عن ترامب كمرشح لـ«الفوضى الإلهية»: غزوة الصناديق الأمريكية

«كان السلف يقولون بيننا وبينكم الجنائز، واليوم يقولون بيننا وبينكم الصناديق، وقالت الصناديق للدين، نعم

من ينسى تلك الكلمات المصحوبة بابتسامة صفراء وضحكة واثقة لقائلها «الشيخ» محمد حسين يعقوب؟ كان الحديث وقتها عن استفتاء دستور ٢٠١١، الذي تحول الجدل حوله من جدل سياسي إلى ديني بشكل مفتعل من قبل قوى الإسلام السياسي الداعمة له والتي قالت صراحة في العديد من حملاتها الداعية إلى التصويت بـ«نعم»، إن هذه التعديلات تعد «الطريق إلى الجنة»، بغض النظر عن محتواها. الأولوية من التعديلات الدستورية كانت لتهيئة المناخ لصعود تيارات الإسلام السياسي إلى مناصب تنفيذية وتشريعية حساسة، ولعبت هذه القوى على دغدغة المشاعر الدينية للشعب «المتدين بطبعه». فلمدة عامين حاولت رسم المنافسة السياسية على أنها حرب دينية.

كنت قد نسيت أمر «غزوة الصناديق» تمامًا، حتى قرأت عن كتاب جديد اسمه «دونالد ترامب مرشح الفوضى الإلهية» للكاتب لانس والناو، وهو مبشر إنجيلي أمريكي ومتحدث دائم في منابر الكنائس المحافظة التي تحظى بتأييد شعبي كبير، ولها دور مؤثر في مجرى السياسة الأمريكية. ويقول والناو إن الله أرسل دونالد ترامب لخلق مناخ يسمح للكنائس بالهيمنة ومحاربة «إبليس»، المتمثل برأيه في الشخصيات الفاعلة في الوضع السياسي الراهن، وإن ترامب قادر على زعزعة استقرار هذا الوضع السياسي.

الغريب أن ترامب نجح بالفعل في جلب التصويت الديني. وللترويج لحملته استخدم الكثير من المبشرين الإنجيليين أصحاب آراء شبيهة بوالنو الذي يرى أن فوز ترامب خطوة هامة في تحقيق «نبوءة الله على الأرض» للمسيحيين الإنجيليين.

قد يتعجب البعض من مقارنة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بما جرى في مصر من انتخابات واستفتاءات، فأمريكا في نهاية المطاف بها مؤسسات ديموقراطية مدنية فعالة، ولكن الانتخابات الأمريكية جرت هذه المرة كما كان الحال في الانتخابات المصرية كافة في الفترة ما بين ٢٠١١٢٠١٤، من منطلق أنها كانت قائمة على تأكيد الطرف الفائز على كونها صراعًا وجوديًا، وفرصة لفرض هوية معينة على الدولة، خاصة الهويات الدينية أو العرقية.

الأمر ذاته حدث في أمريكا، وعلى عكس المتوقع لدى العديد من المصريين والعرب، فالهوية الدينية والعرقية أساسية لدى قطاع واسع من الأمريكيين، وجزء مهم جدًا في العملية السياسية، لا سيما في هذا العام.

هذا الجانب من الحملات الانتخابية لم يكن بارزًا بشكل كبير في الخطابات القومية أو على الشاشات والصحف التي تصل إلى أكبر كم ممكن من الناخبين، كما كانت واضحة في المؤتمرات الشعبية المحلية، سواء كانت في الأرياف أو المحليات، خاصة في الأماكن التي لا تعرف التعددية بشكل واسع.

في مصر، حضرتُ عدة ندوات وخطب في مساجد صغيرة نظّمتها قوى الإسلام السياسي، وقال فيها المتحدثون صراحة إن الصراع القائم هو بين الإسلام والعلمانية، وإن التصويت من أجل أحزاب الإسلام السياسي يعد مناصرة للإسلام، وإن فعل العكس معاداة للدين. كما أن النظام الحالي عادة ما يدعو إلى مؤازرته من أجل وأد «قوى الشر» وليس من أجل برنامجه السياسي. وخلال متابعتي للانتخابات الأمريكية وجدت خطابات مشابهة لأنصار المرشح الجمهوري ترامب، كما تعرفت على العديد من المؤمنين بأنه «مرشح الله».

أحد هؤلاء، القس مايكل، كان بمدينة هيوستن في ولاية تكساس المحافظة؛ رجل مضياف أصله من أمريكا اللاتينية، وبالتحديد من كوبا، بعدما عرف أنني عربي ومسلم أصر على دعوتي على قهوة حتى يشرح لي أهمية فوز ترامب غير المتوقع برئاسة أكبر قوة عسكرية واقتصادية وسياسية في العالم، ومن تلقاء نفسه اعتقد مايكل أنني أنتمي إلى طبقة «مضللة» تسرعت في الحكم على الرئيس المنتخب وأنها تنظر إلى ترامب وأنصاره بتعال شديد، ولكنه رجل دين، ففضّل أن «يثقفني على أن يكرهني».

 «هذا النصر من عند الله وسيحافظ على القيم المحافظة التي لا تزال هي السائدة هنا في أميركا، إلى جانب أنه سينقذنا اقتصاديًا وأمنيًا من الإرهاب والهجرة غير الشرعيةكما أنني أرى أنه يجب تجريم زواج المثليين وإجهاض الجنين، خاصة في المراحل المتأخرة من الحمل. هل تصدق أن هيلاري كلينتون كانت تريد إباحة الإجهاض حتى الأيام الأخيرة من الحمل؟

كان مايكل يردد (حرفيًا) أقوال ترامب في مؤتمراته الشعبية، خاصة المؤتمرات المقامة في الجنوب المحافظ، وبعضها ثبت مرارًا وتكرارًا عدم صحته، خاصة أمر دعم كلينتون الإجهاض المتأخر للجنين، والادعاء بأن غالبية المهاجرين لديهم ميول إجرامية. استطاع ترامب الحديث عن كل الأمور التي تهم مايكل، وكسبه إلى الأبد.

بعد أسبوع من التجول في الولايات الجمهورية، فوجئت بتصعيد مكانة ترامب من مجرد مرشح الحزب المحافظ، إلى مكانة أسمى بكثير بالنسبة لقطاعات من الإنجيليين، وهم من أكثر المجموعات تأثيرًا داخل الولايات المتحدة بشكل عام، لدرجة أن البعض تفوَّه بتصريحات توحي بأن التصويت لترامب هو الطريق إلى الجنة بالنسبة لهم. هذا على الرغم من خلو تاريخه من أي نوع من النشاط الديني، بل وتأكيد البعض على أنه شخص علماني، فضلًا عن فضائحه الجنسية المتعددة، وأسلوبه الفج، بالإضافة إلى الكثير من السقطات الأخلاقية وقضايا النصب والاحتيال في عمله التي لا يزال بعضها قيد التحقيق.

ترودي، منسقة حملة ترامب بأحد المناطق الريفية بفلوريدا قالت لي إنها كانت مستاءة من أفعال ترامب في السابق، واستدركت: «ولكني امرأة متدينة، وأؤمن أنني يجب أن أغفر لكل من أقر بخطئه كما فعل السيد ترامب، ولا تنس يا عزيزي أنه فعل وقال كل هذه الأشياء المشينة عندما كان منتميًا إلى الحزب الديموقراطي…. الآن هو شخص آخرانتظرت قبل الرد عليها لأنني لم أكن متأكدًا بالمرة إذا كانت تمزح أم لا، لكنها لم تكن تمزح.

استطلاعات الرأي لمن صوّتوا لترامب تشير إلى أن أغلب التصويت له ناجم عن استياء الشعب من الأحوال الاقتصادية ومن وجود رغبة ملحة بين قطاع كبير منهم في تغيير النمط التقليدي للسياسية الأمريكية والطريقة المؤسسية التي تدار بها البلاد، فضلًا عن قلقهم من حالة الأمن القومي والإرهاب. ولكن هناك أمرًا آخرًا مهمًا حمّس العديد للتصويت لترامب، وهو وجود مقعد فارغ بالمحكمة العليا الأمريكية التي قد تؤثر على العديد من القوانين الأساسية أو حتى تعديلات دستورية في قضايا مهمة وجدلية، منها حق المرأة في إجهاض الجنين، وحق المثليين في الزواج. ويتعين على ترامب الآن اختيار القاضي الذي سيشغل هذا المقعد مدى الحياة، أو حتى التقاعد. وكان قد وعد بترجيح كفة القضاة المحافظين على الليبراليين الذين يرأسون المحكمة، وعددهم تسعة قضاة. وعادة ما تبت المحكمة العليا في قضايا جدلية على المستوى القومي معتمدة على تفسير القاضي لمواد الدستور والقوانين القائمة، فالقاضي ينحاز إلى اتجاهه الفكري.

والحقيقة أن غالبية الداعمين لدونالد ترامب من منطلق ديني ممن قابلتهم كانوا أعقل بكثير من مايكل أو ترودي، وعبروا ببساطة عن رغبتهم في الحفاظ على مجتمع محافظ وحكومة تنحاز للتيار المحافظ الأمريكي، عكس ما كان الحال عليه في الأعوام الثمانية الماضية.

ليس غريبًا أن يلعب الدين دورًا مهمًا في أي انتخابات أمريكية، فمنذ نشأة الولايات المتحدة طالما كان الدين فيها أساسيًا في الحياة العامة، وحتى الماضي القريب اعتبر الرئيس السابق جورج بوش الابن والمجموعة التي ينتمي إليها من «المحافظين الجدد» الدينَ ركنًا أساسيًا من هويتهم السياسية. ولكن المخيف في هذه الانتخابات أن ترامب وحملته «الغريبة» أخرجا التطرف الديني الفج والممزوج بالعنصرية من الظلام.

فإلى جانب استهداف ترامب للشريحة المتدينة من المجتمع، غازل الجماعات اليمينية المتطرفة وحرص على إعطاء إشارات بأنه قد يكون هو من سيحقق «الفوضى الإلهية» التي تفسح لهم مجالًا في السياسة الأمريكية. وبعد انتخابه تواصل بعض هذه الإشارات، فقد اختار ستيف بانون المعروف بعلاقاته القوية بالجماعات اليمينية المتطرفة من خلال إداراته لموقع إخباري يميني «برايتبارت» – لشغل منصب كبير المخططين الاستراتيجيين في البيت الأبيض. ورغم تبرؤ ترامب من بعض هذه المجموعات بعد فوزه، إلا أنه فتح الباب لهم، وصاروا أمرًا واقعًا في الحياة السياسية الأمريكية من جديد.

اعلان
 
 
محمد المشد