حوار مع شقيقي المُلحد بـ محمد صبحي
 
 

علي قنديل ممثل وستاند آب كوميديان أُعجب بمحمد صبحي في مقتبل حياته ثم تلاشى هذا الإعجاب لأسباب سنعرفها من خلال هذا اللقاء.

* أنديل: توكلنا على الله.

علي قنديل: بسم الله.

* أنديل: ازاكا أوساس علي؟

علي قنديل: الحمد لله دايمًا في نعمة.. إتاعاميل إيه؟

* أنديل: الحمد لله، انت قريت أي حوار من الحوارات السابقة؟ محمد منير أو عمرو دياب أو وحيد حامد؟

علي قنديل: طبعًا.. يا أنديل أنا معلّق صورتك في معدتي، ما قريتش وحيد حامد.

* أنديل: أوكيه، ليه وافقت نعمل الحوار ده؟

علي قنديل: لعدة أسباب.. أهمها حب الظهور، تهيء.

* أنديل: هاههاهها.

علي قنديل: عشان عاجباني الفكرة وباحضر لحاجة جديدة يا رب تعجب الناس.

* أنديل: طيب، فاكر أول مرة شفت فيها حاجة لمحمد صبحي؟

علي قنديل: طبعًا، أول حاجة شوفتها كانت مسرحية «الهمجي»، مشهده مع «جاكي» لما «حورية» كانت مسافرة اسكندرية، بعد ما «قاسم» مشي مع مراته وسابهم لوحدهم، كانت معروضة ضمن فقرة كوميدية ع القناة الأولى باين.

* أنديل: بتاع Egyptian man, man.. maan.

علي قنديل: آه.. الللللحضاااارة!!

* أنديل: هاهههاهاا، عجبك ليه؟

علي قنديل: لإن فيه دراما، صراع، الراجل اللي بيحب مراته، واتحط في موقف كل حاجة فيه بتسمح، بل وبتدعوه، إنه يخونها مع واحدة أجنبية جامدة بالصدفة ماشية من مصر كمان شوية يعني مش هتوجع دماغه وكمان -سبحان الله- الأجنبية دي هتموت عالمصري أبو فانلة حمالات، والكوميديا متعشقة حلو جدًا فيه، ودي منطقة طبعًا بتجيب فشخ معانا نحن المصريين.

* أنديل: هل حسيت إن في حاجة مميزة في محمد صبحي كممثل/ كوميديان؟ حاجة مُلفتة للانتباه أكتر من باقي الكوميديانات؟

علي قنديل: أكيد، زمان كنت باحس إنه مرتبط جدًا بخشبة المسرح، منتمي ليها في عرض مسرحي باتفرج عليه وباعيش أحداثه، غير محمد نجم مثلًا، بيبقى هو نفسه فرجة بالنسبة لي بشكله وحَزقه وعَرَقه المتواصل، رغم إن نجم عنده التعبير الحركي أعلى من صبحي اللي لياقته البدنية أضعاف نجم.

* أنديل: ارتباط محمد صبحي بخشبة المسرح ده كان بيبان في إيه من وجهة نظرك؟

علي قنديل: رقم واحد من رسم الحركة وتفاعله مع الشخصيات والديكور. رقم 2 إن الرواية فعلًا تم الشغل عليها (تحديدًا مع لينين الرملي) والإضاءة، ليها دور دائم وموازي للحدث هي والديكور.

* أنديل: هل الحاجات دي ألهمتك أو حببتك في المسرح بشكل استثنائي؟

علي قنديل: كان ليها دور أكيد لكن بعد فؤاد المهندس (تحديدًا «سُك على بناتك») أقدر أقول إن مسرحية «انت حر» زودت عندي الشغف بالمسرح أضعاف مضاعفة.

* أنديل: مسرحية «انت حر» مش مشهورة قوي مقارنة بشغل تاني لمحمد صبحي («الچوكر، الهمجي، وجهة نظر») تفتكر ليه؟

علي قنديل: زي معظم الأعمال المسرحية الحلوة/ المفيدة/ المعبرة، خاصة وإنها بتتناول القهر وفلسفة الاختيار في مجتمع ذكوري كاذب معتنق معايير عفنة، ويمكن لإنها مسرحية الشخصيات كلها كانت ظاهرة فيها جنب صبحي، ف ما اعتقدتش إنه اهتم بظهورها رغم روعتها.

* أنديل: تقصد إن باقي الأعمال كان محمد صبحي بيبقى ظاهر فيها لوحده والشخصيات التانية بتخدّم عليه؟

1

مشهد من مسرحية وجهة نظر

علي قنديل: ظاهر؟ ده كان ناقص يعمل تاكلينج عاللي يتكلم غيره! هاقولك حاجة؛ لاحظ كده لما صبحي يرمي إفيه، هتلاقي الممثلين واقفين ثابتين زي الكراتين، لحد ما السوكسيه يخلص خالص، وبعدها يشتغلوا تاني، لكن لو حد منهم رمى إفيه، أوتوماتيكيًا وبشكل شبه دائم هتلاقي صبحي بيقطعه ويكمل شغل.

ممكن أضيف حاجة؟

* أنديل: مممم.. ملحوظة مهمة فعلاً، يا ريت ضيف.

علي قنديل: بغض النظر عن ثقافتهم ومستوى قدراتهم التمثيلية، هاني رمزي وأحمد آدم وصلاح عبد الله لما خرجوا بعد سنين من قفص صبحي، بدأوا حرفيًا من الصفر! لدرجة إنك ممكن تكون خدت فترة على ما لاحظت إن الشاب الأصلع العانس اللي في فيلم عادل إمام «…..» هو نفسه أحمد آدم اللي كان في «الهمجي وانت حر»!
اسمه إيه فيلم عادل إمام؟؟.. «يا أخيناااا»؟ في أوله لما راحوا السينما.

* أنديل: «المنسي» 🙂

علي قنديل: لا مؤاخذيه أيوه.

* أنديل: هو فعلاً مشهد عادل إمام الشهير مع أحمد آدم في الفيلم ده كان فيه ندية بينهم، لما كانوا بيعايروا بعض بالحاجات اللي بيشتروها لأمهاتهم، وأحمد آدم كان واخد مساحة فعلًا للإضحاك بغض النظر عن صغر حجم دوره، وضع لا يُقارن بالمهزأة اللي كان بيتمهزأها مع محمد صبحي في «الهمجي».

علي قنديل: إلا شعبان حسين، لإنه غول تمثيل وبيشتغل بمنتهى الاستمتاع والتعاون، مسرحجي نبيل تم إجهاضه في مسرح صبحي.. الله يرحمه آدم تقريبًا كان بيطوّق عربية صبحي سبت وتلات مقابل إنه ياخد نَفَسُه!

* أنديل: طب انت أكيد كنت شايف في بداية علاقتك بمسرح محمد صبحي إن ده حاجة حلوة، فن ثوري إلى حد كبير وتقيل، مختلف، زي ما قلت، عن محمد نجم أو مسرح الصيف الترفيهي البسيط، إيه الرسالة المحورية بالنسبة لك في مسرحيات محمد صبحي المُبكرة الجيدة؟

علي قنديل: حلو جدا السؤال ده!! هكذا بدا للناظرين، إن صبحي بيحرّض الجمهور على التغيير، واعتناق الإنسانية، وجهاد النفس أحيانًا في سبيل الارتقاء، ومحرض على مقاومة القهر، بل وإنه -قبل هوس المثالية والتنظير- كان بيجيد اللعبة دي (باعيد تاني، مع لينين) لكن مع الوقت، الانفصال عن لينين من طرفه، والنضج من طرفي فوجئت بإنه شغل وعظ بقى ويا جماعة أنا حلو وانتو وحشين واسمعوا الكلام، وكان ناقص يعمل مسرحية يسميها «ما تركبوش قدام جنب خالو».

* أنديل: هاههاها.. طيب انت ذكرت إنه حتى في وسط الأعمال دي كان في شيء غير عادل في مدى سماحه للآخرين بالظهور أو النجومية، في حاجة تانية انت شايفها مش مظبوطة في طريقة بناء الأعمال دي أو تركيبها الدرامي؟

2

مشهد من مسرحية الجوكر

علي قنديل: هحاول أكون بليغ شوية لإن النقطة دي معقدة.

* أنديل: خد راحتك.

علي قنديل: بص يا مولانا، في «الجوكر» مثلًا، هو عارف إن المسرحية حلالها تبقى ساعة ونُص، دخل الأول بالعربية في اللوبي وعمل هوجة وعيال لابسين قرود في مصنع! وبنت بكماء اتقدمت بشكل نابح مهين هاباهاباهابا (واسمها كده في العرض) وصبحي نفسه، أول 10 دقايق أو يمكن 20 مش متذكر، قعد يحلب في تعبيرات ولازمات غريبة (م إحنا برضه أهوات).. ويعمل صوت مقرف كده بتاع سحب الريق ده، اللي بيعملوه العيال اللي عندهم ديدان في معدتهم سشسشيييييب.

* أنديل: هاهههاههاههاههاها.

علي قنديل: ودائما شخصية صبحي فيها خلل في الجهاز العاطفي، مشاعره مشوهة، نظرًا لانشغاله بالتقليل والسخرية من الخلق والموقف، ف فجأة تلاقي المسرح اتحول لمسرح هزل عبيط زي «مسرح مصر»، وفجأة بريختي (كسر حاجز إيهام وخروج من الشخصية والحدث)، ده غير طبعًا العادة السخيفة جدًا في بناء الشخصية وتناول القفشة نفسها، كان -وما زال- بيضرب الإفيه سيلفي، مثال: أصل كذا كذا… إيييه؟.. قصدي كذا كذا، هتلاقي مشواره كله الإفيهات فيها صوت فيتيس كده.. عك!

* أنديل: وكمان في النهاية كل القصص بغض النظر عن جديتها أو هزلها محشورة في إن فيه بطل أوحد ذكي فشخ وهو محور الأحداث، والآخرين كلهم أغبيا أو مغيبين وهو اللي بينقذهم، اللي هي فكرة في حد ذاتها مش تحررية خالص وبتخدم على فلسفة الديكتاتور، الراعي، الأب، البطريرك.

علي قنديل: ده أساسي، حتى لو كفيف نشال في «وجهة نظر»، أو قواد حقير في «سكة السلامة» 2000.

* أنديل: طيب محمد صبحي عمل شخصية الديكتاتور في «تخاريف»، وعادل إمام عمل شخصية الديكتاتور في «الزعيم»، إيه الفرق بينهم في رأيك؟

علي قنديل: محمد صبحي في «تخاريف» عمل شخصية «محمد صبحي السادات»، عادل إمام في «الزعيم» عمل اللي بيعمله في كل حاجة حتى إعلان فودافون.. «عادل إمام»، للأسف من الأربعينات والممثل الكوميديان تدريجيًا توقف عن العمل على بناء الشخصية إلا لو شخصية كارتونية خرافية زي القرموطي، اللمبي، يمكن عبكويم كمان.

* أنديل: طب دي حاجة عاوزك تكلمني عنها في ما لا يقل عن ٧ صفحات فلوسكاب، عشان دي أزمة كونية عند الكوميديان المصري عمومًا.
واسمح لي أديك تمهيد تنطلق منه..

علي قنديل: هييبيييييه.. هارغي!!

* أنديل: ليه تشارلي تشابلن تواصل مع الجمهور من خلال شخصية «المتشرد»، بينما محمد صبحي بيتواصل مع الجمهور من خلال شخصية «بابا ونيس»؟

علي قنديل: أوبا! انت كده بتقارن بين الدبابة ومعلقة الشاي بتاعة تيتة زينب!

* أنديل: هاهههاهاها.

علي قنديل: بُص، شابلن شئنا أم أبينا نجح في إنه يكون أيقونة بالمعنى الحرفي للكلمة، ولحد النهاردة الكوميديا في العالم متأثرة بطريقته في التناول، شابلن اختار الناس، ولإنه كان إنسان ف كان الأساسي بالنسبة له الفكرة، وإنه من خلال الصمت يخلق صوت وقيمة ووجود للإنسان حتى لو متشرد، وإنه -المتشرد- يقدر يكون هو النجم المحبوب بل والرمز كمان، كده إحنا بنتكلم عن فنان حقيقي، عنده مشروع ومشوار قدر يهز ثقافات كتير من غير ما ينطق! كان متارجت الخلق.

صبحي، قادم من ثقافة إسمع الكلام ونزل رجلك وربع إيدك وما تعملش صوت وانت بتاكل!! يعني الحياة بالنسبة له كانت مربعات، الثقافة نفسها مليانة تسطير، وده جزء أساسي من فكرة «انت حر» بالمناسبة، زي المشهد اللي كان بيتكلم فيه مع حماه عن حب أم كلثوم من عدمه، وبالتالي، لما ادعى إنه عايز يعمل عمل درامي قال إيه يرتقي بالناس، جاب شخصية -من وجهة نظره- متكاملة؛ طيب وجدع ومخلص ومربي ومتربي ومثقف ومتعاون وكريم.. وعشان يعرف يلعب خلاه طفل، يلبس طقم فارس، عوامة في الطرقة.. ف برضه بقى فرجة، لكن عمره ما كان هيفكر إنه يصنع شخصية مليانة نواقص ووجود مسئولية الأبوة هي اللي تغيره للأفضل.. للأكثر إنسانية، وتقولي شابلن؟!
ما تخلنيش أتعسب عليـءك!

3

مشهد من مسلسل يوميات ونيس

علي قنديل: ملحوظة معلش؟

* أنديل: اتفضل يا فندم..

علي قنديل: صبحي استنفد عدد مرات الرسوب في السينما وبالتالي وفقًا لإلمامه بطبيعة المجتمع، اختار برواز «بس والله الراجل ده محترم ما بيعملش قلة أدب» عشان يضمن تواجد مسرحيًا على الأقل ومن ثم تليفزيونيًا.

* أنديل: في حاجة تانية مش مفهومة بالنسبة لي، واحد زي محمد صبحي ده المفروض ممثل، همّه الأساسي التمثيل والأشخاص والبشر والحواديت وكده، ليه بيتحول بعد شوية لمؤسسة؟ وسنبل وما سنبلشي، وعشوائيات وطلوع في التليفزيون وكلام في السياسة؟

علي قنديل: لإنه مش ممثل يا أنديل، هو بالنسبة لي مؤدي عادي لكنه قرأ كتير جدًا عن المسرح ف مُدرك للصنعة، عاجلًا أم آجلًا هيبان ولازم يتمسّك بمشروع حتى لو سياسي مُوجّه، ده غير إنه أكيد عايز حاجة من الدولة؛ أرض، مسرح، تسهيلات، علاقات، ميزانيات، والكتف الرئيسي من هذا المشروع -سابقًا- كان لينين الرملي طبعًا لإنه كان الروح والمحتوى.. كان القيمة، وأنا متأكد إن الرملي كان منزعج من طريقة تناول تفاصيل كتير بطريقة صبحي، أكيد وربنا!

* أنديل: والله الواحد ما عادش بيآمن لحد يا أوساس علي، كله لما بيكبر بيقلب جلاليبي.

علي قنديل: عارف.. في مرّة كده صبحي تجرأ وعمل هجمة عنترية كده وقالك إنه هيقسم وشه نصّين، نص بيضحك والتاني زعلان، أول ما عملها المخرج جابها في الزاوية البعيدة (اللونج) عشان المعلّم معرفش يعملها، واللي يقهر بقى إن الجمهور صقّف!
وعايزني أكثبها؟! 🙂

* أنديل: هاهههاهاهاه أيوه شفت البتاعة دي، حاجة بائسة جدًا بصراحة.

علي قنديل: في مسئولية ضخمة جدًا جدًا على المتفرّج المصري.

* أنديل: إزاي؟

علي قنديل: أولاً هو بيسمح لأي حد ياكل عيش على قفاه، إشطة معذور عشان ما اتعلّمش ولا قرا ولا شاف بدايل محترمة خاصة في ظل إن المستقلين قاعدين لبعض ومش بيفتحوا الملعب وينتشروا كما ينبغي، لكن على الأقل يا عم المُتفرّج.. الحاجة اللي مش مظبوطة أو ما لهاش معنى، ما تصقّفش! ما تصقّفش الله يخرب بيتك!

زمان لو تفتكر كان في حركة وسخة كده بتتعمل في المسرح، الممثلين يعملوا حركة كده بايخة ما تجيبش خالص مع الجمهور فيفضلوا يكرروها 20 مرة ورا بعض لحد ما الجمهور يصّقف! بالك لو الجمهور ما كانش صقّف؟ كان جزء كبير من الأزمة اتحل!

* أنديل: قصدك إن الجمهور طيب زيادة عن اللازم أو سهل الإرضاء؟

علي قنديل: غلابة وطيبين ويقولك عشان ما نحرجهوش! ما يولع! الراجل وِحِش! الإفيه وِحِش! الفكرة نيلة! م انت بتصقف، وهو بيعيدها كل يوم وياخد فلوس ويبقى اسمه فنان.. وإحنا عندنا أزمة فنانين.. وغزارة إنتاج في النبطشية! الجمهور في المعظم لما بيدفع فلوس بيبقى عايز يتبسط، ف إشطة يعني خروجة كإننا رايحين لصبحي كابر، دول حتى في المطاعم ممكن ينزلهم طرب بدل الكفتة ومش هيتكلموا!
لا طيبين ولا سهلين الإرضاء.. كسالى وجُبنا.

* أنديل: بس انت ما بتشوفش إن الجمهور برضه وضعه صعب؟ يعني في حاجة مش منطقية في إن انت تقعد متكتف في الضلمة كده في كرسيك وفي واحد واقف قدامك لابس حلو ومتنور وبيلطّش للي حواليه، سيكولوچيًا بتحس بالدونية قدامه حتى لو هو تافه وكلامه ما لوش قيمة، والناس عندها تاريخ برضه من الشخط زي ما انت قولت قبل كده: اقعُد عدل، خلص طبقك، شيل إيدك من بلبلك.. إلخ.
صقف.. طيب هاصقف!

علي قنديل: الجمهور وضعه صعب إنه ما اتعلّمش ممكن، لكن على الأقل يبقى حر، طبيعي لما يكون قدامه حد منوّر وبيتحرك ده شيء لطيف وأحيانا لما بيلطّش ده بيضحّكه لإنه مكبوت، لأ ريللي مكبوت يا مان! هنا بقى في نقطة تانية انت فتحتها؛ الثقة في النجم أو المشهور نظرية «الواد ده بيطلع في البتاع!»، إذا كنت أنا كنت طالع كام حلقة في سيت كوم، الناس بقت قبل ما تتصوّر معايا تسألني: «مصر رايحة على فين يا فنان؟!»، تقولشي أنا اللي بالّم الأجرة!

في ثقة غير مُبررة في أي حد يطلع على الشاشة! وكإن ما حدّش بيطلع غير اللي فاهمين الكُفت، وما تسألنيش ما هو الكُفت يا سيدي.

* أنديل: يعني محمد صبحي يوم ما كسر حاجز الإيهام ونزل للجمهور نزل لهم بالعصاية يخوفهم برضه، ما أشركهمش في الحدث أو إداهم سلطة.

علي قنديل: مبدئيًا في نقطة ما أعتقدش إن في ناس كتير عارفينها من اللي حضروا إفيه “قولّي يا ماجد”، إن كسر حاجز الإيهام ده له باعث ومبرر ونتيجة؛ باختصار: برتولد بريخت هو مخرج ألماني ابتكر مدرسة كسر الحائط الرابع، الحائط الرابع ده هو الحائط الوهمي اللي بين الممثل والجمهور، الفكرة إن في عز ما الجمهور قاعد بيتفرّج ومندمج في المشاهدة من برّه برّه كده، الممثل يكسر الحائط ده وينزل عشان يقوله: «فوق يا روح أمك انت متورط في الحدث ده إحنا مش فرجة!» وهو بدأ بيها وكانت مظبوطة في مسرحية «انت حر»، محمود القلعاوي عمل نفسه متفرج جايب كرسي وقاعد قدام أول صف.. بلطجة. مدعيًا إنه حُر!

4

مشهد من مسرحية الهمجي

* أنديل: هل في طريقة للممثل إنه يشجع الجمهور على نقده أو يرفعهم لمستواه ويهز ثقتهم في سلطته من خلال العمل الفني نفسه؟

علي قنديل: سؤال صعب فشخ يا أنديل، ولكن ممكن يبقى له إجابة. هافكّر معاك بصوت عالي؛ محمد رمضان، وهو عامل مسرحية دلوقتي في الهرم، التذكرة بـ 1000 جنيه، إيه المانع إنه بعد العرض ياخد بريك نُص ساعة هو والجمهور وبعدين يعملوا ندوة 40 دقيقة؟ وإن كان ده هيفتح باب الزياط قبل الانتقاد.

* أنديل: باسم يوسف كان بيعمل كده في «البرنامج»، كان بيبقى في بريك بين الفقرتين الجمهور بيسأله فيه وأحيانًا الناس بتستظرف أو بتضغط عليه، وده كان في رأيي شيء كويس جداً.

5

من برنامج البرنامج

طيب، رجوعاً لمحمد صبحي، انت كنت بتحبه وبتحب شغله فعلاً، إيه النقطة اللي بدأت تحس عندها إن الموضوع بوّخ؟

علي قنديل: طبعًا طبعًا لما حضرت مسرحية «اللعب في الدماغ» لخالد الصاوي على مسرح الهناجر، كانوا عاملين التذكرة بـ 10 جنيه لطلبة الجامعة، كنت شغال على ميكروباص وباخلّص آخد دش وأطير على هناك، كنت منبهر بإن المسرح لعبة تانية خالص، وسيبك بقى من صبحي.. مسرح صبحي ده مسرح موظفين بيخلصوا ورق.

مثال على البيروقراطية في شغله: المشهد مثلاً يبقى قاعد لوحده بيضرب أخماس في أسداس، بيكلّم نفسه -مثلاً- وفي آخر المشهد يقول: «أعمل إيه بس؟!»، فتلاقي المشهد اللي بعده بدأ بكلوز لممثل تاني في مشهد تاني بيقول: «أنا أقولّك تعمل إيه.. »، الكاميرا تفتح تلاقي الممثل التاني ده بيتكلم مع ممثلة تانية في موضوع تاني، حتة إبداع بقى وكده والممثلة في آخر المشهد تقول جملة مثلاً: «وانت إن شاء الله لما تروح له هتقوله إيه؟»، يقطع على صبحى في مشهد تالت كلوز وهو بيقول: «هاقوله كل حاجة طبعًا»، تفتح تلاقيه بيكلم عيل من عياله في موضوع تاني، والله ساعات بحس إن ختم النسر كان موجود على السكريبت!

* أنديل: هاههاهاهاهههاهاهها بيروقراطي فعلًا!

علي قنديل: الممثل الوحيد اللي باحس إنه بيصوّر من 8 الصبح لـ 2 الضهر! والناس تمضي وتمشي! مفيهوش فن.. شغل حرفيين، ومع الوقت بدأت أشك في اللي بيقدمه، وفقد طعمه تمامًا واتحول الاستياء من إنه نصب عليّ كمتفرج لغضب عارم لما تابعت مواقفه من الثورة اللي هو كان واحد من مُحرّكيها جوايا، اللي هو جرى إيه يا عم؟؟ مش عايزني أشوط ليه؟ ده انت اللي دايس مثلث!
بالمناسبة، صبحي من زمان بيعصبني لما أتفرّج عليه.. بيوترني.

* أنديل: 🙂 تفتكر إيه اللي بيغير الناس كده؟

علي قنديل: ده سؤال عام شوية، لكن أعتقد بالبلدي كده إن “الكذب ما لوش رجلين”.

* أنديل: تفتكر هو كان بيكدب من البداية ولا ما كانش فاهم مثلاً؟ أو فقد الثقة في القيم اللي كان بيقولها لأنها ما ودتوش مكان ما كان عاوز يروحه؟

علي قنديل: وارد، لكن انطباعي الشخصي إنه كذاب، وده المهم، نقطة كان عايز يروح فين دي مهمة جدًا طبعًا، واحتماليتها قوية. خاصة وإن طموحاته واضح إنها ليها علاقة بجو المناصب والتفاصيل دي.

* أنديل: بس ليه بتحس إنه كذاب؟

علي قنديل: شوف فؤاد المهندس كتاريخ ومشوار -حتى في الهزل البيّن- وطريقته مع زمايله وتلامذته، هتعرف إن صبحي بيكذب بالمسرح إنه رائد وبتاع، مفيش رائد في المسرح بينوّر لوحده، المسرح عمل جماعي بحت.

* أنديل: اسم محمد صبحي ارتبط مؤخرًا بمصطلح بقت سمعته سيئة، اللي هو «الفن الهادف» أو «الفن الأخلاقي» انت رأيك إنه إيه هدف الفن، أو المسرح على وجه الخصوص؟

6

محمد صبحي

علي قنديل: هدف الفن بيختلف حسب نوعية الفن وثقافة الفنان، أنا دلوقتي لو باعمل بيت بوكس، غرضي ممكن يبقى الاستعراض، الـ Warm Up، أكيد مش هادعو للرفق بالحيوان.

* أنديل: هاهههاها، beat box بيدعو للرفق بالحيوان ده يبقى روش فشخ!

علي قنديل: أهداف الفن كتير، الإمتاع، الارتقاء، النقد، تقديم الحلول، لفت الانتباه، الدعوة لقضية.. إلخ، وفقًا للظروف والفكرة والمتاح + الاستعراض.

* أنديل: طب في ناس كتير جدًا، شباب وكهول ورضع وقساوسة ورهبان وشيوخ، بيشوفوا إن برنامج محمد صبحي الأخير ده «مفيش مشكلة خالص» (اللي سرق الإعلان بتاعه من Louis CK) بيقدم كل اللي انت بتقوله ده. انت شايف إيه المشكلة في برنامج زي ده؟

علي قنديل: لالا.. ده تجاوز مرحلة التدريس والتنظير والوعظ بكتير! ده كان ناقص ينزل يلم الغياب من الجمهور!

* أنديل: إيه اللي ممكن الفنان الشاب يعمله عشان يضمن إنه لن «يتصبحن» في المستقبل؟

علي قنديل: من ساعة ما بدأنا كلام وأنا عمّال أفكّر في ده تصدق؟! خاصة وإني بقالي فترة بصراحة ما بالحقش أشتغل وأتمرّن كويس قبل الحفلات ودي كارثة مسئوليتها عليّ لوحدي. متهيألي إن الفنان الشاب يكون قد المسئولية، يبقى عارف إنه من حقه يغلط وواجبه يعتذر،عشان كده يمكن اعتذرت في أول الحفلة اللي فاتت للبنات من جمهوري إني انتقدتهم بزيادة الفترة الأخيرة، وده كان غلط مني. وإنه يشتغل على نفسه طول الوقت، وما يمشيش جنب الحيط لإنه المفروض.. حُر!

* أنديل: طب أنا عاوز أديلك مجموعة من الصفعات عشان نبين للجمنهور إننا أحسن من محمد صبحي وبنتقبل النقد وشباب المستقبل وكده.

علي قنديل: ههههههههه، يللا 🙂

* أنديل: انت قلت إن الفنان لازم يبقى حر، في ناس ممكن تشوف إن مبادرة «عاوز مسرح» وطلب مسرح من الدولة بتحط المسرح وما يمكنه أن يقدمه تحت ضرس الدولة وبالتالي تجعله «مش حر». تعليقك.

علي قنديل: عظيم! عظيم جدًا جدًا، تعال نقلب زاوية الرؤية لحملة #عايز_مسرح من عند الراجل اللي أسسها وبقاله سنتين مكمّل فيها وعنده وجهة نظر في إدارة مكان مقفول وخربان مدغدغ وبيدّعي إنه هيشغله بعد 24 ساعة.. ولا أجدعها عفريت. إحنا كده كده قاعدين ما عندناش مسرح، ومافيش أماكن حرة، وأي مكان لازم يفرض عليك إنك حتى ما تلمّحش، أنا باقول من دلوقتي: أيوه المسرح بتاعي ما فيهوش ما يخالف النظام، لكن فيه صناعة فيضان من النجوم الجديدة، عن طريق العروض وتغطيتها بأحدث الطرق ونشرها على السوشيال ميديا بجنون، تعال يا معلم اصنع شعبية عندي، وما تتسببش في قفل المكان، عشان تبقوا 10 بعدها لما يبقى ليكو كلمة بترن كده.. يمكن نقدر نعمل فرق، لكن جعجعة؟ اللي أقوى من النظام يروح يعمل مسرحية لـ 20 متفرج ونشوف النتيجة، لما تكون دلوقتي عندك 50 فولور.. وتلاقي مكان مهتم يخلي عندك شعبية وتوصل لمليون، ساعتها مجرد بوست 140 حرف منك يبقى مؤثر أكتر من مسرحية ساعتين، ده غير الورش اللي هتفضل جنب أي موهوب لحد ما يبقى منوّر وقادر يعيش من موهبته، ده ملخص لملف صنع الأرضية للموهوبين، مش الحملة كلها، بعدها نقدر نعمل رنّة حقيقية للمسرح، ويبقى حُر. هو إحنا أحرار عشان نقدم مسرح حر.

* أنديل: بس الناس دلوقتي بتشوف مواهب تمثيلية وإخراجية وتأليفية بتنتشر على الإنترنت وناس بتقول كل اللي هيا عاوزاه وتبني جمهور كبير في وسائط جديدة بدون الحاجة للشكل التقليدي القديم للمسرح كمبنى وكراسي وجمهور وتذاكر. إيه اللي المسرح ممكن يضيفه؟

علي قنديل: الطاقة! الحفر في الذاكرة، الأونلاين سبرتو حتى الآن، محتاج روح، الحاجات بتعدي علينا كل يوم، بنقول «مسم.. اه والله». وبنكمّل الحياة عادي والطاقة بتنزل، إحنا دلوقتي من 10 دقايق بنتكلم عن صبحي رغم اختلافنا معاه إلا إننا لسه فاكرين إفيهات ولقطات لحد النهاردة من 15 سنة.

* أنديل: انت مش شايف إن التقارب مع الدولة أو طلب الدعم منها في وقت فيه المجتمع الفني والثقافي مهمَش ومحارَب ومعتقل بيجمّل وجه الدولة دي وبيخلي شكلها دولة كيوت وظريفة وبتحب الشباب وده غير الحقيقة؟

علي قنديل: أنا ما بطلبش دعم! أنا عايز حقي، المسرح ده بتاعي، أنا مواطن مصري مهتم بالمسرح وعايز يقوم بدوره في وطنه، المسرح مقفول وباقول هشغله وأجيب منه فلوس ومواهب.

* أنديل: طب افرض الدولة ادت لك المسرح وبعد كده اتعاملت معاك زي ما بتتعامل مع مسارح قصور الثقافة ومسارح الدولة. وخد اعمل لنا العرض ده يا فنان عشان حرب أكتوبر، وخد اعمل لنا الأوبريت ده عشان عيد ميلاد السيسي. هاتعمل إيه؟

علي قنديل: الدولة مش كيوت، فاتتهم الفرصة دي، أنا بقالي سنتين مكمّل، منهم شهور كنت لوحدي تماما، ما بطلتش أتابع أسعار الـ equipment، الموهوبين في كل حتة في مصر، العروض، أنا بدفع ضرايب عشان الدولة دي تحميني، وأنا حتى الآن باحمي طموحي ومصدّق جدًا إني قوي وهكمّل، ممكن الناس تشوف ده عبط مني، إشطة أنا اللي أحدد أشوف طموحي إزاي، أنا محدد من الأول إنه هيكون تحت إدارتي بشكل تام وكامل في الملف اللي السيسي مضي عليه -حسب كلامهم- عشان نقطة زي دي، وأقولك حاجة؟ لو قفلت خالص وفيها مضايقة يعني؟ آه وماله نعمل، هو أنا لما كنت بتخانق مع حد ضربك وانت صغير مش كنت بسألك هاعرف أضربه ولا لأ؟ عشان أبقى عارف، هاتنطط في الخناقة ولا هادخل بوشي.. تهيء 🙂

أنديل: 🙂 وماله يعني هاتوافق؟

علي قنديل: آه هاوافق.. وهاعمله بشكل سخيف وممل وتافه زي ما بيحبوه، وهآخد منهم فلوس أكتر (من بتاعتنا دي) وأقولهم إن الدولة مشكورة دفعت إيجار المسرح، وعلى الجانب الآخر.. هاصرف أكتر من الميزانية دي على مشروعات المسرح نفسه عشان يطلع منه فنانين أكتر، يا جماعة إحنا كده كده مفشوخين ومظلومين.. هيبقى حلو لو جيبنا جون واحد في أرضهم، هيتحسب باتنين، لكن مش هطبّل لحد ولا هاشكر في رجاحة عقل حد، وده واضح من الأول في الملف حفاظًا على سمعة المكان (ضحكة خليعة).

انت متخيل يا أنديل لما أجيب فرق المسرح بتاعة الجامعات يعملوا عروضهم (اللي فضلوا شهور يتمرنوا عشان يعرضوها مرة واحدة وما ياخدوش فلوس)، وأحطهم في مهرجان ضخم ومنافسات وجوايز وتشجيع إنهم يعملوا عروض تانية في الصيف، ومهرجانات للموهوبين من عروض الرجل الواحد، متخيّل كام واحد هيطلع؟ عارف أصلًا الجامعات فيها ممثلين عاملين إزاي؟ ده فيها وحوش!

ده غير الكورال والورش وعروض الطفل والعرايس والرحلات المدرسية اللي جاية من المحافظات اللي بيتم التنسيق معاها لحد النهارده إن في يوم من الأيام هنبقى جزء من البروجرام بتاعهم، إحنا بنتكلم في مؤسسة ثقافية فنية اقتصادية بتعافر جوه سجن، جدك محمد الله يرحمه لما اعتقلوه عشان السياسة.. عملهم مسرح في السجن 🙂 أنا كمان هاعمل مسرح في سجن.. بس بتذاكر.

*أنديل: بُص أعذرني أنا مش بأسألك السؤال ده عشان تعمل دعاية لفكرتك، أنا عاوز ألفت نظرك إنه مشروعك ممكن يكون ماشي على حبل رفيع ما بين الفن والمسؤولية الاجتماعية زي ما محمد صبحي ممكن يكون شايف نفسه برضه بيعمل. مدينة «سنبل» اللي هو أنشأها -في ظروف غامضة- بتعمل اختبارات للمواهب وبيجيب منها ممثلين يطلعوا معاه أو مع غيره. كل ده بيحصل تحت مظلة نصَّب صبحي نفسه على قمتها أب وراعي للفنون مش مجرد ممثل مهموم بالدور الجاي أو الحدوتة الجاية.

حبيت أحط التشابه ده قدامك عشان تكلمني عن رؤيتك لدورك؟ هل اكتشاف الفنانين ده دور المسرحجي فعلًا؟ ولا كفى بالمرء نفسه؟

علي قنديل: اكتشاف المسرحجية دور مهم جدًا.. وأساسي، كفى بالمرء نفسه لما يكون محامي بالنقض، المسرح قائم على العطاء، ويظل السؤال: مين ممثل نوّر جنب صبحي؟ هتلاقيهم نوّروا لما بعدوا عنه.

* أنديل: أنا رأيي إن “العطاء” دي كلمة مُقلقة شوية، في حاجات كتير شريرة ممكن تنتج عن إحساس الناس بالمسئولية تجاه الآخرين. الأبوة عمومًا مبنية تقريبًا على الفكرة دي. أنا باضربك عشان مصلحتك، أو أنا باسرق عشان أأكل ولادي، أو أنا هاعمل أوبريت للحكومة مقابل إني أكتشف المواهب؟!

علي قنديل: أنا لما بقول هأعمل الأوبريت أقصد بيه كمدير للمكان هأسمح بإقامته، مش هشارك فيه، وهأنظمه عادي زي أي مشروع.

* أنديل: أوكيه.

علي قنديل: أنا مش شايف فيها أي أزمة طالما إني مش بأمس بمبادئي، بالإضافة إلى إن تأخرهم المميت في التنفيذ بيضع للأمور معايير جديدة أنا اللي أحددها، كده كده همّا قاطعين الاتصال يعني.

* أنديل: السؤال الأخير..

علي قنديل: لأ مش مصاحب!

* أنديل: أنت الآن ملحد بمحمد صبحي، ومؤمن بمين؟

علي قنديل: ربنا عز وجل.. 🙂
مؤمن بنفسي وفؤاد المهندس.

أنديل: هاههاههاهاها، شكرًا جزيلاً.

علي قنديل: شكرًا ليك يا أنديل، أنا اتبسطت بهذا الليكاء.

اعلان