ترجمة: كيف أطلق مسلسل «فريندس» شرارة سقوط الحضارة الغربية؟
 
 

ترجمة: محمد جمال

أحب أن أتكلم هنا عن مسلسل تليفزيوني شهير شاهدته مع زوجتي من خلال خدمة نتفليكس. يحكي عن قصة رجل أسرة، رجل علم، عبقري ساقه سوء الحظ لينضم إلى مجموعة غير مناسبة من الأشخاص. وببطء قاده غروره العبقري لينحدر إلى عالم من الجنون واليأس. ومع موقف مؤسف تلو الآخر، تحول العبقري إلى وحش. بالطبع أحدثكم عن مسلسل «الأصدقاء» Friends، وعن بطله الأسطوري (المأساوي) روس جيلر، أعنى دكتور/ روس جيلر.

ربما تنظر إلى «فريندس» كعمل كوميدي، لكني لا أشاركك الرأي. بالنسبة إليّ فالمسلسل يؤشر لحقبة قاسية من مناهضة الفكر في الولايات المتحدة، حيث يُضطهد شخص ذكي وموهوب مثل روس عبر مجموعة من الرفاق الحمقى. وحتى لو كنت تشاركني الرأي، فإن ذلك لا يشكل فارقًا كبيرًا في الحقيقة، فوابل الضحك المستمر القادم من الجمهور الموجود بشكل حي في الأستوديو سيظل يذكرنا أن ردود أفعالنا وآراءنا الشخصية ليست مهمة، المهم أن الجمهور العريض يضحك.

لاحظ حتى أغنية المقدمة الخاصة بالمسلسل، وستجدها تنذرك أن الخداع متأصل في الحياة، سعيك وراء حياة وظيفية هو أمر مضحك، والفقر قريب في كل مكان، ونعم.. حب حياتك هو D.O.A (Dead on Arrival، توفي بمجرد وصوله). لكن رغم ذلك كله، ستظل تحظى برفقة الحمقى، سيظلون هناك من أجلك.

هل أشعر الآن أنني أفضل؟

دعوني أوضح أكثر لمن لم يشاهد المسلسل كاملًا، إذا كنت تتذكر حقبة التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، وإذا كنت تمتلك جهاز تليفزيون في هذا الوقت فغالبًا أنت تتذكر مسلسل «فريندس»، والذي كان يعرض ليلة الخميس في وقت شديد التميز، كان من الصعب أن يفوتك، مسلسل يقدم مجموعة من أكثر الشخصيات المحببة التي يمكن جمعها معًا، كلهم شباب، كلهم من الطبقة المتوسطة، كلهم بيض، كلهم غيريون جنسيًا، كلهم جذابون، كلهم لا يعنون بالأخلاق أو السياسة كثيرًا، وكلهم مجهزون بصفات شخصية قابلة للهضم بسهولة. جوي الشخص الأحمق المضحك، شاندلر الساخر دومًا، مونيكا الشخصية الموسوسة دائمًا، فيبي المنتمية للهيبز، أما ريشتل –يا إلهي لا أعلم كيف أصفها. حسنًا، ريتشل تحب أن تتسوق. ثم أخيرًا لدينا روس، روس كان ذكيًا ورومانسيًا أيضًا.

لاحقًا ينتبه جمهور المسلسل – حوالي 52 مليون شخصلشخصية روس، رغم أن باقي شخصيات المسلسل حرضوا عليه بشكل أو بآخر منذ البداية (على سبيل المثال في الحلقة الأولى من الموسم الأول، حينما قال جوي عن روس: عندما يقول مرحبًا، أرغب في قتل نفسي). الواقع أنه في كل مرة يتكلم روس عن أي من اهتماماته، أو دراساته، أو أفكاره، لا يتيح له أصدقاؤه حتى فرصة إنهاء كلامه، بل وتجد أحدهم يطلق همهمة ساخرة معلقًا: «كم أن روس ممل»، أو «إنه أمر شديد الغباء أن تكون ذكيًا، أو «ومن يهتم بذلك أصلاوفي كل مرة ينفجر جمهور الستوديو –الذي يحضر العرض بشكل حيفي الضحك، هذه النكت التي استمرت في كل حلقة تقريبًا على مدى العشر مواسم من المسلسل. هل يمكنك إذن أن تلوم روس إذا أصابه الجنون؟

وعلى غرار المآسي الإغريقية، يقع بطلنا فريسة لنبوءة لا يمكن تفادي حدوثها. فمنتجو المسلسل –والذين تشبه إرداتهم إرادة آلهة الإغريق أيضًايعلنون أن روس لا بد أن ينتهي به المطاف مع ريتشيل، تلك الفتاة التي تتسوق. وللأمانة، أعتقد أن روس كان يمكنه الحصول على فتاة أفضل من ريتشيل بكثير.

لماذا كل هذا التعاطف مع روس؟

عُرضت آخر حلقة من مسلسل «فريندس» في عام 2004، نفس العام الذي انطلق فيه فيسبوك، نفس العام الذي أعيد فيه انتخاب جورج بوش الابن، نفس العام الذي سيطرت فيه برامج تليفزيون الواقع على الثقافة الشعبية، حيث بدأ برنامج «أميركان أيدول» عهدًا من الرعب طوال ثماني سنوات كان فيها رقم 1 في الولايات المتحدة، نفس العام الذي أطلقت فيه باريس هيلتون خط أزياء وأطلقت فيه كتابًا يحتوي سيرتها الذاتية، نفس العام الذي أطلق فيه جوي تريبياني مسلسله الخاص الذي حمل اسم شخصيته «جوي».

2004 هو ذلك العام الذي استسلمنا فيه وتقبلنا «الغباء» كقيمة. اسأل فرقة الروك جرين داي، فألبومهم «الأمريكي الأحمق» انطلق في 2004 وفاز بجائزة جرامي كأفضل ألبوم للروك! لا يمكن أن يكون كل هذا التزامن مصادفة، رفض روس في المسلسل طوال عشر سنوات وضع علامة فارقة، حينها أطلقت الأمة الأمريكية همهمة عالية، ولم تعط للعقل والمنطق فرصة ليكملا جملتهما، واستهزأت بهما.

نعم، نظريتي تفترض أن مسلسل «فريندس» أطلق شرارة انهيار الحضارة الغربية. قد تعتقد أنني مجنون، لكن اسمع مقولة روس نفسه: «أوه، هل أنا.. هل أنا.. هل أنا فقدت عقلي؟ هل فقدت قدرتي على الإحساس السليم؟» هل تعلم أن الأغنية التي صاحبت الحلقة الأولى من المسلسل كانت لفريق الروك R.E.M. بعنوان «إنها نهاية العالم كما نعرفه (وأنا أشعر شعورًا جيدًا!)» أغنية لطيفة مع رسالة أبوكالبسية جرى تجاهل مغزاها تماما.

في عام 2004 كنت أعمل مدرسًا، وكنت أدرّب نادي الشطرنج بالمدرسة. كنت أري كيف أن العديد من التلاميذ يضايقون أعضاء الفريق ويستهزئون بهم. حاولت بكل ما أستطيع الدفاع عنهم، لكن بالتأكيد لم أستطع حمايتهم طوال الوقت. كان تلاميذي أذكياء بحق، عباقرة كبارًا، وكانوا كمن وقع في منطقة خطرة حافلة بالعداوات. كان التلاميذ الآخرون ينتظرون خارج غرفة نادي الشطرنج ليضايقوا تلاميذي أثناء فترة راحة الغداء، يوميًا! وطوال فترة عملي كمدرس اشتهرتُ بلقب «قاهر الأشقياء» و«المدافع عن العباقرة». نعم، كان الأشقياء في غاية اللؤم، لكنهم كانوا يعرفون أنني أسوأ بكثير.

ربما كان الأذكياء دائمًا ما يتعرضون للمضايقات على مر التاريخ، لكن شيئًا في أعماقي كان يخبرني أننا وصلنا لأدنى نقطة، لأسوأ نقطة، حيث حل التفاعل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي محل النقاش الحقيقي والحوار السياسي، حيث يُحكم على الساسة الجيدين بأنهم أولئك الذين نرغب في الخروج واحتساء البيرة معهم، حيث أن إجماع العلماء على شئ هو أمر مرفوض، حيث تنخفض ميزانيات البحث العلمي، حيث تغرق الصحافة الجادة في بحر النميمة حول المشاهير.

أرى مؤخرة كيم كيرداشيان أعلى الصفحة الرئيسية لموقع سي إن إن، ويصيبني الرعب!

ربما ما يحدث هو مرح لا ضرر منه، مثل الضحكات الحلوة التي كان ستوديو «فريندس» يغض بها؟ ربما. لكني قلق بمنتهى الأمانة من كوننا لم نقدم جهدًا كافيًا لنغرس الفضول الفكري الكافي داخل ثقافتنا.

لكن هناك أمل، لحظنا الجيد هناك حركة مقاومة تتشكل. أشخاص لديهم عزم قوي، لا يخافون من بدء جملتهم بعبارة «هل تعلم أن؟» يوجد العديد من «روس» في هذا العالم، رأيتهم بنفسي في نادي الشطرنج الذي كنت أشرف عليه. ورأيتهم في مدينتي، يختبئون في متاحف الفن، ينحنون في متاجر الكتب المستعملة، يمشون على الأرصفة مختلسين النظر للمكتبات العامة والمقاهي التي تحتوي على أرفف للكتب، ويتسللون حول مدارسنا وكلياتنا وجامعاتنا.

لم يكن هناك أمل بالنسبة لروس، لقد فقد عقله تمامًا، ونعم، أصبح مزعجًا.

إذن، كيف يمكننا الاحتفاظ بعقولنا في هذا العالم المغفل؟ لن أكون مدرسًا جيدًا إذا لم يكن بإمكاني طرح بعض الأفكار للإجابة على هذا السؤال:

رقم 1: أقرأ كتابًا بالله عليك. شيء ما مذهل يحدث عندما تترك كل توافه الحياة الحديثة وتستغرق في قراءة رواية. إنك بذلك تفتح لنفسك أفاقًا على أفكار جديدة، وخبرات جديدة، ووجهات نظر جديدة. إنها تجربة تعلّم الصبر وانفتاح الذهن. أثبتت مدرسة الدراسات الاجتماعية في نيويورك أن قراءة الأدب تحسن من قدرة الإنسان على التعاطف. هذا حقيقي، القراءة تجعلك أقل حماقة. ولذلك، اقرأ كثيرًا. اقرأ كتبًا صعبة. اقرأ كتبًا مثيرة للجدل. أقرأ كتابًا يجعلك تبكي. اقرأ كتابًا مرحًا. المهم أن تقرأ.

رقم 2: تعلم شيئًا. عقلك قادر على فعل الكثير من الأشياء. غذّه. تعلم شيئًا جديدًا. إن أعظم خطر يواجه التقدم هو الاعتقاد بأن شيئًا ما معقد بشكل لا يمكن إصلاحه. الفقر أمر دائم، والعنصرية ستوجد طول الوقت. والصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو أمر معقد جدًا على أن يجري استيعابه. نظام التعليم العام قاصر للغاية. إذن علّم نفسك، لتكن جزءًا من النقاش الدائر. تعلم شيئًا له علاقة بالعلوم، شيئًا له علاقة بالرياضيات. استكشف عالم الفلسفة، ادرس عالم الحفريات. حاول أن تتعلم لغة جديدة، لست ملزمًا بأن تتعلمها لحد الطلاقة، فقط أدخل بعض الكلمات الجديدة في رأسك. استمع إلى بث تعليمي عبر الإنترنت. ستجد محاضرات مجانية متوفرة أونلاين لأساتذة من جامعات مرموقة، هارفارد، وييل، وكولومبيا، وستانفورد. فكر بما في إمكانك تعلمه. كان أكبر تحد بالنسبة لي كمدرس أن أستطيع إقناع تلاميذي بأنهم أذكياء، بعدما يخبرهم شخص ما أنهم أغبياء.

رقم 3: توقف عن الشراء الاستهلاكي المستمر. أعتقد أن ثقافة الاستهلاك شديدة الارتباط بثقافة الغباء. حاول أن تبسّط حياتك. فثقافة الغباء تسيطر على حياتنا لأنها تهدف لبيع المزيد من أحذية نايكي والمزيد من وجبات البيج ماك. فعندما نفكر بحكمة فيما نرغب في شرائه وإدخاله منازلنا، ستمكننا حينها مقاومة ذلك التلاعب الممارَس علينا بإعطائنا حوافز فارغة للشراء.

وأخيرًا: احمِ الأذكياء. مبرمج واحد يعمل في سياتل لدعم نشاطات مؤسسة بيل جيتس وميلندا جيتس من أجل محاربة الفقر والجوع والمرض في العالم، هذا شخص أكثر قيمة من أي شخص في أمريكا الآن. هؤلاء العباقرة هم من يصنعون لقاحات ضد الأمراض، يهندسون الجسور والطرق، يصبحون مدرسين وقيّمي مكتبات. نحتاج هؤلاء العباقرة لأنهم يجعلون العالم مكانًا أفضل. ولا يمكننا أن نجعلهم ينكمشون أمام مجتمع أحمق يهزأ من كل كلمة يقولونها.

روس يحتاج أصدقاء أفضل.

**

(المقال منشور بالأصل على موقع Medium)

اعلان
 
 
ديفيد هوبكنز