«ديكريشندو» محمد هلال .. سيرة موسيقي وموسيقى

في فيلم «أرزق» لكيشلوفسكي، ترك الزوج الميت نوتة بها كونشرتو ناقص ممزق، وطوال الفيلم نسمع مقاطع موسيقية عبارة عن أجزاء متقطعة وغير مترابطة، ولكنها في النهاية تتجمع لتكتمل الصورة.

هناك قصص حياة تظل مبعثرة ومجتزأة، تحتاج لمن يجمع البازل.. مبدع كان ملء السمع والبصر، وفجأة ينطفئ .. يسأل البعض عنه باكتراث أو بعدم اكتراث، ثم تبتلعهم دوامة الحياة وينشغلون بأشياء أخرى.

هناك قصة سكندرية تحولت لشبه أسطورة شعبية غير مكتملة بين عتاولة الثغر عن «تليفونست» بمنطقة باب الكراستة يسمى مرقص باسيلي، كان لديه صوتًا جبارًا وموهبة في التلحين. غنى تحت اسم «عزت عوض الله» حتى أصبح وحش الإذاعة السكندرية، التي أخرجت لنا عمالقة مثل بدرية السيد وفايد محمد فايد. لعزت -أو مرقص- أغنية نجحت نجاحًا باهرًا، هي «يا زايد في الحلاوة»، لدرجة أن عدوية أعاد غنائها في ما بعد.

أغنية «يا زايد في الحلاوة» لعزت عوض الله

تساءل الناس كثيرًا: لماذا لم يكمل عزت نجاحه ويغزو القاهرة؟، تقول الأسطورة إنه كان يقول في كل محفل وكل مكان إن عبد الحليم حافظ هو من حارب وجوده في القاهرة، وبسبب كونه مسيحي عانى من النفور، وكتب أحد العازفين ممن عملوا معه أنه كان يأتي للتسجيل مخمورًا، يسب و يلعن الظروف والحياة والبشر والقاهرة وعبد الحليم. وانتهت حياة هذا الرجل الموهوب مقتولًا في ظروف غامضة في أحد أزقة الإسكندرية.

يمر المبدع أو الفنان بمرحلة الخريف التي تتساقط فيها أوراقه. أحيانًا يشهد بعينيه خفوت وهجه وذبوله، ويقف في الظلام يراقب بألم المطر وهو يحيل اللهب إلى دخان ثم رماد تذروه الرياح. الجمهور وأصحاب رؤوس الأموال وشركات الإنتاج ووكالات الإعلانات قساة، لا قلب لهم. في لحظة يرفعونك لعنان السماء، وإذا تسلل الخدر لك أو توقفت لتلتقط أنفاسك من اللهاث، قد تزاح من السباق لتنزوي في العتمة، وقد تصل لدرجة أن ينسى زملاء الرحلة هل لا تزال على قيد الحياة أم لا.

محمد هلال

صور للراحل محمد هلال في أخريات أيامه، من صديقه المقرب الموسيقي علاء الكاشف.

كان محمد هلال، الذي رحل عن عالمنا في سبتمبر الماضي، موسيقيًا شديد الموهبة، وأنت تستمع لأعماله فكأنك تستمع لأنيو موريكوني أو بيرت باكراك. كان وعاءً اختلطت فيه عدة روافد موسيقية مثل الـ «سول» والـ «فانك»، الموسيقى التصويرية للأفلام مع الجاز والبلوز، مع رياح التغيير التي أتت بعد 68، والتي وصلت مصر متأخرًا. فقد ظلت الساحة الموسيقية ترزح تحت سيرة وسطوة المغنى الفرد لفترة قبل أن تفسح المجال قليلًا للفرق وللروح الجديدة بعد تغير الذوق العام.

بدأ هلال حياته عازفًا في فرق كثيرة ثم عمل في توزيع الموسيقى، وكانت مهنة الموزع غير معروفة بالشكل الكافي، وأول من لجأ لها بشكل احترافي في مصر كان الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما تعامل مع علي إسماعيل وأندريا رايدر.

هلال، الذي اضطرته ظروف قاسية أن يعتزل الحياة العامة، قتله التعفف؛ فقد اختار العزلة والابتعاد، بعد أن وقّع على أعمال كثيرة ناجحة لمطربين مثل إيمان البحر درويش وعلي الحجار ومحمد منير وعايدة الأيوبي. كما وضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام شديدة التنوع، الكوميدية كـ «الدنيا على جناح يمامة»، والميلودرامية مثل «إنذار بالطاعة»، وأفلام الإثارة كـ «ضربة معلم»، بالإضافة إلى أفلام الفنتازيا التي أبدع فيها بإيقاع موسيقاه الغرائبي والطازج، مثل «السادة الرجال» و«سيداتي آنساتي» و«سمك لبن تمر هندي».

لتستمع إلى موسيقاه العذبة المضفرة مع الإيقاع الهادئ لفيلم «أنا وأنتِ وساعات السفر»، وهو عبارة عن ديالوج سينمائي طويل عبّر عن إيقاعه ببراعة.

عند بدايات عمل هلال في شركة «صوت الحب» كان إيمان البحر درويش يبحث عمّن يعيد توزيع أغاني جده سيد درويش. عَرّفه عاطف منتصر على محمد هلال ودخلا سويًا الاستوديو. كان هلال وقتها موسيقيًا غربيًا 100%، فكيف يصيغ توزيعًا شرقيا؟! لكنه وجد، كما يقول الملحن منير الوسيمي، في سيد درويش القنطرة بين الشرق والغرب؛ فدرويش نفسه لم يكن أسير التخت الشرقي المحدود في أعماله، بل نهل كثيرًا من معين موسيقات الفودفيلات الإيطالية عندما كان يدرس الموسيقى على يد أساتذة طليان. ليصدر الألبوم الذي نجح نجاحًا كبيرًا، وأطلق إيمان البحر كالصاروخ في سوق الكاسيت رغم أنه، والكلام لإيمان في أحد حواراته، لم يكن يتوقع أي نجاح لهذا الشريط وتخيل أنها مجرد مغامرة فنية احتمالات إخفاقها أكثر من نجاحها.

توزيع محمد هلال لأغنية «اقرا يا شيخ قفاعة»، والذي استعانوا به في إعلان فودافون

قدم هلال في مسرحية «الهمجي» مجموعة من الألحان تعد من أروع ما لحن ووزع، ولا تزال عالقة بذهن أي أحد، يقول محمد صبحي: «معظم من شاهد المسرحية كان يظن إني قد استعنت بموسيقى من المنتخبات العالمية لتصاحب العرض، ولكني كنت دائمًا أشير لمحمد هلال، الذي أعطاني لحنًا عبّر به عن رحلة الإنسان منذ بدايته حتى وصوله للعصر الحالي، وقد عملت معه في «تخاريف» أيضًا، وبعدها لم أجده».

موسيقى مسرحية الهمجي

هلال أيضًا واحد ممن أطلقوا الفتي الذهبي عمرو دياب؛ فهو الذي قام بتوزيع كل أغاني ألبومه «هلا هلا».

لمحمد هلال محطات كثيرة ناجحة ومؤثرة، منها محطة عمله مع طارق نور في وكالة أمريكانا، وهي المحطة التي كان هلال لا يذكرها كثيرًا بالخير في أحاديثه مع أقرب أصدقائه، رغم أنه حقق خلالها نجاحات كثيرة أشهرها على الإطلاق إعلان «ناموس عمال يقرص يا أخويا»؛ ربما لأنه كان يشعر أن العمل في مجال الإعلانات جاحد، ولا ينسب للمبدع حيث أن الإعلانات في النهاية تظهر دون ذكر صناعها، ولولا ظهور بعض أغاني هذه الإعلانات في شرائط «أمريكانا شو» لما عرفنا من ورائها.

«بنام» من توزيع محمد هلال وغناء الراحل كامل الشريف.

الديكريشندو هي حركة موسيقية تعني الانخفاض السلس الهادئ، وهذا هو الإيقاع الذي صبغ حياة الرجل.

يقول الموسيقي الكبير هاني شنودة: «حتى اليوم في حلقي مرارة من عاطف لما فعله في «هيك»؛ فقد كان يعطيه أجره أحيانًا فراولة وليس نقودًا». و«هيك» هو اسم شهرة هلال، وعاطف هو صاحب الشركة التي عمل بها «هيك»، أو هلال، عازفًا وموزعًا وملحنًا. هذا العازف والموزع والموسيقى السمين المحبوب الذي دمرته المخدرات وتسببت في هدر موهبة كان من الممكن أن تكون أشد خصوبة.

أنهي هاني شنودة مكالمته معي قائلًا: «لما أموت مش هتلاقي حاجة تكتبها عن قصة حياتي يا آدم. أنا أخصلت للمزيكا وبس، لدرجة إن عاطف وغيره من الناس كانوا بيسألوا: هو هاني ده مزيكاتي إزاي؟ ده مش مزيكاتي خالص. وأنا مش لازم آخد مخدرات ولا أروح في داهية عشان أعمل مزيكا جميلة».

كل رفاق المهنة ممن اتصلت بهم أثناء كتابتي أجمعوا أيضًا أن صاحب الشركة التي كان يعمل معها هلال هو الذي دفع به في فترة أن يدمن المخدرات التي تسببت في حرماننا من نصف موهبة هذا الرجل. ولكن هل كان مجبرًا أن تزل قدم هذا الرجل الموهوب إلى هذا السفح؟

تقول إحدي المونتيرات التي عملت معه كثيرًا في موسيقى الأفلام إن محمد هلال في فترة من الفترات كان نموذجًا للتدهور الإنساني الملموس، قد تجده يأتيك في سيارة فاخرة ثم بعدها بعدة شهور يأتيك بسيارة أرخص، ثم في يوم ما تجده قد باع كل شيء ويأتي بتاكسي أو سائرًا على قدميه.
بلغ به الأمر حدًا أن يبيع فيلا والده بثمن بخس، ويعيش فترة في حديقتها، ثم يقضي آخر أيامه في شقة متواضعة في مدينة العبور، وألا يدّخر أيًا مما كسب، بل ينفقه كله بحثًا عن الكيف والمزاج.

في لحظة ما أدرك الرجل أن عالمه يتداعى مثل ورق الكارتون، فتوقف وأقلع وعاد بهدوء للعمل، لكن للأسف هذا الزمن لا يرحم، فكل من كان يعمل معهم إما توقفوا، مثل رأفت الميهي، أو رحلوا، مثل عاطف الطيب.

موسيقى «إنذار بالطاعة» من إخراج عاطف الطيب.

حاول في تلك الفترة أن يعود، وقدم بعض الأعمال مع سيمون وعايدة الأيوبي وعلي الحجار، وعمل وقتها مع رفيقه عصام عبد الله، كاتب الأغاني البديع الذي رحل مبكرًا، في شلة كانت تسمى «شلة إمباير» لأنهم كانوا يقومون بتسجيل معظم أعمالهم في ستوديو إمباير. لكن الزمن تحور، وأخذ هلال خطوة هادئة للوراء جعلته ينزلق انزلاقًا سلسًا ولكنه مؤلم انتهى بالعزلة ثم الرحيل.

آخر ما تركه هلال كان ألبومًا صنعه للمطربة عايدة الأيوبي، تلميذته المخلصة، وأحد أخر من قاموا بالسؤال عنه قبل الرحيل

أغنية «قسمًا» من غناء عايدة الأيوبي وتوزيع محمد هلال.

من المفارقات، أن محمد هلال الذي وضع التيمة الشيهرة للكاميرا الخفية «با با را با را با با»، التي تُستَدعي في أي موقف هزلي يفجر الضحك، يكون إيقاع حياته شديد التناقض مع هذه التيمة. حيث يسطع الديمندو أو الديكريشندو، أي إيقاع السلم الموسيقى نزولًا و ليس صعودًا؛ فهلال بدأ من أعلى السلم وسقط ببطء شديد. حاول أن يتعلق بأهداب الحياة ولكن الريتم كان أسرع، والفجوة كانت اتسعت بينه وبين الجيل الجديد، فاستكان وارتاح في قوقعته، وقل إنتاجه حتى غادر لمحطته الأخيرة دون أن يلوح بمنديل الوداع لأقرب أصدقاءه حتى. وهو رحيل تزامن مع رحيل مبدع آخر من جيله هو الموسيقي المجدد محمد الشيخ، صاحب رائعة علي الحجار «أنا مش عابر سبيل»، والذي رحل هو الآخر في صمت ولكن ما تركه من إرث موسيقى سيظل نابضًا بالحياة، ولأن الزمان سيد مهذب أو جنتلمان، فقد تذكر هلال منذ سنتين الصحفي محمد الصدفي في مقال عذب كتبه على موقع ساسة بوست، وظل هو المرجع الوحيد للحديث عن الراحل.

من أجمل ما قدم محمد هلال مع عصام عبد الله كان رثاء الضيف أحمد بصوت سمير غانم: «عزيزي الضيف أحمد».

بعد رحليه في سبتمبر الماضي لم تكتب أي مطبوعة عن هذا الموسيقي الضخم، ولا عن الموسيقار الكبير محمد الشيخ -الذي كان أول من قدم عمرو دياب- ولا حتى رثتهما نقابة الموسيقيين المنشغلة بجمع الإتاوات من الحفلات. واليوم، وبعد أن رحل دون إعلان، يجب أن نتذكر هلال أو «هيك» والشيخ وأي مبدع ترك أثرًا لا ينمحي على الجدار.

ربما كان ما منع هلال من أن يستسلم تمامًا لليأس، وأن يظل يعمل حتى آخر لحظة، هو الشغف. لقد تآمرت عليه ظروف كثيرة، منها نفسه، ولكنه ظل متشبثًا بالإبداع حتى النفس الأخير.

اعلان
 
 
آدم يس مكيوي