Define your generation here. Generation What
«الغولغوثا» والقربان المقدس.. مشاهد متفرقة على هامش التفجير
 
 
أرشيفية - قداس ضحايا تفجير الكنيسة البطرسية - صورة: صموئيل محسن
 

في الساعات الطويلة التي تلت تفجير الكنيسة البطرسية، مرت الكثير من المشاهد خبأتها فداحة الكارثة. أسئلة عفوية وانفعالات بدائية، من ضمن عشرات الأسئلة والانفعالات التي لا يفهمها الكثيرون، ولا نجد لها إجابات واضحة. ثمّة من يسأل عن عمارة الكنيسة وتصميماتها الفنيّة، هناك من بكى على اللحن الجنائزي لذاته، بغض النظر عن سبب عزفه، هناك من سأل عن مصير القربان، ماذا لحق به، وكان من المنتظر تناوله من قبل هؤلاء الذين أصبحوا أشلاء ومصابين.

القربان المقدس

«حاجة صعبة أوي اللي حصل للناس.. بس يا تري الذبيحة حصل فيها إيه؟». السؤال ألقت به ليلى لبيب، سيدة خمسينية، رغم فداحة الحادثة وبشاعتها، إلا أن هذا السؤال كان حاضرًا وبقوة عقب تفجير الكنيسة البطرسية، الأحد الماضي، وواحد من الهموم الأولى التي شغلت المسيحيين البعيدين عن مكان الانفجار.

القربان، هو جسد ودم المسيح، أقدس ما في المسيحية، وتناوله هو أحد أسرار الكنيسة السبعة (المعمودية، الميرون، التناول، الاعتراف، الزيجة، مسحة المرضى، والكهنوت). ما يُعرف أيضًا بالذبيحة، هو خبيز من الدقيق والماء والخميرة، منقوش عليها صليب كبير يُمثل المسيح واثني عشر صليبًا صغيرًا يمثّلوا التلاميذ وكتابات بالقبطية. دم الذبيحة هو عصير العنب غير المخمر مختلطًا بالماء، ويُروى دومًا عن الذبيحة في عصور الاضطهاد بأن القسيس يقوم بتخبئتها في مكان سري مخصص لها لحين انتهاء الأزمة في حال حدوث هجوم على الكنيسة أو الدير حتى لا يُلقي بها أو تُهان.

«أنا شيلت الذبيحة وجريت بيها»، يتحدث القس أنطونيوس منير، كاهن الكنيسة البطرسية، والذي ترأس القداس يوم الحادث الإرهابي لقناة CTV، بينما تحدث عماد ثابت، معلم الألحان بالكنيسة، لصحيفة «وطني» قائلًا: «جاء أب كاهن من الكاتدرائية المرقسية واستلم الذبيحة واستكمل الصلاة وقدم التناول للشمامسة الموجودين ثم أنهى الكاهن الصلاة، حيث كان الانفجار بعيدًا عن الهيكل ناحية صفوف النساء».

جاء الانفجار خلال صلاة القداس مفاجئًا للجميع، ولكنه لم يمنع القسيس من استكمال طقس صلاة القداس للانتهاء والوصول للتناول، حيث لا يجوز التخلص من الذبيحة إلا بتناولها. تناول الشمامسة فقط، بينما انهمك باقي المصلين في مساعدة المصابين، وإخراج الجثث خارج الكنيسة ولملمة أشلاء الشهداء.

الغولغوثا

«قدوس الله الإله.. قدوس الله القوي.. الذي لا يموت.. قدوس الحي إلى الأبد».. لم يكن للكنيسة أن تعبر بصورة أقوى عن عمق حزنها في نهاية صلاة الجنازة على جثامين شهداء كنيسة البطرسية إلا بترديد لحن «غولغوثا». أكثر الألحان الكنسية حزنًا وخصوصية. هو نفس لحن دفن المسيح. تردده الكنيسة يوم الجمعة الحزينة، نهاية أسبوع الآلام، وأيضًا في تشييع الباباوات والأساقفة فقط من بين رجال الدين.

«الحزن كبير.. وطول اليوم بعيط.. وبتفرج علي الجنازة على التليفزيون. لما شفت الست اللي بناتها الاتنين ماتوا قعدت أصلي وأقول يا رب ما تكتب على حد يدفن عياله.. بس اتفاجئت لما سمعتهم بيقولوا غولغوثا جسمي قشعر وعيطت أكتر.. دي أول مرة تقريبًا.. معقولة الحزن ده يا ربي، أكننا في أسبوع آلام طويل مش بيخلص»، تروي ماري بانوب، 60 عامًا، لـ«مدى مصر».

«غولغوثا» أو «الجلجثة» هو المكان الذي دفُن فيه المسيح وفق العقيدة المسيحية، إلا أن الجملة الموسيقية للحن ذاته يرجع أصولها لعصر الفراعنة، حين كانت تُعزف أثناء عملية التحنيط وجنازات الملوك حصرًا. ثم توارثه الأقباط، ووضعت له الكنيسة المصرية نصوصًا مسيحية، وأصبح لحن جنائزي يُرتل في نهاية الساعة العاشرة من صلوات الجمعة العظيمة والتي يُطلق عليها أيضًا «الجمعة الحزينة».

تصطف الجثامين أمام المذبح، عليها أسماء الشهداء وصورًا كبيرة لهم في حياتهم يبتسمون للكاميرا التي تعكس بهجة دُفنت مع جثامينهم، وكلما مر القسيس حاملًاالشورية (مجمرة البخور) رفعت الأمهات اللواتي فقدن بناتهن، والأزواج الذين فقدوا زوجاتهم وأطفالهم، والأطفال الذين رحلت أمهاتهم، أعينهم مرددين الطلبات والترحمات التي ترفعها أدخنة البخور لله في السماء.

يجلس الحاضرون من أسر الضحايا في ذهول تام وهدوء، رغم الزحام داخل الكنيسة. يبكي الجميع في هدوء، تقطعه أحيانًا صرخات محدودة.

أثناء عظة البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، التي تحدث فيها عن الاستشهاد، لم تقو سيدة على كبت أوجاعها بعد أن توجه بالشكر للمسؤولين وصرخت بكلمات غير مفهومة فصمت البابا قليلاً لتتوقف، وكلما تحدث عن شكره للمسؤولين صرخت أكثر فنظر لها البابا وقال: «الإنسان ليس بالبكاء والصراخ والصوت، ولكن الألم في القلب، حوّل آلامك ودموعك ومشاعرك، حوّلها لصلاة… ونرجو مراعاة أن الجنازة منقولة كلها على الهواء فيجب مراعاة الهدوء والالتزام لنعكس صورة جيدة».

ضد من؟

«هما عايزين يطفشونا..»، جملة سبق وقالها الشماس، تادرس زكي حنا، أحد المتواجدين في القداس بالكنيسة البطرسية يوم الحادث، إلا أن جملته لم تكن مجرد حالة فردية أو نتيجة للشعور بالغضب والحزن، حيث رددها آخرون، كل على اختلاف تعبيره: «مش هنمشي من مصر مهما عملوا فينا.. دي بلدنا»، تقول ماري بانوب لـ«مدى مصر».

«احنا مصر.. يعني حتى لو الحادث بيستهدف المسيحيين بس فهي مصر ايه غير الوطن الأساسي والوحيد للأقباط.. وربما الحادثة دي على قدر بشاعتها تخلي الأجهزة الأمنية والدولة تطور من أدائها عشان تتفادى الحوادث دي، سواء الموجهة للمسيحيين بس أو الشرطة أو الجيش أو أي مواطن»، يتحدث مرقص عبد المسيح، مهندس على المعاش، لـ«مدى مصر».

«مصر وطن يعيش فينا.. وليس وطن نعيش فيه»، الجملة التي قالها البابا الراحل شنودة الثالث، وحسب البعض أنها تخصه، إلا أنها في الواقع جملة خاصة بمكرم عبيد باشا، ويتعامل شريحة كبيرة من المسيحيين مع الحوادث المماثلة بأنها ضريبة عقيدتهم ويأخذون من الأقوال التي يرددها الباباوات عزاء لهم، مثلما فعلوا مع مقولة البابا تواضروس الثاني عقب حرق الكنائس في الصعيد إثر فض اعتصامي رابعة والنهضة: «لو حرقوا الكنائس هنصلي مع إخواتنا المسلمين في المساجد، ولو حرقوا المساجد هنصلي مع بعض في الشارع، المهم نفضل مع بعض من أجل الوطن».

«بيتهيألي برضو الضربة دي بتستهدف السيسي عشان تحرجه أكتر.. يوم الحادثة كنت ماشي في الشارع وحزين لما سمعت ناس محلاتهم جنبي بيتكلموا أن اللي حصل تواطؤ بين الدولة والكنيسة، فليه نزعل عليهم.. مين يقول أن في حكومة تفكر بالبشاعة دي أو إزاي ممكن الكنيسة تشارك في حاجة كدة، وده يوريكي أن في ناس شمتانة مش في المسيحيين بس.. لأ في السيسي كمان»، يتابع مرقص بأسى عما سمعه.

اعلان
 
 
كارولين كامل