هدية من الماضي: فيلم رائع تنقصه النظرة إلى الذات
 
 

قبل الخوض في هذا العرض والمأخذ الأساسي لي على هذا الفيلم، أود التأكيد على أن «20 سبتمبر.. هدية من الماضي» (2015) لكوثر يونس فيلمٌ آسر. وهو في واقع الأمر مؤثر لدرجة أنني ذهبت لمشاهدته مرتين الأسبوع الماضي في زاوية، فلا ينبغي أن يقرأ أحد نقدي هذا إلا بوصفه محاولة لاشتباك عميق تستحقه يونس بتقديمها هذا الفيلم الوثائقي.

يبدأ الفيلم بمقدمة قصيرة لشخصيته الأساسية، شخصية والد مخرجة الفيلم، أستاذ السينما مختار يونس، وهو شخصية محبوبة إلى أقصى حد، وهو الذي يحمل الفيلم بكامله. يبدأ الفيلم بكاميرا مهزوزة تصور من داخل سيارة، بينما الأب يغلق بوابة منزل يبدو أنه منزلهما في القاهرة. على مدار قيادة السيارة مع ابنته يدندن مختار بأغنيات قديمة ويمثل أنه يضرب بالنار الناس المستخفين بقوانين المرور. وسرعان ما نألف الرجل وعلاقة الأب الودودة بابنته.

تبدأ القصة حينما تقدم الفتاة البالغة من العمر 19 عامًا هدية لأبيها في عيد ميلاده الخامس والسبعين، والهدية تذكرتان إلى روما ليسافر الاثنان بهدف العثور على زوجته الأولى باتريشيا التي تركها قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وطالما أراد أن يرد إليها خاتمها الذي ظل محتفظًا به، ويضع لنفسه ولها نهاية للوقت الذي قضياه معًا، لكن ذلك يستعصي عليه، مثلما تستعصي على الناس أشياء كثيرة في الحياة. يتتبع الفيلم رحلتهما بعد ذلك، من كفاحهما للحصول على تأشيرتي أوروبا، مرورًا بتردد الأب بشأن الرحلة، وحتى الوصول إلى روما ومحاولة العثور على الإبرة في كومة القش.

فيلم يونس هو ثالث مشاريعها في المعهد العالي للسينما الذي يدرِّس والدها فيه. لا يبدو أن والدها كانت لديه أدنى فكرة عن إخراجها فيلمًا عن رحلتهما. فقد صورت أغلب الفيلم باستخدام كاميرات مخبأة: كاميرا الآيفون الخاص بها، واللابتوب وكاميرات/نظارات. كما استعملت كاميرات يدوية عادية في بعض الأحيان، فكان والدها في هذه الحالات يتصور أنها تصور ببساطة أفلامًا منزلية عادية. وهذا يؤدي إلى منتج فقير من حيث جودة الصورة، ولكن يسهل التسامح معه لأن المضمون يغلب الشكل.

قالت يونس لجمهور زاوية إن أباها لم يكتشف أمر الفيلم إلا قبل يومين من عرضها إياه على لجنة في معهد السينما. رفض في أول الأمر، قائلًا إنه لا يريد عرض حياته الشخصية على الملأ، ولكنه في النهاية يتقبل الأمر. قالت يونس إنها اختارت ألا تخبر أباها بالفيلم لأنها أرادت تصويره كأب. ومختار درَّس لكوثر في المعهد فعرفت فيه جانبه الرسمي الجاد كأستاذ جامعي، ولم ترده أن يمثل أمام الكاميرا بل أن يظهر على حقيقته.

لم أرتح لهذا. واضح أن مختار ـ ووالدة كوثر أيضًا إذ تظهر في الفيلم لكي تبارك الرحلة ـ قد أذن بعرض الفيلم، فليست المسألة الأخلاقية هي ما أرقتني بل عدم تأمل كوثر في الفيلم للموقع الذي وضعت نفسها فيه.

جوهريًا، هي الشخص الوحيد الذي يعرف أن فيلمًا يجري تصويره، وهذا يعني أننا على مدار الفعل لا نملك معرفة هل تصطحب أباها إلى روما لتساعده في إنهاء علاقة بحبيبة قديمة، أم لتقترب منه اقتراب ابنة من أبيها، أم لتخرج بفيلم. الأرجح أن الإجابة هي جميع ذلك، لكن عدم التطرق إلى هذه الأسباب أو مناقشتها يخلق إحساسًا بعدم الارتياح.

حينما تبكي كوثر، لدى تبين أن العثور على باتريشيا أصعب مما كانت تتوقع، لا نعرف إن كانت الدموع من أجل أبيها أم من أجل نفسها. وحينما يتردد والدها ويحاول اختلاق الأعذار لعدم القيام بالرحلة تدفعه ابنته دفعًا إلى القيام بها، وبالتالي لا نعرف دوافعها هي وراء هذا الضغط.

المنجز الأساسي للفيلم يكمن في عفويته ورسمه الوفي لمختار، الذي لو عرف أن فيلمًا يجري تصويره، لصار الفيلم أشد اختلافًا وأكثر جفافًا، ولكنه كان ليحقق طبقة أخرى من العمق لو كانت كوثر بطريقة ما ـ ربما من خلال تعليمات موجهة للكاميرا، أو صوت راوية من الخارج ـ قد اعترفت وناقشت موقعها كمحرضة على القصة.

في لحظة ما ينشب شجار بين مختار وكوثر إثر استيائه من سيطرتها على كل ما يتعلق بالرحلة. وهو شجار نمطي بين أب وابنته يريد منه الأب استعادة السيطرة على ابنته ذات التفكير المستقل، وتشعر هي أنه يستهين بها. تخرج كوثر غاضبة من الفندق. وتبقى الكاميرا دائرة، ونرى نحن صورة مهزوزة غائمة للشوارع وهي تسير فيها غاضبة، وبعد ذلك تقطع الكاميرا على مختار نائمًا قبل أن ينهضا في الصباح لمواصلة علاقتهما الإيجابية. كان يمكن أن تكون هذه لحظة مثالية لفهم الموقع الذي ترى كوثر نفسها فيه، ولكن المرور على الواقعة بدون تأمل كان نقطة ضعف في الفيلم لولاها لأصبح فيلمًا رائعًا.

غير أن الفيلم ـ بعيدًا عن هذا الإحساس بعدم الارتياح ـ فيلم ساحر. فقد استطاع رامي نضال ومحمد عماد وعمر أبو ليلة أن ينظموا في المونتاج مئات الساعات من التصوير التي «سرقتها» يونس، ليخرجوا بحكاية واضحة منضبطة الإيقاع حول هدف عظيم.

يبدو أن السينمائيين الشبان يزدادون ميلًا إلى توجيه الكاميرا نحو أسرهم محققين من ذلك نجاحًا كبيرًا. ومن الأمثلة التي تخطر على الذهن في هذا الصدد «جاي الزمان» (2015) لدينا حمزة وفيلم «العذراء والأقباط وأنا» (2012) لنمير عبد المسيح. وفي حين قدم الفيلمان ـ لا سيما الأخير ـ طبقات عديدة من الثراء، يبرز فيلم يونس ببساطته المطلقة كقطعة من الواقع يسهل على المشاهد أن يقيم علاقة معها.

يثبت «هدية من الماضي» أن يونس سينمائية موهوبة. وهي حاليًا تعمل على تدبير تمويل لفيلمها القصير التالي من خلال تعاون مع أبفيوز Up-Fuse لصناعة الحقائب، والتي يمكن شراء منتجاتها من زاوية. والفيلم التالي عن الساعات الأخيرة التي قضتها مع صديقة موشكة على الهجرة، ويفترض أن يكون فيلمًا روائيًا، لكن يونس تأمل أن توافق على لعب دورها وأن تصور في الشقة التي كانت صديقتها تعيش فيها، متلاعبة بالحدود بين الواقع والخيال.

يعرض «هدية من الماضي» الخامسة والعاشرة مساء الثلاثاء 20 ديسمبر في سينما زاوية خلف سينما أوديون بوسط البلد.

اعلان
 
 
روان الشيمي