تامر السعيد ودور مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
 
 

نشب النزاع بين السينمائي تامر السعيد ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي إثر قرار المهرجان الشهر الماضي بعدم عرض فيلم سعيد «آخر أيام المدينة»، ولم يهدأ النزاع ولم ينته إلى حل. بل أثار أسئلة حول التوترات بين الأجيال داخل صناعة السينما، وموقف الدولة من السينما غير التجارية وغياب الشفافية عن عمل المهرجانات التابعة للدولة.

في الأول من نوفمبر استضافت لميس الحديدي المخرج في برنامجها الشهير «هنا العاصمة» على شاشة سي بي سي لمناقشة تحفظه على القرار وتقديمه التماسًا موقعًا من 270 فنانًا لإعادة إدراج الفيلم في مسابقة المهرجان. رتبت الحديدي ـ التي دعت إدارة المهرجان إلى إعادة النظر في المسألة ـ مداخلات هاتفية مع ماجدة واصف رئيسة المهرجان وإلهام شاهين (النجمة السينمائية ومنتجة فيلم كاملة أبو ذكري «يوم للستات» المشارك في المسابقة وفيلم افتتاح المهرجان) وأبو ذكري.

تقول إدارة المهرجان إنها وجهت الدعوة في البداية لسعيد لعرض فيلمه خارج المسابقة، لكنه أقنعهم بالسماح له بالاشتراك في المسابقة، حسبما أُعلن في 7 سبتمبر. والفيلم بحسب ما يرى المهرجان ـ التابع لوزارة الثقافة المصرية ـ عُرض في الكثير للغاية من المهرجانات، بما ينم عن عدم احترام صناعه لمهرجان بلدهم.
لكن سعيد يقول إن الفيلم لم يُدع نهائيًا للمشاركة خارج المسابقة، وإنه كان قد عرض في 19 مهرجانًا عندما أدرجه مهرجان القاهرة في مسابقته، وإن الطرفين اتفقا على أن يكون ذلك افتتاحًا للفيلم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد وعد سعيد بعدم قبول أي دعوة جديدة من أي مهرجان، لكنه يقول إنه أوضح أنه لن يسحب الفيلم من المهرجانات التي التزم معها بالفعل. وقال سعيد إن المهرجان لم يسأله مطلقًا عن عدد المهرجانات التي عُرض فيها الفيلم وإنه لم يكن على علم بوجود حد أقصى لعدد المهرجانات.

في برنامج الحديدي قالت الفنانة المخضرمة شاهين، بطلة فيلم «واحد صفر» والمؤيدة بشدة للدولة، إن على السينمائيين المصريين دعم مهرجان القاهرة السينمائي، وإنها رفضت العديد من دعوات المهرجانات احترامًا لاتفاقها مع مهرجان القاهرة.

ورغم أنها جزء من صناعة السينما التجارية والتليفزيون، فقد بدت أبو ذكري (مخرجة «واحد صفر» و«ذات») أكثر تعاطفًا. فقد وقعت على الالتماس الذي دعت إليه المخرجة هالة لطفي وقالت للحديدي إنها على الرغم من حزنها من الاضطرار إلى عدم عرض الفيلم في المهرجان مع استمرار سعيد في جولته، فهي لم تتمن للفيلم الخروج من المسابقة.

أوضحت أن في فيلمها نجومًا كبارًا، وأن له فرصة كبيرة في التوزيع السينمائي المحلي والإقليمي، في حين أن طبيعة فيلم سعيد ـ وهو فيلم بطيء الإيقاع تأملي يفتقر إلى منحنى سردي واضح ـ تجعل من الصعب عليه تحقيق النجاح في العرض التجاري. ومن هنا كان لعرضه في مهرجان القاهرة أن يساعد على تمكينه من العرض التجاري المحلي.

خلال مؤتمر صحفي لمهرجان القاهرة في 27 أكتوبر، تساءل العديد من الصحفيين عن استبعاد «آخر أيام المدينة» من المسابقة، وتركزت الأسئلة عن القواعد التي تبرر القرار، وعن سر عدم منح الفيلم فرصة عرض أخرى. قالت واصف إنه رغم عدم عرض «آخر أيام المدينة» إلا في مهرجان بي إف آي لندن السينمائي، ورغم رفضه دعوات مهرجانات أخرى مثل مهرجان «مونبلييه» بناء على طلب مهرجان القاهرة، فقد عرض فيلم سعيد في العديد من المهرجانات. واحتجت بأن هناك قواعد داخلية مختلفة تنطبق على الأفلام المصرية غير تلك المنطبقة على الأفلام الدولية، لكن رئيسة المهرجان لم تحدد هذه القواعد، أو متى وضعت، أو من الذي وضعها.

قالت واصف لمدى مصر بعد المؤتمر: «إن بعض الأفلام كان يمكن أن تعرض هذا العام في دبي أو قرطاج وغيرهما لكنها اختارت القاهرة، واحترمت المهرجان، ما حدث مع هذا الفيلم هو أنه ظل يقول إن ’هذا افتتاح إقليمي’. لا، نحن مهرجان دولي يا تامر. نحن لسنا مهرجانًا إقليميًا. في حالة الأفلام الأجنبية قد لا يهم الأمر كثيرًا، لكن حينما يكون فيلم مصري في جولة، وحينما يكون افتتاحه هنا، فهذا أمر كبير».

يصر سعيد في تصريحاته وفي الالتماس، على أن قواعد المهرجان لم تخترق، وعلى أن الفيلم لم ينافس في أي مهرجان تابع للاتحاد الدولي لاتحادات منتجي السينما الذي يضم مهرجان القاهرة وأربعة عشر مهرجانًا آخر. وإنه كان من شأن هذا العرض أن يكون أيضًا الافتتاح المصري لـ«آخر أيام المدينة».

يقول جوزيف فهيم ـ الناقد السينمائي، وواضع برنامج مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في نسخته الـ36 في عام 2014 في ظل قيادة رئيس المهرجان السابق سمير فريد، إن للمهرجان الحق في اتباع سياساته الداخلية في ما يخص الأفلام التي يختارها ـ حتى لو لم تكن هذه السياسات معلنة رسميًا. يقول فهيم الذي لم تعد له علاقة بالمهرجان، وهو حاليًا عضو أسبوع نقاد برلين وممثل الشرق الأوسط في مهرجان فاري كارلوفي السينمائي الدولي إن «الجميع يعرفون القواعد. ولكن مشكلة مهرجان القاهرة هي غياب الشفافية وتذبذب القرارات».

يقول فهيم إنه خلال السنة التي وضع فيها البرنامج ـ وهي أيضًا السنة التي استعان فيها المهرجان القاهرة بفريق أكثر شبابًا مما ألفه المهرجان وتعاون خلالها مع مهرجانات أخرى، وأفصح عن معلومات تخص إنفاقه وقراراته ـ كانت السياسة المتبعة هي أن تكون الأفلام المصرية المشاركة في المسابقة لم تعرض عالميًا من قبل، على أن تكون الأفلام الأجنبية لم تعرض إقليميًا من قبل. أما الأفلام المصرية التي أرادوا عرضها في المجموعة الرسمية لكن خارج المسابقة، مثل فيلم «ديكور» لأحمد عبد الله، فقد أقاموا لها عروضًا في القاعة الرئيسية بدار أوبرا القاهرة.

يقول فهيم إن «هناك شيء اسمه العرض المفرط لفيلم، لكن عليك أن تقرر بنفسك، قبل فترة طويلة، وأن تتخذ القرار قبل القبول بالفيلم. كان بوسعهم أيضًا أن يقترحوا على سعيد عرض فيلمه خارج المسابقة».

دعم السينمائيون الفكرة في نقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، فالمخرج أمير رمسيس كتب قائلًا إنه متعاطف مع مأزق سعيد، لكنه حزين لأن بعض السينمائيين والمشاركين في فيلم سعيد طلبوا منه التزام الصمت في ما يتعلق بموقفه، فهو لا يرى أن قرار المهرجان باستبعاد الفيلم خاطئ مائة في المائة. أوضح رمسيس ـ المشارك في لجنة تحكيم ملتقى القاهرة السينمائي للإنتاج المشترك ـ السبب الذي يجعله يتفهم موقف المهرجان ويحثه على عرض الفيلم خارج المسابقة. وهذا ما وافق عليه السينمائي يسري نصر الله الذي وقع بيان لطفي مصرًا على أن المشكلة تتمثل في عدم الاتساق.

والحقيقة أن واصف قالت في برنامج الحديدي: «ربما ارتكبنا خطأ في البداية بقبول الفيلم في المسابقة الدولية. لقد كان للفيلم مكان في المهرجان، لكن خارج المسابقة». وردًا على ذلك تساءل سعيد لماذا يدفع ثمن خطأ المهرجان، وقال إنه رفض دعوات عديدة في المنطقة وخسر بذلك فرصة افتتاح محلي.

يتفق أغلب المعلقين على أن اختيار الفيلم ثم استبعاده لم يؤثرا بالسلب على الفيلم فقط، وإنما لوثا سمعة المهرجان المعيبة أصلًا. فالسينمائيون المصريون يشكون منذ سنين من عدم بذل المهرجان جهودًا كافية لإدراج أعمالهم، ومن سوء إدارة ميزانيته، بينما يشير الجمهور والصحافة إلى غياب المعلومات بشأن العروض وسوء إدارة الجمهور وعدم كفاية التسويق.

تلك هي القضايا ـ التي تعاني منها مهرجانات الدولة الكثيرة ـ التي حاول فريق فريد أن يعالجها في الدورة السادسة والثلاثين، لكن الوزارة لم تدعهم مرة أخرى في الدورة التالية من المهرجان، وسط تكهنات من البعض حول أن انتقاد الممثل خالد أبو النجا للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال المؤتمر الصحفي في 2014 قد يكون السبب وراء ذلك. وقد أعلن وزير الثقافة أن لجنة تقصي حقائق سوف تحقق في الأداء المالي لفريد وفريقه. ورغم عدم العثور على أخطاء، فقد أرغم فريد على الاستقالة.

بعيدًا عن فيلم سعيد، فالمسألة تتعلق بدور مهرجان القاهرة السينمائي في دعم صناعة السينما المصرية. يقدم برنامج ملتقى القاهرة السينمائي التابع للمهرجان دعمًا محدودًا لإنتاج الأفلام، ولكن لا يوجد دعم للتوزيع أو المنافسة. وحقيقة أن مهرجان القاهرة السينمائي مهرجان يشيع فيه العثور على قاعات عرض خالية ـ إلا في حالة الأفلام المصرية التي عادة ما تكون أكثر مما ينبغي ـ تشير إلى أن المنظمين بحاجة إلى إعادة النظر في المعايير المختلفة التي يطبقونها على عدد المهرجانات المسموح للأفلام المصرية والأجنبية بأن تكون قد شاركت فيها، لا سيما أن مهرجان القاهرة يأتي في نهاية السنة المهرجانية في نوفمبر.

يظل المعيار الذي تدخل بموجبه الأفلام المسابقة أو تُعرض في المجموعة الرسمية غير واضحة. فمسابقة العام الحالي تتضمن أفلامًا عُرض أغلبها في العديد من المهرجانات وفازت بجوائز وفي بعض الحالات عرضت في الخارج عرضًا تجاريًا. وبعض الأفلام عرض في المنطقة مثل الفيلم المغربي ميموسا Memosa الحاصل على جوائز، والذي عرض تجاريًا في بيروت وشارك في أكثر من 20 مهرجانًا. وفيلم «غرباء كاملون» للمخرج الإيطالي ياولو جينوفيس عُرض تجاريًا في إيطاليا وشارك في عدد من المهرجانات، ولكنه مشارك في المسابقة.

يحتج فهيم بأن السينمائيين المصريين يختارون عرض أفلامهم في مهرجان القاهرة لأسباب عاطفية، لكن العرض لا يعني الكثير من الناحية العملية. يقول إن «كثيرًا من المصريين يختارون عرض أفلامهم في دبي الذي يشهد الكثير من الافتتاحات ويجتذب المزيد من النقاد. والمشاهدة فيه تكون أفضل، والسوق أفضل، والفرص أكثر»، مضيفًا أن المشاركة في مهرجان القاهرة تفيد المهرجان أكثر مما تفيد الأفلام.

وحين تقبل الأفلام العالمية الناجحة التي جابت العالم في مهرجان القاهرة، فإن الأفلام المصرية ـ التي كثيرًا ما تُنتج في ظل ظروف أصعب من الناحية الاقتصادية والسياسية والفنية، إذ يواجه السينمائيون المستقلون في عملهم عقبات قانونية ـ تواجه المزيد من العراقيل لتتمكن من المنافسة. وحتى لو أن المهرجان يحتفظ بحق تقرير قواعده، فسينتفع الجميع لو أنه يعلن هذه القواعد أو يثبتها من سنة إلى سنة على أقل تقدير. كما أن سمعة المهرجان ستتحسن إذا جعل من أولوياته مساعدة السينمائيين المحليين على عرض أفلامهم في القاهرة ووفّر لهم الدعم لدخول الأسواق العالمية.

هناك أفلام روائية مصرية جابت العالم لكنها لم تعرض في مصر ـ مثل «الخروج إلى النهار» لهالة لطفي (2012) وكثير من الأفلام التسجيلية ـ لأن حفنة من كبار المنتجين يحتكرون جميع دور العرض المحلية تقريبًا. وحينما تنجح أفلام صغيرة في الوصول للعرض التجاري فهي تعجز في العادة عن المنافسة، بسبب عجزها عن توفير حملات الدعاية الضخمة التي تتوفر للعروض التجارية الأخرى. وكان ذلك حال فيلم «هرج ومرج» لنادين خان، و«فرش وغطا» لأحمد عبد الله. وبوسع المهرجانات الدولية أن تصبح المنفذ الوحيد للسينمائيين غير التجاريين للظهور وكسب المال.

زاوية ـ التي يوزع ذراعها التوزيعي فيلم سعيد ـ تحاول أن تؤسس جمهورًا للسينما المستقلة بتوفير عرض واحد، أو حتى أسابيع كاملة، للأفلام في قاعاتها بوسط مدينة القاهرة وغيرهما من المدن. ولو أن مهرجان القاهرة يريد المنافسة كمهرجان عالمي المعايير فعليه أن يستهدف القيام بدور في دعم الصناعة المحلية.

لكن يبدو أن مهرجان القاهرة لم يغير نبرته في الجدل الحالي. ففي مؤتمره الصحفي الأولى حول الموضوع في 25 أكتوبر، قال المهرجان إن مديره الفني يوسف شريف رزق الله معجب بالفيلم فنيًا «ويتمنى التوفيق للمخرج وفريقه في أفلام قادمة في المستقبل». وردًا على الالتماس والحملة الإلكترونية أصدر المهرجان بيانًا صحفيًا في 5 نوفمبر يتهم فيه فريق «آخر أيام المدينة» بـ«محاولة تلويث سمعة المهرجان في مصر وفي العالم بترويج أكاذيب وتخرصات زائفة».

 

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
 
روان الشيمي