تخفيض «أوبك» لإنتاج النفط.. الربح للكبار والخسارة للصغار
 
 

لأنه لا يمكن أن يخرج الجميع رابحين، كان يجب على كبار منتجي النفط، والدول ذات النفوذ السياسي الأكبر بين الأعضاء الـ13 لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، أن يخرجوا بقرار يوزع الخسارة على الجميع، لتخرج منه الدول ذات الإنتاج الأكبر محتفظةً بهامش من الربح.

في خطوة هي الأولى منذ الأزمة المالية في 2008، قررت الدول الأعضاء بـ «أوبك»، في اجتماعها أمس الأربعاء، بالعاصمة النمساوية فيينا، تخفيض إنتاجها من النفط، الذي بلغ إجماليه أكثر من 33.6 مليون برميل يوميًا في أكتوبر الماضي، بواقع مليون ومئتي ألف برميل يوميًا، توزع حصصها على الدول الـ13 الأعضاء في المنظمة، بعد تجميد إندونيسيا عضويتها عقب اتخاذ القرار.

وخرج وزير النفط السعودي، أحد أهم المتنفذين في قرار «أوبك»، خالد الفالح، ليعلن، بعد انتهاء الاجتماع، إقرار الاتفاق الذي وضعت بذرته في الجزائر، سبتمبر الماضي، والذي يقضي بالوصول بسقف إنتاج النفط لأوبك إلى 32 مليون و500 ألف برميل يومياً.

وبالرغم من أن الاتفاق يُلزم السعودية بأعلى حصة تخفيض بين جميع الدول، بواقع 486 ألف برميل يومياً، ليصل إنتاجها إلى 10 ملايين و58 ألف برميل يومياً، بدلاً من 10 مليون و544 ألف برميل في أكتوبر، إلا أن السعودية ستظل تنتج كميات من النفط بأكبر مما تم تسجيله لعام 2014، الذي بلغ تسعة ملايين و688 ألف برميل يومياً، عند بدء أزمة أسعار النفط.

يكمن النجاح في إنفاذ القرار، بعد أسابيع من المفاوضات المكثفة، وأشهر من المحاولات الفاشلة لضبط سوق النفط، في توصل القوتين السياسيتين الأكبر في أوبك، والغريمتين في المنطقة، السعودية وإيران، إلى توافق ضمني، أخرج الرياض وطهران رابحتين.

فبعد أن عرقل إصرار السعودية على انضمام إيران لأي قرار بتخفيض الإنتاج كشرط لالتزام الرياض به محاولات مستمرة منذ بداية العام لتقليل المعروض من النفط، توصل البلدان أخيراً إلى مجاملة بعضهما حتى يخرج الاتفاق إلى النور، كما رأى، جاوراف شارما، المحلل في شؤون الطاقة لدى «فوربس» و«إنترناشيونال بيزنس تايمز».

بحسب الاتفاق، إيران هي الدولة الوحيدة التي حُددت لها زيادة في الإنتاج، بعد تمسكها بالمطالبة برفع إنتاجها إلى مستوى ما قبل فرض العقوبات الاقتصادية عليها على خلفية برنامجها النووي، قبل عقد من الآن.

ومع إنفاذ الاتفاق، يناير المقبل، سيرتفع إنتاج إيران من النفط بواقع 90 ألف برميل يومياً، ليبلغ أقل بقليل من أربعة ملايين برميل في اليوم.

ويقول شارما إن «كلًا من إيران والسعودية أرضتا غرور بعضهما (…) وبالنظر لتعاون روسيا، يبدو أن هناك محاولة لتهدئة الموقف. ومع ذلك يظل إنتاج السعودية وروسيا يسجل ارتفاعات تاريخية».

ومن المفترض أن تنضم روسيا لاتفاق تخفيض الإنتاج، حسبما أعلن وزير النفط السعودي في تصريحاته للصحفيين خارج مقر «أوبك» بفيينا الأربعاء، بواقع 300 ألف برميل يومياً، في حين تخفض دول أخرى غير أعضاء بـ«أوبك» إنتاجها بإجمالي 300 ألف برميل أخرى.

ووجهت أوبك الدعوة لمنتجي النفط من غير أعضائها إلى اجتماع في 9 ديسمبر المقبل، عرضت الدوحة أن تستضيفه، إلا أن وزير النفط القطري، رئيس الدورة الحالية لـ«أوبك»، محمد صالح السادة، أكد أن قطر وأوبك منفتحتان على أي خيارات أخرى لمكان عقد الاجتماع.

ومن المنتظر أن يتم إقرار انضمام الدول غير الأعضاء في «أوبك» إلى الاتفاق في اجتماع الشهر المقبل، ومن بينها روسيا وأوزباكستان وعُمان، وفقاً للفالح.

ويرى مدير شركة «ألفا إينيرجي» البريطانية  لدراسات الطاقة، جون هول، أن قرار اليوم لا ينقذ السوق بقدر ما ينقذ ماء الوجه لأوبك كلاعب رئيسي في سوق النفط العالمي، معتبراً أن ما تم إعلانه الأربعاء يظل بلا قيمة بلا اتفاق كافة الدول حوله في اجتماع ديسمبر.

وبينما تشاركت السعودية وإيران في تحقيق أهدافهما، خسرت العراق معركتها مع أوبك، بعد أن انتهى الاجتماع باعتماد أوبك المصادر الثانوية لحساب مستوى إنتاج كل دولة وبالتالي حصص التخفيض، بعكس ما طالب به العراق مراراً، كان آخرها في اجتماع رباعي مساء الثلاثاء الماضي بناء على دعوة من العراق، من اعتماد بياناته الحكومية الرسمية حول مستويات الإنتاج.

وكان العراق ألمح في السابق، خلال مرحلة المفاوضات، إلى رغبته في استثنائها من قرار التخفيض، بسبب احتياجها لعائدات النفط كاملةً لتمويل حربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وضبط الوضع الأمني.

وتعتمد أوبك في أعمالها على مصدرين للمعلومات، أحدهما البيانات الرسمية لكل دولة عن حجم إنتاجها ومستويات تصديرها للنفط، والأخرى ما يُطلق عليه «المصادر الثانوية»، وهي البيانات التي يتوصل لها المراقبون، وأهمهم الوكالة الدولية للطاقة وبعض الشركات العالمية، بشأن إنتاج الدول، وغالباً ما تخرج بمعدلات أقل مما تعلنه كل دولة عن إنتاجها.

ويتشكك هول في كافة الأرقام المعلنة من المصدرين بشأن مستويات الإنتاج، مشيراً إلى أن عضوًا بأحد الوفود في المنظمة ذكر له «أننا نجد صعوبة في التعامل مع الأرقام المقدمة من الدول ومن المصادر الثانوية كذلك. كلها غير دقيقة». الأمر الذي يراه هول مشكلة بنيوية تعاني منها أوبك، «فلا أحد، بما في ذلك الحكومات، يعرف الأرقام الحقيقية». واستدرك: «هم على الأغلب يعرفون، ولكنهم يعلنون أرقاماً مختلفة».

ويذهب شارما إلى حد الاعتقاد بأن قرار أمس  يضر بمصلحة أوبك على المدى البعيد، لأنه يُدخِل سوق النفط في حلقة مفرغة من هبوط الأسعار، فخفض الإنتاج، فتعافي الأسعار، فعودة منتجي النفط الصخري للعمل، ليزيد العرض عن الطلب، فتهبط الأسعار مجدداً، في دائرة لا تنتهي.

ويتوقع شارما أن تتراوح أسعار النفط على مدى عام 2017 بين 50 و55 دولار للبرميل، ما يكفي لتحقيق هامش من الربح لدى المنتجين الكبار والقدامى، أو من يستخرجون النفط بالطرق التقليدية، «ولكن مثل هذا القرار بالطبع لا يساعد إنتاج البترول البرازيلي من المياه العميقة، على سبيل المثال، وكذلك الإنتاج في القطب الشمالي، ودول شمال أفريقيا». ويضيف: «الحسبة بسيطة، إن كان نشاطك النفطي منتجًا بالفعل، وداخل حيز العمليات، فالقرار قد يكون جيدًا، حتى وإن لم يزد سعر البرميل عن 50 دولار، غير ذلك، فأنت ذاهب للخسارة».

اعلان
 
 
لبنى منيب