الكشافة الكنسية: دورنا التنظيم والأمن مسؤولية «الداخلية»
 
 
أفراد من الكشافة يشاركون في تنظيم جنازة ضحايا تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016 - صورة: روجيه أنيس
 

«مش معنى إنك لابس كاكي تفتكر إنك مسؤول عن الأمن. أو الآخرين يظنوا أن لك دور تأميني. أنت فرد كشافة؛ يعني مسؤوليتك التنظيم داخل أسوار الكنيسة فقط. وبأكرر تاني. التنظيم وفقط. حد يقولك شوف الشنطة دي فيها إيه، أو اطلع بره على الباب شوف في إيه، ده مش دورك وما تعملش كده». وسط عشرات الشباب من الجنسين، تتراوح أعمارهم ما بين السابعة عشر ومنتصف العشرينات، يرتدون ملابس مزينة بالشارات ومناديل مربوطة حول أعناقهم تنتهي بعقدة مميزة. وقف كابتن أمجد اسكندر، قائد تدريب كشافة «وادي النيل» يحثهم على تذكر دورهم المنوط بهم كشباب كشافة.

احتل شباب الكشافة صدارة المشهد منذ بداية الثورة في شتى الفعاليات الخاصة بالكاتدرائية عقب الحوادث الإرهابية، فهم من يحملون جثامين الشهداء، ويعزفون على الطبول في بداية ونهاية مراسم الصلاة عليهم، كما كانت لهم مسؤولية تنظيم دخول وخروج المشاركين في العزاء.

أمام وداخل الكنيسة تجدهم، شباب من الجنسين، يرتدون أزياءً موحدة، ويعلقون الشارات على أذرعهم وصدورهم، ويتلقون الأوامر التنظيمية من قائد أعلى رتبة منهم.

جاء حديث الكابتن أمجد مع شباب الكشافة عن دورهم التنظيمي قبل أيام من عيد الميلاد المجيد، وخلال مراسم تسليم شارات كورس الأمان للكشف، التابع لمدرسة القادة بحركة كشافة ومرشدات وادى النيل، ومجاميع كشفية أخرى.

يقول أمجد  لـ «مدى مصر»: «الكلام زاد الفترة الأخيرة عن إن الكشافة هم أفراد أمن داخلي، وده خطأ ومش صحيح. لا علاقة بين أفراد الأمن الداخلي وبين شباب الكشافة. والشباب سمع الكلام ده وسألنا نعمل إيه لو طلبوا مننا نشارك في أي دور أمني. وبنكرر تاني: لا دور أمني لنا».

دعوات مرفوضة

«بعض رجال الأمن بيدوروا علي ناس مننا [لتدريبهم] عشان نساعدهم، بمعنى إن شباب الكشافة يتلقى معلومات أساسية عن كيفية التعامل مع تهديدات إرهابية. إإحنا مش هنقبل ده لأنه مش دورنا. ده دورهم كضباط داخلية مسؤولين عن تأمين الكنائس. ونرفض أي كلام عن تسليح شباب الكشافة»، بحسم يرد قائد بكشافة المعادي، طلب عدم ذكر اسمه. ويواصل القائد الكشفي: «بالرغم من أنه تُمنع مشاركة أي منا خارج أسوار الكنيسة؛ لكن تكرار شكاوى الناس من تحرش الأمن بالمصليات في الكنيسة دفعنا لإشراك شباب من الكشافة في تنظيم الدخول على الأبواب، فقط لمنع حدوث المضايقات دي. بمعنى إننا بناخد بالنا فقط، لكن برضو لا نتدخل في التأمين».

شكاوى النساء من تحرش الأمن بهن أثناء دخولهن الكنيسة، ليست حالة استثنائية في تلك الكنيسة في المعادي. تادرس زكي حنا أحد شهود عيان تفجير كنيسة البطرسية، وشماس ممن خدموا في صلاة القداس، قال سابقًا لـ «مدى مصر»: «باعت لنا أمن يقعد على الباب يشرب شاي ويعاكس الستات وبس». الأمر الذي أكده عدد من قادة التدريب بالحركات الكشفية التابعة لعدد من الكنائس. ما يدفعهم أحيانا للتدخل والوقوف بجوار الأمن؛ فقط لضبط سلوك رجال الأمن ممن يتحرشون بالسيدات.

دكتور صموئيل متياس أمين مراسم البابا، وقائد عام الأمانة العامة للكشافة والمرشدات بأسقفية الشباب، شدد في حديثه لـ«مدى مصر» على أن الكنيسة لا تلجأ عادة للتعاقد مع شركات الأمن الخاصة لتوفير ما يسمى بالأمن الإداري داخل الكنائس. «لكن للأسف اللي حصل السنين الأخيرة دفع الكنائس الكبيرة فقط زي الكاتدرائية مثلاً إنها تلجأ لهم. وبالتالي لا تزال الكشافة لا علاقة لها بالأمن الإداري داخل الكاتدرائية، الذي يتبع اللواء نبيل رياض، وهو المسؤول عنهم [عن الأمن الإداري]. والخلط بيحصل عند الناس عشان بيشوفوا شباب الكشافة بلبسهم الموحد، ومش بيفهموا إيه دورهم بالضبط، ولا يعرفون أنه يقتصر على التنظيم، ولا علاقة للكشافة بالتفتيش أو التأمين، لأن ده دور جهاز الشرطة».

لكن الاعتداءات والتهديدات التي تشهدها دور العبادة المسيحية أدت إلى تغيير عارض في القواعد: «القاعدة هي أن الكنائس الأرثوذوكسية تعتمد علي الكشافة في التنظيم فقط. ولكن منذ نحو عشر سنوات، شاركت كشافات بعض الكنائس الكبيرة الأمن في التحقق من هويات المصلين في الأعياد»، كما يقول هاني البيلوني القائد العام لكشافة ومرشدات وادي النيل لـ«مدى مصر». لكنه يعود ليوضِّح أن هذا يحدث لتسهيل دخول المصلين في أيام الأعياد، التي تشهد زحامًا كبيرًا.

لا يخفي جوني جورج القائد الكشفي بكنيسة العذراء والنزهة الجديدة، غضبه من طرح فرضية مشاركة الكشافة في التأمين للنقاش: «سمعت علي بعض القنوات والإنترنت كلام أن الكشافة تقوم بدور أمني الفترة القادمة. ده مش دورنا ولا نقدر عليه. إحنا بنساعد الناس وننظم فقط. ولا يجوز الزج بنا في نقاشات مشابهة. إحنا أقصى حاجة ممكن [نعملها] أن نطلب من النساء بعد ما يدخلوا ويعدوا بوابات الأمن يفتحوا الشنط نشوف فيها إيه، من باب زيادة الاحتياط. لكن ده برضو مش التفتيش الرئيسي».

وعن وجود استعدادات خاصة للكشافة قبل احتفالات الأعياد هذا العام قال: «لا توجد أي استعدادات مختلفة قبل الأعياد، لأننا ملتزمين فقط بواجبتنا المعتادة».

منذ نشأت الكشافة الكنسية كجزء من الحركة الكشفية عام 1933، بعد حوالي 15 عامًا من إنشاء أول فرقة كشافة مصرية في المدرسة السلطانية عام 1918؛ ظلت الكشافة الكنسية جزءًا من الحركة الكشفية المصرية، حتى قبل صدور قانون تنظيم جمعية الكشاف المصرية عام 1953، ثم قانون رقم (223) لسنة 1955 بنظام الجمعيات الكشفية وإنشاء المجلس الأعلى للكشافة، المختص بالإشراف على الحركة الكشفية.

ومنذ حينها تُرمى حركة الكشف في الكنيسة بما تُرمى به المنظومة الكشفية لدى من لا يعرفون قواعدها: «هناك خلط في فهم المنظومة الكشفية حتى عند الأمن اللى ميعرفش يعني إيه كشافة. وبالتالي الحديث اللي سمعناه عن دعوات لمشاركة الكشافة في تأمين الكنائس، ناتج [عن] جهل تام بدورنا التطوعي الخدمي التنظيمي. وأنا شخصيًا ضد دعوات المشاركة في التأمين وتحويل الشباب لأفراد أمن». بهذه الكلمات ودون تردد أو محاولة للتفرقة بين الحركة الكشفية في الكنيسة وسواها من الحركات الكشفية المصرية، تحدث محمد الميموني، عضو لجنة العلاقات العامة للإعلام بالاتحاد العام للكشافة والمرشدات.

ويضيف الميموني: «للأسف بداية مشكلة الخلط بين الكشافة والأمن الإداري داخل الكنائس، كان عندما تصدر شباب الكشافة مشهد مظاهرات المسيحيين المطالبين بالزواج الثاني في الكاتدرائية، واشتبكوا مع الناس لمنع المظاهرة. وهنا وقعوا في أكبر غلطة، وهي أنهم سمحوا لأنفسهم بالتحول لأفراد أمن، وتجردوا من مبادئ الكشافة».

لكن هاني البيلوني قائد أقدم حركة كشفية مسيحية «كشافة ومرشدات وادي النيل» يشدد: «الكشافة نشاط اجتماعي تربوي. وبالتالي لا دور أمني إطلاقاً للكشافة، حتى ولو طُلب ده منهم. ده شيء مرفوض ويخالف القواعد الخاصة بالكشافة. خاصة وأن شباب الكشافة لا يخضع لأي تدريبات أمنية أو عسكرية، لأن المناهج التي يتلقاها الشباب ضمن برامج معروفة وهناك قوانين تنظمها وتشرف عليها وزارة الشباب».

الكشافة هي حركة شبابية تربوية تطوعية بالكامل وغير مدفوعة الأجر كما أنها غير سياسية، وتستهدف تنمية الشباب بدنيا وثقافيا، وكافة الحركات الكشفية في مصر مسجلة في «الاتحاد العام للكشافة والمرشدات» وتشرف عليها وزارة الشباب. وتوجد في مصر عشرات الحركات الكشفية، منها ما يتبع الكنائس، وما يتبع مراكز شباب وجمعيات أهلية. وتقدم الحركات الكشفية خدماتها في الأعياد الوطنية، حال لجأت إليها الجهات المنظمة للفعاليات. أما شباب الكشافة المسيحية، فيتلخَّص دورهم في الخدمات الخاصة بالكنائس خلال مواسم الأعياد والاحتفالات فقط، وليس طوال العام.

اعلان
 
 
كارولين كامل