمن له المقابل المجز. يبدو التشخيص السابق أقرب إلى الانطباق على جموع الطبقة الوسطى منه إلي جموع الطبقات الدنيا، فمن تخطى حدود الفقر المدقع وقبع تحتها، لا يملك ما يخاف عليه، وهو لا يمضي «مستورًا» في الأحوال كافة، والمقابل مهما لاح باهظًاربما يستحق بالنسبة له التضحية.

كفة السلطة دومًا أرجح

هكذا يمكن الانتقال إلى إشكالية الرغبة العارمة التي أبدتها الطبقة المتوسطة تحديدًا القطاعات الأكبر عمرًا والأكثر استقرارًافي الحفاظ على المكانة والميزات التي تحوزها، والتي قد تتراجع أو تتضاءل حال تبدل السلطة. ثمة صراع نشأ هنا بين احتمالين قد يؤدي الحراك الثوري إلى أحدهما؛ احتمال الحصول على ميزات جديدة أفضل عبر محاربة الفساد الضارب في جذور الدولة وأجهزتها، واحتمال فقدان الميزات الموجودة واهتزاز المكانة مع استبدال الأولويات في النظام الجديد، الذي ربما يهتم بخدمة الطبقات الدنيا، مقدما إياها على الوسطى التي تُحرم بالتبعية مِن الترقي.

البحث عمن يتحمل المسئولية

عامل لا يمكن أبدًا تجاهله في ظل مجتمع أبوي عتيد، يضع الأمان قبل الحرية، ويجعل من حضور الأب المتسلط المسيطر قيمة أهم مِن قيم الندّية والاستقلالية، لقد تبلور أداء الأبناء قليلي الخبرة الشاعرين بالضياع في غياب الأب سريعًا، وتكثف مع عدم اتضاح الرؤية وغياب خطة مستقبلية لدى الثائرين، حتى لقد تكونت حركات مهمتها الاعتذار للوالد الذي جحده أولاده.

يلاحَظ أن وجود العائلة والتزام الأب بمسؤولية الأبناء، نمطٌ شِبه مُقدس في الطبقة المتوسطة، على العكس من الطبقات الدنيا التي تنحو إلى تحميل كل فرد مسئولية نفسه ربما منذ الصغر /الطفولة، حيث يخرج الكل إلى العمل. على كل حال فإن الأبناء يعتمدون على الأب في تصريف عديد شؤونهم بينما الأب نفسه يبحث عن أب أكبر وأعظم لتصريف شؤونه وشؤون الوطن أيضًا، ومن ثم فإن التمرد على أي صورة من صور «الأب» لا يقابل في العادة بالرضاء والاستحسان بل بالشجب والضيق، حتى أنه يُعَدّ تجاوزًا أخلاقيًا يستوجب التأديب. لا يحبذ المجتمع إلى حد بعيد إرساء علاقة ندية بين المواطن والدولة أو المواطن والحاكم أو المواطن والنظام، فالمواطن يقع عادة موقع الابن القابل للتعنيف والتخويف والعقاب بينما السلطة لا تخضع لأي مُحاسبة.

هكذا لقي الحِراك الثوري الساعي إلى خلخلة السلطة الأبوية منذ بدايتهرفضًا أخلاقيًا وقيميًا من كثير الفئات التي تجاوزت غالبيتها مرحلة الشباب، وقد انعكس هذا الرفض في مواقفها اللاحقة، حيث دعمت إعادة إنتاج صورة الأب القوي المتحكم في سير الأمور من خلال تأييد حُكم المجلس العسكري ثم حكم وزير الدفاع، في حين لم يحظْ الرئيس المدني مرسي بالمهارة والقوة الكافيتين لملء الإطار الفارغ.

خطاب السلطة وآليات التلاعب والإقناع

تتداخل العوامل فيما بينها لتؤثر على اختيارات الفرد، بعضها، كما أسلفت، عوامل اجتماعية، وهناك أخرى اقتصادية وثالثة نفسية، ولا شك أن للخطابات المختلفة التي تتولد في فضاء الكلامي، أثرًا كبيرًا في تشكيل وعي المواطنين ومن ثم توجيه أفعالهم وتصرفاتهم. من هذا المنطلق يمكن تمييز خطابي السلطة والإعلام على أنهما مِن العوامل شديدة التأثير، ويلاحظ أنهما أحيانًا ما يتحدان على هدف مشترك وأحيانًا ينفصلان فيناقض كل منهما الآخر، بل وربما يعمل على هدمه، كما يلاحظ أيضًا أن ثمة مساحة مشتركة لا يمكن عزوها خطابيًا إلى أحد الطرفين وحده، فالشعارات التي تملآ الشوارع، مرصوصة على لافتات ضخمة، يكررها مذيعو الراديو ومحاورو البرامج المرئية، هي في بعض الأحوال مقتطفات من خطاب رئيس الدولة أعيد إنتاجها إعلاميًا، ولا يتضح بصورة قاطعة إن كانت اللافتات تتبع مثلًا الحي أو وزارة الثقافة أو مجلس الإعلام أو مؤسسة الرئاسة، أم هي بإيعاز من جهاز أمني، أو ما غير ذلك من فرضيات.

على مدار السنوات الماضية أدى خطابا الإعلام والسلطة أدوارًا متباينة؛ سواء في شحذ همة المواطنين ضد أشخاص بعينهم وحشد الجموع وتأليبها على طرف من الأطراف المتصارعة، أو دفع المواطنين لدعم ومساندة أطراف أخرى، ومن البداهة أن منتجي الخطابين لجأوا إلى ما أمكن من آليات وأدوات يفترض بها أن تيسر لهم النجاح في مهماتهم، وتمكنهم من السيطرة على الجماهير وقيادتها. على هذا، يمكن إيجاد علاقة ما بين المواقف التي اتخذتها الجماهير من ناحية، والمحتوى الخطابي المذكور من ناحية أخرى، وفيما يلي محاولة لتقصي بعض الانعطافات السياسية المهمة، واستجابات الجماهير الحاسمة إزاءها وما يقابلها مِن آليات تلاعب وإقناع، حفل بها خطابي السلطة والإعلام؛ مع السعي نحو تحديد هدفها وتوضيح كيفية تحقيقه.

ولكي أكون أكثر دقة عند استخدام كلمة «الجماهير»، ينبغي الإقرار بأن بعض الآليات المستخدمة في الخطابين قد تكون مناسبة للتأثير على فئة من المواطنين دون الأخرى، إذ ربما تجتذب مثلا الطبقات الدنيا بينما لا تحرك ساكنًا للطبقة المتوسطة والعكس صحيح. لا يمثل الخطاب الصادر عن السلطة والإعلام المؤثر الوحيد بطبيعة الحال، لكنه قد يكون ضمن أهم العوامل والمؤثرات التي تجتذب الناس وتوجههم، ولا يخفى بالطبع أن هذا الخطاب يُبث عبر قنوات وأدوات دعائية لا حصر لها، فإذا به يطارد المواطن أنى كان، ليضع بصمته ويترك فيه الأثر المنشود، سواء عبر مداعبة انفعالاته ومشاعره أو عبر استخدام الحجة العقلية والإقناع.

بين الاستجابة والخطاب

المجلس العسكري

جاء المجلس العسكري في مطلع العام 2011 ليقتنص السلطة بالمخالفة لقانون الثورات غير المكتوب. قبل به الناس وكان للطبقة المتوسطة التي ربما أرادت تغييرًا محدودًا لا يهدد وجودهادورٌ في هذا القبول، وربما جاء هذا الموقف بمثابة الانحياز الأول لسلطة غير شرعية، لا تحقق طموح الطبقات الدنيا في حراك اجتماعيّ ملموس يصعد بها ولو خطوات قصيرة.

فيما كان الهدف من استخدام الشعارات والصور تسكين الوضع وامتصاص فورة الجماهير وحماستها، وربما أيضًا إخماد شعورها بالقدرة على إحداث تغيير محقق على أرض الواقع، فإن الآليات السابقة لم تحقق النجاح المشهود لأسباب تتعلق بالطرفين؛ السلطة والجماهير، الفاعل والمفعول به

تراوحت آليات التلاعب والإقناع التي بدأت حال تولي المجلس العسكري السلطة ما بين التحية العسكرية الشهيرة التي أداها اللواء محسن الفنجري في الثاني عشر من فبراير للشهداء، والرسائل التي بعث بها المجلس إلى الجماهير عبر الشاشات المرئية: «نؤكد أن المجلس ليس بديلًا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب»، لتحمل جميعها خطابًا إيجابيًا مطمئنًا للجماهير، لكنها سرعان ما تحولت إلى رسائل تهديدية بعد بضعة أشهر فقط، في مواجهة الرافضين لاستمرار المجلس بمقعد السلطة السياسية الحاكمة: «إن القوات المسلحة تدعو المواطنين الشرفاء للوقوف ضد كل المظاهر التي تعيق عودة الحياة الطبيعية لأبناء شعبنا العظيم والتصدي للشائعات المضللة»، ولا يخفى ما لتعبير «المواطنين الشرفاء» من دلائل مبطنة اكتسبها مع تكرار سوء استخدامه وارتباطه بأشخاص يعملون لصالح السلطة كأدوات قمع. لقد أدت هذه الرسالة وما مثلها إلى جذب الانتباه لتغير محتوى الخطاب وإلى كشف آليات التلاعب والخداع على نحو علق عليه عدد من الكتاب والصحافيين.

استخدمت الإعلانات أيضًا كأداة فاعلة من أدوات التأثير، فظهرت صورة جندي يحمل طفلًا في الشوارع والميادين، احتلت إحداها على سبيل المثال ميدان روكسي بالقرب من إشارة المرور، لتخطف أبصار المارة والسائقين وتنتزع تعاطفهم، لكن هذه الرسالة لم تكن موفقة في أثرها، حتى مع ترويج الشعار الذي حملته «الجيش والشعب إيد واحدة»، فقد تداولها كثيرون كإشارة سلبية لتعامل المؤسسة العسكرية مع الجماهير بوصفها غير ناضجة ولا تزال في طور الطفولة.

فيما كان الهدف من استخدام الشعارات والصور تسكين الوضع وامتصاص فورة الجماهير وحماستها، وربما أيضًا إخماد شعورها بالقدرة على إحداث تغيير محقق على أرض الواقع، فإن الآليات السابقة لم تحقق النجاح المشهود لأسباب تتعلق بالطرفين؛ السلطة والجماهير، الفاعل والمفعول به. كان خطاب السلطة من السذاجة بمكان، وكانت الجماهير لا تزال نشطة، تتحرك بفعل القوة التي اكتسبتها مِن المدّ الثوريّ، فلم تقنع بالخطاب، كما ظلت الطبقة الوسطى الأقرب إلى المحافظةتأمل في تغيير أفضل تستفيد منه بصورة ما، بينما بدت الأوضاع معلقة وماطل المجلس في تنفيذ عديد الاستحقاقات ووقعت أزمات سياسية وميدانية متعددة، واجتمعت العوامل لتدفع بإجراء انتخابات رئاسية في منتصف عام ألفين واثني عشر.

حكم جماعة الإخوان المسلمين

نجح مرشح الجماعة على خلفية معارك وانقسامات داخل الأحزاب والجماعات التي تصدرت المشهد، وكان عمادها نخب ونشطاء ومثقفين ينتمي أغلبهم إلى الطبقة الوسطى، لا مجال هنا بالطبع لتفصيل مؤهلات الفشل وأسباب النجاح، لكن النتيجة المؤسفة تجسدت في توزيع الأصوات بين عمود من أعمدة النظام السابق الذي لم يفقد مؤيديه، وبين الجماعة الدينية المنظمة على الأرض.

كان الاختيار بين سيء وأسوأ، وفي حين لا توجد إحصاءات موثقة ومعلومات دقيقة حول توجهات الفئات العمرية التي قامت بالتصويت، لكن أغلب الظن أن أصوات الشباب الأكثر حماسة للتغيير من مختلف الانتماءات، ذهبت إلى محمد مرسي مرشح الجماعة، بينما اتجهت أصوات الفئات الأكبر عمرًا والأكثر ميلًا للاستقرار، والأقرب إلى المحافظة على المستوى السياسي، إلى محمد شفيق، وربما كان ذاك مآلًا عبثيًا، وبدايةَ انحرافٍ ببوصلة الحِراك الثوريّ لصالح النظام الذي لم ينته ولم ينكسر الانكسار الأخير.

لقد حازت الجماعة أصواتًا أهلت مرشحها لتقلد منصب الرئيس، بغير أن تكون في حاجة ماسة إلى تضمين خطابها آليات تلاعب وإقناع مكثفة، فقد اعتمدت على ما لها من رصيد شعبيّ، خاصة لدى الطبقات الدنيا المستفيدة من خدماتها الميدانية التي تعوض غياب الدولة. الحق أن آليات التلاعب والإقناع المتوقع ظهورها في خطاب الجماعة قد استبدلت بها وسائل الإقناع المادية المعتادة، أما الدعاية الكلامية فقد عكست ثقة بالغة لكنها كانت أيضًا صحيحة على أرض الواقع، لم يكن محمد مرسي أفضل أعضاء الجماعة ولا أحنكهم أو حتي أقواهم، لكن عضوًا من الجماعة قال إنها لو رشحت كلبًا ميتًا لانتخبه الناس، وقد كان، برغم ما حمل القول من إهانة.

الحُكم المنقوص

هنا سأعُدُّ أن السلطة التي آلت ظاهريًا إلى جماعة الإخوان المسلمين قد ظلت إلى حدٍّ بعيدٍ مُوزَّعة بين محمد مرسي وجماعته من ناحية والنظام القديم المتغلغل في مؤسسات الدولة من القاعدة إلى الرأس مِن ناحية أخرى، وهو أمر مِن الأهمية بمكان؛ إذ لم تقع أدوات القوة والنفوذ في يدِ الجماعة بشكل كامل، ويُلاحَظ أن الشرطة والمؤسسة العسكرية والإعلام مثلت في مُجمَلِها سلطات حقيقية مناوئة لجماعة الحكم أو على الأقل لا تدين لها بالولاء الكامل كما دانت للنظام الحاكم من قبلومن ثم كانت قادرة على زعزعة استقرار الجماعة وعلى التلاعب بالجماهير وتشكيل وعيها وأيضًا تزييفه.

صورت آليات التلاعب والإقناع حالًا مِن الضياع وانعدام الأمل في النهوض أمام الناس، وجعلت الحل الوحيد المتاح هو الإطاحة بالرئيس مرسي وعزل الجماعة؛ سواء في السجون أو عبر المطاردة والنفي أو الإبادة

إذ تبدّى من اللحظة الأولى وجود خطاب إعلامي مُعارِض وآخر مؤيد، فقد لاح الأول أكثر جرأة وقوة من الثاني، وربما ساعده على انتقاد مؤسسة الحكم ما قدمته هذه المؤسسة نفسها من سقطات وما حفل به خطابها من ثغرات وزلات، بحيث صار تقديم الواقع وتوصيف الحال في حد ذاته، آلية مِن آليات الإقناع التي يسهل دعمها ببعض أدوات التلاعب. لقد ضخم خطاب الإعلام المعارض الأزمات الفعلية بحيث ظهرت مؤسسة الحكم على قدر هائل من العجز والفشل، ويمكن الرجوع هنا إلى التناول الصحفي لأزمات أنابيب البوتاجاز وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود، وهي أزمات كان بعضها مفتعلًا وبعضها قائمًا قبل تسلم محمد مرسي مقعد السلطة. كما كثف الإعلام سخريته مِن خطاب الرئيس الحافل بالأخطاء والعثرات، وأبدع في تصوير الأخطار المحدقة بالوطن، وربما بالغ في عدد من الأمور، منها على سبيل المثال مسألة بيع سيناء وبيع قناة السويس، مما حدا بأقطاب جماعة الإخوان إلى نفي خطاب الإعلاميين المناهضين لحكم مرسي مرارًا وتكرارًا.

نجح الخطاب المعارض إلى حد بعيد وأسفر نجاحه عن تقويض قدرة مؤسسة الحكم على ممارسة أبسط مهماتها واختصاصاتها، فعلى سبيل المثال فشل النظام الحاكم في تفعيل قرار الرئيس بتعين محافظ جديد للأقصر بسبب اعتراض الأهالي عليه، وكذلك عجز النظام عن إدخال وزير الثقافة مكتبه إثر اعتصام تبنته الجماعة الثقافية في مقر الوزارة. لقد بدا أن هذا هو المسار الأخير باتجاه استبعاد الجماعة من الحكم، إذ صورت آليات التلاعب والإقناع في الخطاب المناهض للجماعة حالًا مِن الضياع وانعدام الأمل في النهوض أمام الناس، وجعلت الحل الوحيد المتاح هو الإطاحة بالرئيس مرسي وعزل الجماعة؛ سواء في السجون أو عبر المطاردة والنفي أو الإبادة. نجحت أيضًا هذه الآليات في جعل الجماهير نفسها التي طالبت في وقت سابق بالحرية والعدالة، تسعى لاحقًا إلى الانتقام وتحفز على الظلم وتبارك القتل.

الثلاثين من يونيو والحد الفاصل

تجمعت الأسباب وتنوعت وتراكم الإحساس بالخطر، وباتت الجماهير على شفا التحرك من جديد، لكن الحركة جاءت هذه المرة بمباركة أجهزة الدولة الكبرى ورضاها بل وتحت إشرافها وحمايتها، وقد تمثلت آليات التلاعب والإقناع التي استخدمت لحشد الناس في الثلاثين من يونيو إضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه من خطاب تمهيديفي تلك الرسائل التي بُثت عن عزم قوات الشرطة والجيش حماية من ينتوون الخروج ضد الجماعة، والتي بدت مُطمئنة وتحريضية في آن، وقد صيغت هذه الرسائل ضمن عناوين أكبر تتعلق بمساندة الشرطة والجيش للشعب، وبتغير إيجابي في العقيدة المتعلقة بحقوق الناس في الاحتجاج سلميًا. تُرجِمَ الخطاب مُباشرة إلى أفعال، فراحت قوات الشرطة توزع المياه على المتظاهرين في الشوارع، بينما جعلت طائرات الهيليكوبتر تحمي الواقفين وتغمرهم بالورود، وارتفع شعار «الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة» تلقائيًا وسط حماسة جارفة من مختلف فئات الشعب، وخاصة الطبقة الوسطى التي أزعم أن حركتها في الثلاثين من يونيو جاءت حركة حقيقية، مبنية على ذعر عميق، ثم خروج مشوب بالحذر، لم يلبث أن استحال أداءً واثقًا؛ أداء المطمئن للمصير المنتظر، فوعد الحماية قد تحقق ولاحت المُخاطرة شبه معدومة.

حاكم مدنيّ بلا انتخاب

تركزت آليات التلاعب والإقناع إلى حد بعيد على رسم صورة وقورة محافظة للرئيس عدلي منصور، حتى لقد عُرِف عنه أنه ذاك الرئيس الصامت صاحب الهيبة والمكانة الرفيعة

وصل رئيس المحكمة الدستورية العليا إلى منصب الرئاسة تبعًا لنصّ الدستور، وقد اقتضت هذه النقلة المرحلية إعطاء انطباع فوري بحدوث تغيير كبير وبثّ الأمل مرة أخرى في الناس وإشعار الجماهير بأنها أخيرًا نجت من الكابوس الجاثم على صدورها وتنفست الصعداء وكذلك إقناعها بأن المنقذ الوحيد القادر على تبديل الأوضاع هو المؤسسة العسكرية التي وإن بقيت بعيدة عن مقعد الحكم، لكنها ظلت حاضرة بقوة في خلفية المسرح، مُمَثَّلة بجلاء في شخص وزير الدفاع.

تركزت آليات التلاعب والإقناع إلى حد بعيد على رسم صورة وقورة محافظة للرئيس عدلي منصور، حتى لقد عُرِف عنه أنه ذاك الرئيس الصامت صاحب الهيبة والمكانة الرفيعة، حيث ساهمت في ترسيخ هذه الصورة هيئته ولغته الجسدية الموحية بالرصانة والهدوء، لكن أداة التلاعب الأكثر خطورة تمثلت هذه الفترة في ترويج فكرة غياب البديل المستقبلي، تمهيدًا لمرحلة تالية يعود فيها عدلي منصور أدراجه وتكون المؤسسة العسكرية هي الاختيار الأوحد. لم يكن هناك أفضل من مواصلة التهويل في حجم الأخطار التي حاقت بالوطن، والتي اضطرت المؤسسة العسكرية إلى عزل الرئيس مرسي وإنهاء حكم جماعة الإخوان، وقد تولى خطابا السلطة والإعلام تسليط الضوء على تداعيات هذه الأخطار وتفاقمها. في هذا الإطار يلاحظ التركيز الشديد على مسألة عفو مرسي عن بعض الأشخاص المدانين بممارسة الإرهاب وإخراجهم من السجون، مع إغفال الدور الذي أداه المجلس العسكري في الإطار ذاته، إذ سعى الخطاب الإعلامي، عبر توظيفه لآليات التلاعب، إلى إيهام الجماهير بأن جماعة الإخوان المسلمين هي المسئول الأول والأخير عن هذا المسار.

أحرزت آليات التلاعب والإقناع في هذه المرحلة أيضًا نجاحًا باهرًا، فقد استسلمت الجماهير ورفعت رايات الإذعان والخضوع التام، بحيث أمكن ترسيخ نفوذ نظام ما بعد الثلاثين من يونيو مِن جديد وتوطيد دعائمه، وانعكس الأمر في عدد من المؤشرات، كتمرير قرارات وقوانين معيبة دون مقاومة تذكر، منها على سبيل المثال لا الحصر، قانون التظاهر وتنظيم الصحافة ومواد قانون العقوبات المتعلقة بإهانة رئيس الجمهورية، وقد بدا أن حال الإنهاك النفسي الناتجة عن أدوار الشحذ والتخويف وغيرها من الأدوار التي أداها خطابا السلطة والإعلام في تلك الفترة، قد عبَّدت الطريق لقبول الكثير مما لم يتيسر قبوله سلفًا.

العودة إلى نقطة البداية

هل كان وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بحاجة إلى استخدام آليات تلاعب وإقناع كي يدفع الجماهير في الخطوة التالية إلى انتخابه رئيسًا؟ أظن الإجابة تأتي بالنفي على خلفية السياق العام، الداعم لحضوره بلا قيد أو شرط، وربما كان مبعث الاحتياج إلى مثل هذه الآليات هو إعلانه المؤكد الصريح أنه لن يدخل سباق الرئاسة وأن المؤسسة العسكرية لا تسعى إلى السلطة. صيغ الخطاب اللاحق إذن مِن أجل تجنب الاتهام البديهي بتغيير الموقف وخداع الجماهير، ومن ثمّ استخدمت الأدوات والحيل البلاغية كافة للاحتفاظ بصورة وزير الدفاع ناصعة البياض مُنزهة عن طلب السلطة، فأظهره الخطاب بمظهر المُضطر للاستجابة والنزول على رغبة الشعب والانصياع لإرادته وقبول الترشُّح للمنصب، وقد ذكر بيان للمجلس العسكري أنه: «لم يكن في وسع المجلس إلا أن يتطلع باحترام وإجلال لرغبة الجماهير العريضة من شعب مصر العظيم في ترشحه لرئاسة الجمهورية وهي تعده تكليفًا والتزامًا». على كل حال لم يكن الأمر شديد الأهمية، فقد وقع الفريق السيسي مِن مخيلة الكتلة التصويتية المؤثرة موقع البطل المنقذ، وكان أن توجهت هذه الكتلة لانتخابه في أجواء احتفالية غامرة وأهدته المنصب باكتساح وعادت المؤسسة العسكرية إلى صدر الساحة السياسية.

بين آليات التلاعب والإقناع وآليات الإسكات والإخضاع

حفل عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ بدايته بفضاء عريض مكتظ بالخطابات المؤيدة لمؤسسة الحكم في معظمها، ولقد لعبت الآلة الإعلامية دورها المألوف هذه المرة، فانطلقت تستخدم أدواتها وتسخرها من أجل إنتاج خطاب داعم للنظام، ومسيطر على وعي الجماهير، لكن الأمر لم يقتصر على مسألتي التلاعب والإقناع، بل تعداهما إلى محاولة الإخضاع والإسكات، تلك التي شارك فيها خطاب السلطة نفسها بنصيب لا بأس به.

تمثلت آليات التلاعب في إعادة إنتاج وتدوير نظريات المؤامرة المتواصلة التي تعددت أطرافها وتنوعت من جماعة الإخوان المسلمين إلى بعض الدول العربية إلى الولايات المتحدة ذاتها، حتى اكتسبت صفة «العالمية» في بعض المرات، ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى عديد الصحف والبرامج التلفزيونية ومنها ما تحدث عن «مجلس أعلى يدير العالم». كذلك ظهرت آلية التخويف المعتادة عبر خلق عدو تحجب المعركة معه أية مساءلة أخرى أو أي استحقاق يحجم من صلاحيات السلطة الحاكمة، وقد تبلورت أزمة «الإرهاب» لتشكل هذا العدو. من ناحية أخرى جرى تسليط الضوء إعلاميًا على مصطلح «تجديد الخطاب الديني» الذي ألح عليه الرئيس، وتلك إحدى أنجح آليات التلاعب في استمالة غالبية فئات المجتمع التي وإن مارست سلوكيات لا تبدو من الالتزام الديني بمكان، إلا أنها تظل محتفظة بمكانة الدين ورجاله في خلفيتها الثقافية. على الجانب المقابل جرى عزو الإجراءات الاقتصادية العنيفة إلى أخطاء الأنظمة السابقة والإيحاء إلى الجماهير بغياب حل لا يزيد الطبقات الدنيا إفقارًا ولا يهبط بالطبقة المتوسطة إلى خط الفقر، وبالتوازي جرى تضخيم المشروعات البسيطة وتقديمها إلى الجماهير على أنها إنجازات غير مسبوقة تقع في مصاف المعجزات، وعلى سبيل المثال حفر تفريعة قناة السويس الذي وُصِفَ بأنه معجزة، بل وتخطى الرئيس في خطابه كافة مشروعات سابقيه ليقارن بين التفريعة وبين صروح الحضارة المصرية القديمة رأسًا، ويلاحظ أن مشروع التفريعة ومحور التنمية قُدِّم إعلاميًا فيما سبق على أنه خيانة قومية.

في بعض الأحيان تفشل السلطة في تحقيق مرادها باستخدام آليات التلاعب والإقناع، ومِن ثمّ تظهر في خطابها أدوات هي أقرب لممارسة عملية إخضاع المواطن وإسكاته

لقد جرت محاولات خطابية متعددة لتقليل غضب المواطن العادي، البعيد عن دوائر المال والنفوذ والذي يعاني اقتصاديًا أشد المعاناة، عبر إيهامه بأنه شريك في اتخاذ القرارات والإجراءات الاقتصادية التي تجور عليه في المقام الأول، وقد تجسدت آليات التلاعب في عديد المظاهر ومنها على سبيل المثال الشعارات التي ملأت الشوارع الكبرى والميادين؛ بإيدنا نفرد شراعنا/ بالإصلاح الجريء نقصر الطريق / نساند قيادتنا ونحارب معركتنا، حيث يلاحظ استخدام ضمير الجمع المتكلم الذي يوحي إلى المتلقي بأنه والسلطة الحاكمة في جانب واحد، إضافة إلى إعلانات التلفزيون والراديو التي تستلهم الشعارات ذاتها، فيما استُخدمت القنوات الفضائية التابعة للدولة، والإعلاميون الموالون للنظام في حفز المواطنين وحشدهم للتبرع من أجل الوطن وتحميلهم مسئولية الانهيار الاقتصادي كتفًا بكتف مع النظام، ولقد تزايدت هذه الحملات حتى لم تعد هناك مساحة إعلانية خاوية مِن حَثٍّ للمواطن على دفع بعض الأموال، وتعد مبادرة «تحيا مصر» التي أطلقها الرئيس هي الأشهر.

لم يسلم الأمر أيضًا من الدفع ببعض الشخصيات المعروفة في سياق الدعاية للنظام، وخاصة الفنانين الذين لهم باع في الأداء المؤثر على الشاشة، حيث يُكثَّف ظهورهم في البرامج الحوارية مع توجيه دفّة الحديث نحو السياسة لا الفن، وتمكن على سبيل المثال مراجعة حوار أذيع من فترة قريبة لفنانة شهيرة، تناولت فيه شعورها ناحية الرئيس السيسي وعظمة إنجازاته، وقد دُعم خطابها في هذا البرنامج عبر عرض صورة الرئيس وتصدرها الشاشة من أجل إيصال الرسالة بشكل مكثف لجمهور المشاهدين، وعلى الجانب الآخر لا يُشَاهَد الفنانون المعارضون للنظام على الشاشات تقريبًا، بل ومنهم من يتعرض إلى حملات هجومية شرسة ويجري التضييق عليه ومنع أعماله الفنية مِن الظهور والنماذج حاضرة.

من زاوية مختلفة لجأت مؤسسة الحكم إلى استيفاء المطالب التي يطرحها المعارضون والنشطاء ظاهريًا فقط، ودون تغيير حقيقي في جوهر الأوضاع الحقوقية المتدهورة، بحيث يتمكن النظام من مواجهة تساؤلات المجتمع الدولي بإعلان الإجراءات الشكلية التي يتخذها وفي الوقت ذاته يصبح قادرًا على التلاعب بخطاب المعارضة، وتعَدُّ لجنة العفو الرئاسيّ التي تشكلت بعد مؤتمر الشباب بمعرفة الرئيس نموذجًا دالًا، فقد أوردت على القائمة التي تداولت طويلًا في محتواها، بعضَ أسماءٍ لمن أنهوا مُدد حبسهم أو قاربوا بالفعل على إنهائها مثل إسلام البحيري.

في بعض الأحيان تفشل السلطة في تحقيق مرادها باستخدام آليات التلاعب والإقناع، ومِن ثمّ تظهر في خطابها أدوات هي أقرب لممارسة عملية إخضاع المواطن وإسكاته، ولا يسعني هنا الاستطراد في البحث عنها وتقصيها لذا أكتفي بعرض مثالين عابرين، أولهما الإيحاء للجماهير بأن المتحدث هو الأعلم والأمهر والأفضل، وربما جاز أن نطلق على الأمر آلية «أنا أعرف أكثر منكم». تبلورت هذه الآلية في أكثر من خطبة للرئيس وعلى سبيل المثال قال في إحداها: «ما تسمعوش لحد غيري»، وهي رسالة تفيد ما مضمونه «أنا من أملك المعلومات، أنا الأذكى، أنا الأمهر ولذلك انتخبتوني، وعليكم الآن أن تصمتوا وتنصتوا لي». أحيانًا يكون الحلّ الخطابيّ هو تصدير الأزمة للمواطنين، مثلما حدث في مسألة الجزيرتين المصريتين تيران وصنافير، حين توجه الرئيس في إحدى خطبه للجمهور قائلًا: «الكلام في هذه المسألة يسيء لكم أنتم». أي أنه أشاح بالأمر بعيدًا عن مؤسسة الحكم ونقل المناقشة إلى أرضية جديدة لا يطاله عليها الهجوم، وبدلا مِن أن يساءَل حول أزمة بيع الأرض المصرية، تصبح المُساءلة في حَدِّ ذاتها إساءة، ومِن ثمّ لا يصحُّ من الأصل التطرق إليها.

أما بعد،

كانت تلك محاولة سريعة، شديدة الإيجاز والتلخيص، لعرض بعض الأدوات والآليات التي حفل بها خطابا الإعلام والسلطة على مدار السنوات الفائتة، وربما كان الإطار الجامع بينها هو إطار الحفاظ على قوة وسيطرة منتجيها ونفوذهم، وسواء استُخدِمَت هذه الأدوات والآليات لإقناع الجماهير بالحُجة والبرهان أو عبر التلاعب بعواطفها وأحلامها أو استخدمت حتى لتخويفها وإخضاعها قسرًا، فإنها تبدو وقد حققت في المُجمَل العام أغراضها، وجدير بلفت النظر أن نجاحها لم يكن دومًا وليد المهارة البلاغية التي يتمتع بها القائمون على إنتاج الخطابات، فقد توفرت بطبيعة الحال أسباب أخرى لدى المتلقين أنفسهم، وضعت أوزارها وأسهمت إسهامًا مؤثرًا وعميقًا في جعلهم أميل للانصياع، وأكثر قابلية لتصديق ما ينسج أمامهم من كلام، وأقرب إلى تبني خطابات سلطوية، لم تُسمِنَهم ولم تُغنِهم حتى اللحظة مِن جوع وعَوَز وإذلال.

بقدر ثراء هذه المرحلة كلاميًا؛ على الأقل من زاوية كمِّ الخطابات المتطاير في فضائها، بقدر ما يستلزم تَتَبُّع آليات التلاعُب وأدواته دراسة مُستفيضة، مُوَسَّعة، لا تتقيد بعدد كلمات ولا بمساحة محدودة ولا بخطوط حمراء يضعها الباحث لنفسه كي يقيها ويقي الآخرين شرَّ التوابع، وما أوردت في هذه الورقة إلا بعضًا من شواهد التلاعب الظاهرة، الملموسة، فيما يبقى البعض الآخر بانتظار كشفه وفضح ما غُمَّ منه على الناس، وعلى كلٍ، يبقى الباب مَفتوحًا مثلما يبقى فضاءُ الكلام، وعلى الدارسين والباحثين الاجتهاد.

اعلان
 
 
بسمة عبد العزيز