بين نارين: ماذا لو أردت ألا يتعرض المتحرش للتعذيب؟
 
 
صورة: Virginie Nguyen
 

عندما تتعرض فتاة للتحرش الجنسي في شوارع مصر فقد يعتبر البعض أن المشهد أصبح عاديًا. لكن في الشهر الماضي، انقلب واحد من هذه المشاهد ليأخذ سياقًا مغايرًا للمعتاد، إذ تمكنت ضحية من ضحايا التحرش من عقد صفقة مع عائلة من هاجمها، وأيضًا مع وكيل نيابة، تنتهي بخضوع المتحرش للعلاج السلوكي، وإلزامه بالخدمة المجتمعية.

عندما أمسكت بالمتحرش الذي جذبها بعنف من الخلف، شعرت مريم بالحيرة أكثر من شعورها بالنصر. كانت قد طاردته عبر عدة شوارع في ليلة تجمع بها جماهير الكرة لمشاهدة مباراة مهمة، وانتهى الأمر بالفتى محاصرًا برواد مقهى بأكمله.

طلب منها بعض المتجمعين السماح للفتى بالذهاب، رأوا أن إمساكها به وإهانته وضربه كافيًا، لكونه صغير في السن، تقول: «ظن الناس أنه سرق مني شيئًا ما، سألوني عن ذلك، فقلت لهم نعم، سرق شيئًا هامًا جدًا: كرامتي». حينها، انفض كثيرون من حولها غير مقتنعين بما قالت، لكن كل من بقوا شجعوها، وبالمصادفة، كانوا جميعًا رجال.

لاحقًا، وحين وصلت قوة من الشرطة ووضعت الفتى ذي الأربعة عشر عامًا في «البوكس»، بدأوا في ضربه على «قفاه»، شعرت مريم بالذعر، تقول: «كلنا نعلم ما يجري في السجون وأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز في مصر»، تستكمل: «شعرت وقتها أنني بين نارين، إما أن أحصل على حقي ويكون الفتى ضحية للعنف، أو أن أتركه لحال سبيله، ويستمر في فعل الأمر نفسه مع أخريات، ووقتها أكون سلبية، وغيرها من الأوصاف التي لا أقبلها على نفسي».

في قسم الشرطة، وصل شقيق الفتى أولًا ، لكن مريم أصرت على حضور والديه، كانت تخشى أن الأخ ربما يخفي الأمر، وأحست أن الوالدين هما المسؤولان فعليًا عنه. اطمئنت مريم عند حضورهما، تقول: «لم يحاولا في أي لحظة أن يقللا من شأن ما حدث أو يبرراه. عبرا بالفعل عن أسفهما، وأكدا على ضرورة عقاب الابن، لكنهما ترجياني لإيجاد طريقة بديلة لعقاه حتى لا يُسجن؛ كونه طفلًا. بشكل ما، كانا هما أيضًا بين النارين ذاتهما».

في تلك الليلة، اتصلت مريم بمحام صديق لها، يعمل في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والذي اقترح عليها أن تترك الطفل يبيت لليلة واحدة في القسم ثم تتنازل عن المحضر في اليوم التالي. شعرت بعقلانية الاقتراح، لكنها لم تقتنع به. تقول: «لم أكن أبحث عن عقاب، بل عن حل». لم تستطع النوم في تلك الليلة، وخلال محادثات مع أصدقائها اهتدت إلى فكرة أن الفتى يمكن أن يقوم بنوع من الخدمة المجتمعية بدلًا من حبسه لفترة ما.

أمران ساعدا على اعتماد هذا الحل الأخير: عائلة الفتى، ورد الفعل المفاجئ لوكيل النيابة. رأت مريم أن هذا الحل قد يكون مجديًا حين رأت إحاطة عائلة الفتى به، وكونها تتفهم مدى فداحة ما أقدم عليه ابنهم. وعليه، قررت البدء بالتحدث مع العائلة، تقول: «قبل أن أقول أي شيء، قالت لي الأم إنها ستعرض ابنها على معالج سلوكي، فاطمأنيت».

قال وكيل النيابة لمريم أنه سيدعمها أيًا كان قرارها. تقول: «كان مشجعًا لأي بنت في هذا الموقف أن تسمع هذه الكلمات من شخص في مثل هذا المنصب في أحد مؤسسات الدولة. لكني كنت لا أزال في حيرة من أمري، وأريد أن يأخذ شخصًا آخر القرار بدلًا عني»، وتضيف: «نعم، طمأنتني الأسرة، لكني لم أدري هل سينجحون في القيام بالأمر».

أخبرت الشابة وكيل النيابة عن مبادرة «خريطة التحرش»، وهي مبادرة تحث المواطنين والمؤسسات على عدم الصمت تجاه المتحرشين، وعدم التسامح مع التحرش. وعلى عكس ما توقعت، لم يرفض وكيل النيابة الأمر، بل وطلب منها، بشكل غير رسمي، وسيلة للتواصل مع المباردة للتعاون معهم في القضايا المشابهة.

كون المتحرش قاصرًا زاد صعوبة الأمر. لو لم يكن كذلك، لكانت مريم أخذت المزيد من الوقت قبل أن تُسقط القضية جنائيًا. الأمر الذي أشار له مدير وحدة «المناطق الآمنة» في المبادرة أحمد حجاب، قائلًا إنه من الواضح أن عددًا كبيرًا من القاصرين يضطلعون في حوادث تحرش جنسي، مشيرًا إلى تقرير المبادرة السنوي الأخير الذي أوضح أن 8% من حالات التحرش التي تم تبليغهم بها كان المتحرش فيها قاصرًا.

العديد من النساء يجدن أنفسهن في نفس موقف مريم، بحسب داليا عبد الحميد، مسؤولة ملف النوع الاجتماعي وحقوق النساء في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. والتي تقول إن العديد من النساء يكن حائرات بين رغبتهن في محاسبة المتحرش، وفي الوقت نفسه لا يردن سجنه. وتشير في هذا السياق لحادثة وقعت منذ سنتين، عندما طلبت امرأة التحدث إلى المتحرش بها أثناء محاكمته، وقالت له إنها لا تريد أن يُسجن، لكنها تريد ضمان عدم تكرار فعلته، وبعدها أُخلي سبيله.

في حالة أخرى أحدث، تعرضت امرأة للتحرش الجنسي من قبل شرطي أثناء تواجدها في مجمع التحرير.وتعرضت لضغوط لعدم توجيه اتهامات له، وكانت مترددة حيال ذلك. وأسقطت الضحية الدعوى الجنائية ضده، على أن يتبرع بمبلغ مالي معين لإحدى الجمعيات العاملة مع اللاجئين السوريين. نظرًا لأن الشرطي برر تحرشه بها بأنه اعتقد أنها «سورية الجنسية».

هل إعادة التأهيل ممكنة؟

على الرغم من صدق النوايا في حالة مريم، من ناحيتها وناحية الأم وأيضًا وكيل النيابة، إلا أن الخيارات البديلة للعقاب القانوني كانت محدودة. فبينما لا تمتلك مبادرة مثل خريطة التحرش ما يلزم المتحرش قانونيًا بالتطوع، على الأقل من الناحية الإدارية كونه قاصرًا. رحبت المبادرة بمشاركته في أيٍ من أنشطتها، بشرط أن يُعرض أولًا للعلاج السلوكي، تجنبًا لمخاطر اختلاطه بالمتطوعين الآخرين فيما يفترض أن يكون بيئة آمنة. إلا أن الأم نفسها لم تستطع العثور على معالج سلوكي مختص في مثل هذه المشاكل.

حاولت مريم كذلك التحدث مع منظمات أو جمعيات أخرى تعمل في هذا النوع من القضايا، مثل مؤسسة نظرة للدراسات النسوية. لكن المدير التنفيذي للمؤسسة، مزن حسن، أشارت إلى أنهم لا يعملون مع الجناة في حالات التحرش، وأن الأمر ليس على أجندة أعمالهم. معتبرة أن عملية تغيير مفاهيم المتحرش معقدة وطويلة وتتطلب الكثير من الموارد، وقالت: «مع مواردنا المحدودة نفضل التعامل مع النساء وليس مع الجناة. وربما تكون فكرة جيدة أن أراد متحرش سابق القيام بمثل هذا المشروع».

في النهاية، ترى حسن أن إعادة التأهيل يجب أن تكون دور الدولة. وتقول إن «الطريقة التي ستجعلهم يدركون خطأهم هي أن يكونوا موصومين، وإذا تم إجبار المتحرش على آداء الخدمة المجتمعية كعقوبة من الدولة، سيشعر بالوصم، أما إن أجبرته على التطوع في مكان ما بدون أن يُسجل هذا في سجله الإجرامي، لا أظن أن ذلك سيكون مؤثرًا».

وعلى الرغم من رأي حسن، وآخرين عاملين في نفس المجال، على وجوب تضمين إعادة التأهيل في العملية القانونية، إلا أن القانون المصري لا يقر بالخدمة المجتمعية كعقاب على العنف الجنسي، كما تركز المنظومة القانونية عمومًا على العقاب أكثر من إعادة التأهيل.

تقول عبد الحميد: «حتى إن كان هناك ما يمكن تسميته إعادة التأهيل في السجون المصرية، سيكون الشك في جدواه سيد الموقف. لأن وجود مثل هذه البرامج مقرون بتدخل قوي من مناصري حقوق الإنسان والنسوية، والدولة لا تحترم هؤلاء مطلقًا».

القانون والوصم الاجتماعي

تم تمرير قانون التحرش الجنسي في يونيو 2014، والذي تضمن الحبس كعقوبة للتحرش، وكلل سنوات طويلة من الحملات وورش العمل المنظمة من قبل الجمعيات غير الحكومية، برغم ذلك لم يتم تمرير الكثير من توصياتهم ضمن القانون بصورته النهائية.

سابقًا، لم يكن هناك قانون بعينه للعقاب على جرائم التحرش الجنسي، وكان يتم استخدام ثلاثة مواد من قانون العقوبات: المادة 278 لممارسة الفعل الفاضح في الطريق العام، والمادة 267 المختصة باغتصاب الأنثى، والمادة 268 المختصة بجريمة هتك العرض.

وتشير عبد الحميد إلى أنه كان مهمًا أن يتم إيجاد ردع. تقول: «الحبس والتجريم كانا ضروريين للرد على حالة التطبيع مع التحرش التي استمرت لسنوات، وللتأكيد على أن التحرش الجنسي جريمة».

فيما ترى «خريطة التحرش»، التي ناضلت بقوة لخروج هذا القانون، أن الوظيفة المحورية له هي الردع. يقول حجاب: «الآن هناك زنازين بأكملها ممتلئة بالمتحرشين جنسيًُا، لكن الدولة لا تعلن عن الأرقام، ما جعل الأثر الرادع للقانون أقل مما ينبغي».

لكن عبد الحميد بدورها تحذر من أن «تجريم كل شيء ليس حلًا للأمراض الاجتماعية. على المدى الطويل لا يمكن أن تكتفي فقط بوضع الناس في السجون، وباء مثل التحرش الجنسي لن يتم حله بأحكام بالسجن».

أما مزن حسن فتتساءل: «لماذا هناك أوبئة اجتماعية؟»، قبل أن تجيب: «لأن الناس لا تعتبرها جريمة يعاقب عليها القانون». تشرح حسن الأمر قائلة إنه بات من المقبول العمل إلى جانب متحرش أو شخص معروف بالتعدي جسديًا على زوجته، لكن هذا لن يكون مقبولًا لو كان الشخص لصًا مثلًا، وتضيف: «فكرة التجريم ليست أن تبقي الناس بعيدًا، إنما أن تجعلهم يعلمون، هم والمجتمع، أن ما فعلوه ليس مقبولًا».

يبدو أن معظم هؤلاء الذين عملوا من أجل إصدار قانون مكافحة التحرش الجنسي يتفقون على أنه إن كان للقانون أي آثار، فهذا نتيجة الحراك المجتمعي، أكثر من كونه سلوك الدولة. وبالتأكيد، فإن السيدات اللاتي حاولن تقديم شكاوى بشأن تعرضهم للتحرش قبل 2011 خاطرن بتعرضهن لحملات تشهير، وكان من المرجح أن يتم إهانتهن ووصمهن، ويقال لهن بأن الحديث عن مثل هذه الأمور غير لائق.

تقول عبد الحميد إنه «فقط عندما نشهد حركة اجتماعية متجذرة، من الرجال والنساء، يناضلون ضد الأمر، ويوضحون أنهم ضد التحرش ويطالبون بتطبيق العقوبات القانونية، وبالمحاسبة ووضع حد لإفلات المتحرشين من العقاب. حينها فقط سيكون للقانون معنى حقيقي»، وتضيف: «منظور الحكومة كان رأسيًا؛ عندما قالوا إنهم يريدون وضع خطة قومي، لم يقبلوا بالاقتراب من المناهج الدراسية، أو الخطاب العام، أو الإشارة للمساواة بين الجنسين بأي شكل مُجدي».

عملت مجموعات متنوعة جاهدة على تفكيك الأفكار حول كون الضحية مسؤولة عن التحرش بها، وضد ثقافة وصم الضحية. على سبيل المثال، تعمدت «خريطة التحرش» جعل مجموعاتها مكونة من عدد متساو من الرجال والنساء. وفي السنة التي تلت صدور القانون، بدأوا حملة «المتحرش مجرم» لنقل الوصم إلى المتحرش بدلًا من الضحية. وهنا تؤكد عبد الحميد: «حدث تحول كبير. خصوصًا حول السؤال عن من الذي يجب وصمه».

بالرجوع إلى قصة مريم، فإن ملاحقتها للمتحرش لم تكن بعيدة عن طبيعتها الشخصية. تقول مريم إنا تواجه كل حوادث التحرش التي تتعرض لها، وهي مسألة مبدأ بالنسبة لها، حتى إن كان التحرش لفظيًا. لكنها توضح أنها لم تكن دومًا هكذا، تقول: «كنت واحدة من اللواتي تربين على عدم الرد على الإساءة، لأن هذا سيضعنا في نفس مستوى المسيء. لكن بعد خمس سنوات من الثورة، خمس سنوات من التحرش في كل مكان، بات لديّ وعي مختلف عما كان في السابق».

وتختم عبد الحميد الموضوع قائلة «في مائدة نقاش مستديرة العام الماضي، عكست عمل استمر لأربع سنوات لمواجهة التحرش، كان واضحًا الميل نحو نظرية الخدمة المجتمعية وإعادة التأهيل». لكن وسط معاناة المنظمات النسوية من محدودية الموارد، وزيادة الاحتياج لما يقومون به في نفس الوقت، ووجود قانون موجه نحو العقوبة، يبدو أن النساء سيبقين محاصرات بين نارين، مثلما كان حال مريم، وربما يجدن في الحلول غير الرسمية فقط مخرجًا من هذه الدائرة المفرغة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

*مريم هو اسم مستعار، تم استخدامه بناء على طلب بطلة القصة عدم استخدام اسمها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ترجمة: عمر سعيد

اعلان
 
 
نايرة أنطون