حوار: الوصم الاجتماعي والمشكلات القانونية أخطر ما يواجه مرضى الإيدز في مصر
 
 

في الوقت الذي أحيا فيه العالم اليوم العالمي لمكافحة الإيدز في الأول من ديسمبر، تعلن إحصائيات الأمم المتحدة أن مصر يوجد بها نحو 11 ألف شخص مصابون بالمرض، معظمهم حالات انتقلت إليهم العدوى عن طريق العلاقات الجنسية. ورغم أن المرض ليس منتشرًا بشكل كبير في مصر، إلا أن هناك قلقًا دائمًا تجاه الدعم الذي يتلقاه المصابون.

تحدث «مدى مصر» مع عبده أبو العلا، الناشط في مكافحة الإيدز والدفاع عن حقوق مصابيه، لمعرفة كيف انضم إلى جهود مواجهة المرض، ورؤيته للاستراتيجية المناسبة لبلد بمعدلات إصابة محدودة، ولسؤاله حول العلاج الذي يتلقاه مرضى الإيدز.

* مصر ضمن منطقتين في العالم يزداد فيهما أعداد مرضى الإيدز، وذلك وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة. هل ذلك بسبب زيادة الإصابة بفيروس HIV أم أن ذلك انعكاسًا لزيادة حالات اكتشاف المرض؟

– في رأيي، يتعلق ذلك الأمر بتوافر الاختبارات مع تضييقات ومخاوف أقل. يمكننا أن نرى تزايد هذه الأرقام كنتيجة للجهود المنظمة المبذولة طوال السنوات العشر السابقة. وهي نتيجة أيضًا للمزيد من البرامج الموجهة. فمصر بلد ذات معدلات منخفضة في الإصابة بفيروس HIV، ولذلك توجيه جهود مكافحة المرض إلى عموم السكان ليس بالضرورة الاستراتيجية الأفضل. تحتاجين إلى العمل مع القطاعات السكانية الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالمرض. ولذلك هناك المزيد من الاختبارات الموجهة لفئات بعينها، مما يساعد على جعل الإحصائيات أكثر دقة في التعبير عن حقيقة الإصابة بالمرض.

* اختبارات موجهة يتم إجراؤها بواسطة من؟

– البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، والمجتمع المدني.

* الفاعلون الأساسيون هم البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز والمجتمع المدني وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز؟

– بالضبط.

* ما العلاقة بين هؤلاء الفاعلين؟

– في الواقع، الشراكة في برنامج مكافحة الإيدز هي واحدة من أكثر القصص نجاحًا. توضع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإيدز دائمًا بالشراكة مع المجتمع المدني. ويوجد حوار بنّاء مع البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز برعاية وزارة الصحة، التي يأتي دورها كمنسق بين الجهود الوطنية لمكافحة الإيدز أكثر من كونها مقدم للخدمة. فدائمًا، ما يتم دعوتنا للمشاركة في الحوارات التي تتم سواء بخصوص الأهداف الاستراتيجية أو التمويل أو تقديم الخدمة وتقييمها أو تحديد مواضع الثغرات وهكذا. وكثيرًا ما يتم دعوتي كناشط وليس ممثل منظمة.

مثل هذه الدرجة من المشاركة لا أجدها في قضايا أخرى مثل الإسكان، وهو المجال الذي عملت به عدة سنوات أيضًا. فعلى سبيل المثال، قد لا تجدي ممثلين عن المجتمع المدني في الحوارات في مثل هذه القضايا. ربما يأتي ذلك التمثيل الواضح للمجتمع المدني في مكافحة الإيدز بسبب وجود عدد قليل من المنظمات التي تعمل على مواجهة الإيدز في مصر، ولذلك فالحوارات تصبح ممثلة بالفعل للعاملين في هذا المجال، ويمكن بناء شراكة بسهولة.

ربما أيضًا وجود برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز يُعد عاملًا. فهم حريصون على مشاركة أطراف عديدة من المجتمع المدني.

* ذكرت أن عملكم أصبح موجه بشكل أكبر تجاه الأشخاص الأكثر تعرضًا لخطر الإصابة بالمرض، هل يمكنك أن تفصح لنا أكثر عن ذلك؟

– أقصد النساء أو الرجال الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالمرض. لا أحب بالفعل وضع هذه المجموعات في تصنيفات محددة لما يضيفه هذا من وصم لهم، وهو ما حدث عندما ظهر الإيدز في مصر. لقد أصبح الكثيرون يرونه المرض الذي يصيب المثليين، وهو أمر غير صحيح. أي شخص يمكن أن يكون عُرضه للإصابة بالإيدز، إلا أن هناك مجموعات أكثر عرضة للإصابة أكثر من غيرهم لأسباب عديدة. وهذه المجموعات، أحيانًا، ما تكون موصومة اجتماعية، ولهذا أنا متوتر تجاه التصنيفات.

* يبدو أن هناك الكثير من الأمور مرتبطة بالوصم.

– نعم، الوصم والحقوق. كثيرًا ما يخشى الناس التوجه إلى مقدمي خدمات الكشف والعلاج، أو الإفصاح عن حالتهم المرضية حتى لأفراد أسرهم، خوفًا من الإقصاء. نفترض أن هناك إمرأة لديها زوج منخرط في أنشطة خطيرة تعرضه للإصابة بفيروس HIV مثل إدمان المخدرات، فلن تكون قادرة على التفاوض من أجل تأمين علاقة زوجية آمنة، بسبب علاقات القوى بينها وزوجها. تصبح هذه السيدة في هذه الحالة مُعرّضة للإصابة بالمرض. حتى إذا ما أعطيتها المعلومات التي تحتاجها لتأمين نفسها، فلا يوجد الكثير في يدها لتفعله.

حتى إن كانت تعلم أن زوجها منخرط في أنشطة تعرضه للإصابة بالمرض، ستخشى الذهاب لمقدمي خدمات الكشف والعلاج خوفًا من الوصم المرتبط بالمرض، والذي يربط بينه وبين سلوكيات اجتماعية وجنسية معينة. ستواجه النبذ لأن الافتراض الأول سيكون أنها منخرطة في أحد السلوكيات التي يدينها المجتمع. إذا كان لديها أبناء، فربما يتم انتزاعهم منها، ربما تُطرد من المنزل أو تُفصل من العمل.

* ماذا تفعل مبادراتكم في حالات مثل هذه؟

– هناك خدمات مختلفة، لكن هناك دعم قانوني أيضًا. لا يفكر الناس عادة في المشكلات القانونية المرتبطة بالإيدز، ويرونه فقط كمشكلة صحية، إلا أنها مشكلة اجتماعية وحقوقية أيضًا. ولذلك يوجد دعم قانوني لحالات، مثل من يتم طردهم من البيت أو العمل.

* كان هناك نصر قانوني هذا العام يقضي بعدم جواز الطرد من العمل في حالة الإصابة بفيروس HIV؟

– نعم، لقد عملت على هذه القضية. لقد تم فصل شخص من عمله عندما أصبح معروفًا أنه يحمل الفيروس، وتولت إحدى منظمات المجتمع المدني هذه القضية. وقدموا أدلة تؤكد عدم إمكانية انتقال الفيروس إلى آخرين خلال علاقات العمل. لقد فاجأتنا النتيجة النهائية؛ فقد أكد القاضي في حيثيات حكمه أن فيروس HIV لا ينتقل عبر علاقات العمل، وأنه لا يشكل خطر على بيئة العمل، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يُعد سببًا للفصل. ويجهّز صاحب العمل طعنًا على ذلك الحكم.

أهمية هذا الحكم تأتي من أنه يرسي مبادئ قانونية من بينها حق المصابين بمرض الإيدز في العمل، وهي إحدى أكبر المشكلات التي يواجهها الناس، فهم يُفصلون بمجرد أن يصبح مرضهم معروفًا. كل هذا بسبب المخاوف التي لا أساس لها من الصحة أن ينتقل الفيروس أثناء العمل المشترك، بالإضافة إلى أن يصبح مكان العمل مُصنفًا كمكان مصاب بالإيدز، مما يعيدنا إلى قضية الوصم ثانية.

* هل يساهم الأطباء في وصم مرضى الإيدز؟

– كثيرًا ما يحدث هذا. من يعملون في القطاع الصحي يفهمون طبيعة الفيروس، ويعلمون أنه عند اتباعهم إجراءات السلامة الأساسية أثناء علاجهم شخص ما، سيكونون في أمان. بعيدًا عن المعرفة الطبية، الوصم موجود بدرجة كبيرة في القطاع الصحي. فهناك العديد من حالات رفض تقديم العلاج لمرضى HIV وأحيانًا لحاملي أمراض أخرى.

الوصم في أوساط القطاع الصحي هي المشكلة الأكثر إيلامًا، ومن الصعب مواجهتها. المشكلة ليست في الأطباء المتخصصين، بل في الأطباء بشكل عام. ومن الصعب اتخاذ إجراء قانوني، لأنه من الصعب أن تجد أدلة على رفض الطبيب تقديم الخدمة العلاجية أو أن إصابة المريض بالإيدز هو سبب رفض تقديم العلاج.

لقد قمنا ببعض العمل في مستشفيات لخلق بيئة داعمة لمرضى الإيدز للحصول على الخدمات العلاجية التي يحتاجونها، غير أنها مازالت جهودًا متواضعة.

* ماذا دفعك إلى العمل في مكافحة فيروس HIV ومرض الإيدز؟

– منذ بضعة سنوات، جائني، في مقر المنظمة التي كنت أعمل بها، شاب صغير عمره 19 عامًا مصابًا بالإيدز ومن عائلة فقيرة. لم تكن لديّ أي معرفة بكيفية التعامل مع الموقف. وكان الولد يحتاج إلى دخول العناية المركزة لمدة أسبوع. ذهبنا إلى عدد من المستشفيات العامة والخاصة، غير أنهم رفضوا معالجته حتى مات.

شعرت وقتها أن هناك شيء ما خطأ. الكثير من هؤلاء مهمشين اقتصاديًا واجتماعيًا، وبالتالي ليست لديهم القدرة على رفع أصواتهم، رغم أن بعضهم بدأ بالفعل. وإذا ما أضفت إلى ذلك الوضع الوصم المرتبط بالمرض، فيمكنك أن تفهم لماذا لا توجد مظاهرة مثلًا أمام الوزارة تطالب بحقوقهم، أو أمام المستشفيات التي ترفض تقديم العلاج للمرضى.

أعمل على هذه القضية لأنها مرتبطة بالعدالة والمساواة. وبالحديث عن هاتين القيمتين، فمن يعيشون بفيروس HIV هم قطاع من السكان الذين يحتاجون مثل هذا العمل، حتى لو مثّلوا نسبة صغيرة من السكان.

اعلان
 
 
نايرة أنطون