ديلان والأدب ودنيا لا تبقى على حال
من أين جاء لفظ الأدب في اللغة العربية؟
 
 
 
بوب ديلان
 

ثار جدل في الوسط الأدبي إثر منح كاتب الأغاني بوب ديلان جائزة نوبل في الأدب في الرابع عشر من أكتوبر لإبداعه «تعبيرا شعريا جديدا في تراث الأغنية الأمريكية العظيم». ففي حين احتفى كتاب بارزون مثل ستيفن كينج وجويس كارول أوتس وسلمان رشدي بهذا الإنجاز الأدبي لديلان ووصفوه بـ«الوريث الفذ للشعراء المنشدين»، رأى آخرون القرار خاطئا وتساءلوا إن كانت كلمات الأغاني ـ على عبقريتها ـ ترقى إلى مقام الأدب.

تعالوا أيها الكتّاب والنقاد

يا من تتنبأون بالقلم

افتحوا أعينكم

فالفرصة لن تسنح من جديد

ولا تسارعوا إلى الكلام

فالعجلة لا تزال تدور

ولا ندري على من سوف تتوقف

والخاسر الآن

قد يفوز لاحقا

لأن الدنيا لا تبقى على حال.

بوب ديلان ـ الدنيا تتغير ـ 1963

امتد هذا الجدل للأوساط الأدبية العربية، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والنقاشات المباشرة والصحف المطبوعة. فنشرت الحياة اللندنية ما عنوانه «نوبل تفسد سوق الكتب وتثير غضب كتاب العالم»، وفي اليوم التالي نشرت «بوب ديلان الذي أنصفته الجائزة وظلمته». وخصصت جريدة أخبار الأدب المصرية المملوكة للدولة أربع صفحات للموضوع بعنوان «صباح هذا اليوم الغريب». بينما ركزت صحيفة الأهرام المصرية المملوكة للدولة على آراء ديلان المناصرة للصهيونية فتساءلت «هل لعبت السياسة والصهيونية دورا في منح الجائزة؟»

تضمنت تغطية أخبار الأدب شهادات بعض الكتاب والباحثين المصريين على فوز ديلان نشرت تحت عنوان «بوب ديلان، من هذا الرجل؟ هل هذه مزحة؟» بما يشي في تصوري بالإحباط الذي استشعرته الأوساط الأدبية العربية.

من بين الكتاب العشرة الذين حاورتهم أخبار الأدب، لم يبد غير اثنين دهشة وسرورًا. يعد الناقد الأدبي سعيد الكفراوي الجائزة علامة سلبية على «تأثير الفزع على عالمنا»، وفي ذلك صدى من جزم الناقد شاكر عبدالحميد بأن الأمر «جزء من الفوضى التي نعيشها». تعتقد الكاتبة المصرية مي خالد أن الأمر ينم عن استسهال واستصغار للثقافة في زمن لم يعد الناس يجدون فيه وقتًا لقراءة الكتب الصعبة مفضلين عليها المقالات والأغنيات. ولمواجهة هذه النزعة يجب علينا ـ في رأيها ـ أن نحافظ على ما يبذل من جهد في اللغة لأن هذا هو ما يميز الأدب عن غيره من أشكال الكتابة. في حين يفهم الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم منح الجائزة لديلان بوصفه جزءا من الاقتصاد الليبرالي الذي يعلي المبيعات على القيمة. ويضيف أنه لم يندهش، خاصة وأن الجوائز العربية والمصرية تحكمها المعايير نفسها. في حين تبدو الباحثة هبة شريف متذبذبة فتؤيد الرأي القائل بأن أغنيات ديلان يجب أن تصنَّف ضمن الأدب الشعبي، الأدب الجماهيري، وأن الجائزة مؤشر على انفتاح الأكاديمية على أشكال الثقافة الشعبية.

وثمة وجه آخر للاختلاف مع الأكاديمية تشترك فيه الباحثة شيرين أبو النجا والكاتب أحمد شافعي، وهو أن ديلان معروف عالميا كمطرب أو موسيقي، ومن ثم فهو ليس أديبًا. والأديب حسبما يوضح شافعي هو من يكتب الخيال. ولهذا السبب يعتقد الكاتب المصري أن الأكاديمية تساهم في تدمير الأدب، خاصة وأنها منحت الجائزة في السنة الماضية للصحفية سفيتلانا ألكسيفيتش. وتنتهي الناشرة سوسن بشير صاحبة دار آفاق إلى أنهم يجب أن يطلقوا على الجائزة اسم «نوبل للأدب والفن». ويمكن العثور على المزيد من شهادات الكتاب المصريين حول دور الأكاديمية السويدية في تحديد ما الأدب وتعيين هوامش السجل الأدبي the literary canon في موقع مدى مصر، ومن بينها بعض الأصوات المؤيدة كأهداف سويف.

يبدو أن الآراء السلبية تشير إلى مسألتين: الأولى هي أن الأدب ـ وهو شكل مرموق من أشكال الثقافة الرفيعة قوامه المطبوع من الروايات والشعر والقصص القصيرة المكتوب بلغة رفيعة ـ مهدد بالانقراض وأن الأكاديمية السويدية تساهم في موته، والثانية هي أن شخصيات أخرى لا علاقة لها بالأدب كما سبق وصفه تحل محل الأديب كالمطرب/الموسيقي أو الصحفي.

ولا أعتزم هنا أن أجادل في ما ينبغي أن يجعل كلمات الأغاني تعد شعرًا، أو أقر بما إذا كان يحق لديلان أن يلحق بركب المكللين بالغار الأدبي، أو أحقق في رؤاه التي يقال إنها تناصر الصهيونية والتي يفخر بها جمهوره من الإسرائيليين. إنما تدفعني الجائزة إلى تأمل سؤال أكثر عمومية يتعلق بفهم الأدب في مجتمعنا المعاصر.

أريد أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أنه لا يجب فهم مصطلحات من قبيل الأدب والأديب بوصفها مجرد كلمات، بل مفاهيم. والمفاهيم ـ خلافًا للكلمات أحادية المعنى (كالمنضدة على سبيل المثال التي قد تختلف أشكالها لكنها تبقى منضدة دائمًا) ـ أفكار مجردة حافلة بالمعاني الضمنية، ومن هنا غموضها. ومع أن من الممكن فهم هذه المعاني فإنها في أغلب الحالات تكون موضع نقاشات هرمنيوطيقية [تأويلية] مثلما بيَّنت لنا جائزة نوبل التي حصل عليها ديلان في الأسابيع القليلة الماضية. علاوة على أن هذه المعاني تتشكّل بقوة الظروف السياسية والاجتماعية التي يستعمل فيها المفهوم. ومن هنا فإن نطاق المعاني المرتبط بمفهوم معين قد يتغير بمرور الزمن، وقد لا تتبع هذه المعاني في تغيرها مسارًا تاريخيًا خطيًا. فحتى مطلع القرن العشرين كان مفهوما الأدب والأديب العربيين مختلفين جزئيا عن مفهوميهما الإنجليزيين. لقد تزامن ذانك المفهومان مع مشروع النهضة التحديثي الذي غيَّر العالم العربي في ما بين 1850 و1920 تقريبًا، ويعاد تقييمهما اليوم وسط تحولات ثقافية على المستويين العالمي والمحلي.

في البدء كان مصطلح الأدب العربي يعني السنَّة (أي عادات المسلمين وممارساتهم)، ثم بات يستعمل بعد انتشار الإسلام للإشارة إلى جملة المعارف غير الإسلامية التي كانت وظيفتها تتمثل في «تهذيب العقل وتثقيفه» (موسوعة الإسلام لـ إف جابرييل، 2012 ـ Encyclopedia of Islam). ومع صعود أدب البلاط في الحقبة العباسية (في القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي)، بات المصطلح يعني الأعمال الرامية إلى تثقيف وتسلية رجال البلاط، بما فيها التعاليم السلوكية وكذلك الجغرافيا والتاريخ والرحلات.

في بواكير القرن العشرين، بدأ مصطلح الأدب يضم أشكالًا جديدة مثل الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات. ومن ثم بدأ مصطلح الأديب الذي كان يعني «الباحث، واسع الاطلاع، المهذب» (بحسب موسوعة الأدب العربي لـ جيه سادان، 1998 Encyclopedia of Arabic Literature) يُفهم ببطء بوصفه كاتب الأعمال الخيالية. ولقيت هذه العملية دفعًا من سلسلة تحولات اجتماعية وثقافية من بينها: الاطلاع على الأعمال الأدبية الأوروبية من خلال الترجمة، واستعمال المطبعة، ونشوء سوق أدبي، وانتشار التعليم العلماني الحديث، ويتصل بذلك نشوء جمهور جديد من القراء الذين استطابوا القصص. ومن الممكن أن نتتبع تحولًا لمفهوم الأدب في الإنجليزية مماثلا لذلك التحول الذي وقع للأدب والأديب في العربية. ففي الأصل كان ذلك المصطلح يشير إلى شتى أنواع الكتب والكتابة، ولم يحدث إلا في نهاية القرن الثامن عشر  مع مجيء الرومنتيكية الأوروبية أن بدأ تعيين حدود الأدب «الإبداعي التخيلي» (بحسب كتاب Keywords لـ آر وليمز ـ 1976). والأكاديمية السويدية على دراية بتغير طبيعة هذه المفاهيم، إذ يشير موقعها الإلكتروني إلى تغير معايير منحها الجائزة على مدار القرن.

لم يكن التحول الذي طرأ على هذه المفاهيم محصنًا من النقاش. فالجدل الناشئ حول السماح بإدراج قوالب معينة ـ مثل كلمات الأغاني ـ في مصاف الأدب يذكرني بجدالات مماثلة سواء في النهضة العربية أو في إنجلترا القرن الثامن عشر بشأن أدبية الرواية على سبيل المثال.

في العالم العربي، كانت الروايات تُرى في بداية الأمر ملهيات للشباب، ثم باتت تعد من جملة الأدب بالتركيز على دورها التربوي (اللاخيالي non-fictional) والتثقيفي والأخلاقي. كان الكتاب العرب يستعملون القصص القصيرة والأعمال الدرامية لعرض المشكلات الاجتماعية. وكان جزء من النقاش الدائر حول وضع الرواية الأدبي يوعز أيضًا إلى حقيقة أن الروايات المعرّبة وشبه المترجمة كانت تغزو سوق الطباعة العربي في ذلك الوقت.

ويرتبط هذا بنقطة أخرى أريد أن أثبتها وهي أن إعادة صياغة معنى مصطلح الأدب -في العالم العربي في بداية القرن العشرين- على غرار المصطلح الغربي كانت تنطوي على مساواته بالثقافة الرفيعة، فكان معنى ذلك استبعاد كم هائل من الأعمال المنتمية إلى العالم الشعبي الهابط. وقد استُبعدت هذه الأعمال من سجل الأدب المصري الوطني لما فيها من إفراط في الاعتماد على الخيال، وانتهاجها الأسلوب الدارج أو العامية المصرية (انظر «صنعة السرد والواقعية» The Narrative Craft and Realism لسماح سليم ـ 2010). لذلك لم يدخل في زمرة الأدباء وفي مؤسسة الأدب شعراء الزجل من أمثال بيرم التونسي (1892 ـ 1961) الذي يرى الشاعر المصري جرجس شكري (في حواره مع أخبار الأدب) أنه سلف محتمل لديلان، فقد كتب بيرم أيضا الكثير من الأغنيات الشعبية العامية واسعة الانتشار.

في العقود الأخيرة بات الكثيرون في العالم العربي وفي بقية الوسط الثقافي في العالم لا يجدون منطقًا في القسمة بين الثقافتين الرفيعة والشعبية. وتكفي زيارة لمعرض القاهرة السنوي للكتاب أو إلقاء نظرة على تقييمات جودريدز Goodreads لنرى أن اهتمامات الشباب العربي تشمل الأعمال الرائجة والروائع الكلاسيكية والروايات المصورة والكتب الإسلامية والأدب الساخر، التي غالبًا ما يتاح تنزيلها بالمجان عبر الإنترنت.

تزدهر في الأوساط الأدبية العربية وفي غيرها أنواع تجمع بين الكتابة والعناصر البصرية والصوتية مثل الروايات المصورة والمدونات أو الروايات الرقمية. لقد وسعت الثورة المصرية -بحسب ما قالت أهداف سويف في حوارها مع نائل الطوخي لمدى مصر- تعريف الأدب ليشمل أشكالًا فنية عديدة كالمدونات والجرافيتي والشعارات الثورية ورسائل السجون -«الأدب في كل مكان». لذلك ليس من المفاجئ أن يتبين أن كلمات أغنيات ديلان قد تُرجمت إلى العربية في يناير الماضي في موقع الكتابة الأدبي المخصص «للكتابة المهمشة في العالم العربي». ثم بدأت تنتشر بعد الجائزة من خلال تويتر وفيسبوك فيديوهات لأغنياته وقد ترجمها إلى العربية مترجمون هواة، وهو ما يعني أن تغيرات الأدب وتكيّفاته مع الواقع الاجتماعي أسرع مما نتصور وأن كل ما فعلته الأكاديمية هو أنها أكدت ذلك.

والخلاصة أنني أريد أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أن جائزة نوبل في الأدب تترجم إلى العربية بـ«نوبل الآداب» حيث يشير جمع الأدب إلى الآداب العابرة للحدود الوطنية مثلما تشير في الوقت نفسه إلى «الإنسانيات» بالمعنى الأوسع (فكليّة الآداب هي كلية الدراسات الإنسانية). يمكنني القول إنه في أوقات الفوضى والتحولات الثقافية والاجتماعية العميقة، فإن بوب ديلان قد حصل على الجائزة في ظل هذا المعنى المتغير والمتسع للأدب: بوصفه أديبًا أوتي معرفة إنسانية واسعة وبرغم وصف أحد أعضاء الأكاديمية له بـ«الغطرسة والصفاقة»- بسبب تأخره في الرد على لجنة الجائزة أو قبولها، ثم اعتذاره عن عدم حضور حفل تسليمها لانشغاله- فإنه كان صوتًا لمشاعر وتجارب إنسانية مطلقة، بكلماته وبموسيقاه.

اعلان
 
 
تيريسا بيبِه