ما وراء ضجة المعركة: قصص من كفاح بورسعيد

«بحَّرْ يا وبور واسرع بِيَّا

لجل البحرية

وإن جيت أنا جايلك بسلاحي

يا بحري أخوك دايمًا صاحي

في الحرب حكون جدامك

وأفديك بالروح يا كنال البحرية

بحر يا وبور واسرع بيا…»

عند منتصف ليل الرابع من نوفمبر سنة 1956، تسلَّل جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي من مقر مجلس قيادة الثورة في الزمالك حيث كانا يعسكران منذ أيام، متجهين إلى بور سعيد.

كانت البلد تتعرض لهجوم القوات الإسرائيلية منذ التاسع والعشرين من أكتوبر وبعدما رفضت مصر إنذار بريطانيا بالانسحاب من منطقة القناة، بدأت القوات الفرنسية والبريطانية قصفها للبلد منذ الحادي والثلاثين من أكتوبر. اجتمع عبد الناصر والبغدادي وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة متحصنين في مقره بالزمالك، فحفلت لياليهم وأيامهم هناك بالذعر والقلق والشجار حول الاستسلام من عدمه. فقد كان المشهد مفزعًا في أعينهم وفي أعين البلد عن بكرة أبيها.

في الرابع من نوفمبر، قرَّر عبد الناصر اختراق حالة الشلل المسيطرة على مجلس قيادة الثورة والانطلاق إلى بورسعيد لتقييم حجم الأَضرار ولتحريض الجيش الجانح على إرسال قوات من سيناء إلى بورسعيد. وأصر البغدادي على مرافقته.

كان الطريق إلى الإسماعيلية حافلًا بمشاهد الهزيمة؛ تتناثر على جنباته الدبابات والمركبات العسكرية وقد أضرمت النار فيها فاحترقت أو انقلبت أو خوت ببساطة من قواتها. يروي البغدادي في مذكراته كيف أن عبد الناصر ظلّ يسأله مصدومًا عن تفسيره لسبب وجود كل مركبة في مكانها، وسبب ظهورها بالشكل الذي كانت عليه. وبينما هما في السيارة في تلك الليلة، يخوضان الكارثة في صمت، ظل عبد الناصر يغمغم لنفسه بالإنجليزية «لقد هزمني جيشي…»

ما كادا يصلان إلى الإسماعيلية، وقد اقترب الفجر، حتى بهتا لما رأياه. وجدا المواطنين مسلحين يجوبون الشوارع، والباعة جالسين في الشوارع والمسدسات في حجورهم. كانت مشاهد المقاومة والحشد، ومظاهر التمرد والتأهب للمعركة، تتناقض بصورة صارخة مع أجواء مجلس قيادة الثورة التي هيمنت عليها الهزيمة وأفكار الاستسلام والخوف على المصائر الشخصية.

كانت تلك لحظة فارقة وملهمة بالنسبة لعبد الناصر، رجع بعدها مباشرة إلى القاهرة، دونما حاجة إلى استطلاع حالة القوات المسلحة في ما وراء الإسماعيلية ودونما حاجة إلى المغامرة بالذهاب إلى بورسعيد، حيث كان العدو ينزل المظليّين في تلك اللحظة إلى المدينة المحاصرة.

تمثل هذه اللحظة في رأيي استعارة لانقلاب 1952 الذي نشأ كثير منا على وصفه بالثورة. حالة عامة من الحشد الشعبي لشعب متأهب أصلًا للتحرر. كان هذا إحساسًا واستعدادًا للقتال والموت استغله في حينه مجلس قيادة الثورة، بل المجلس العسكري. ويستحيل أن نفهم واحدًا دون الآخر. والمفارقة أن يكون كل ما لدينا هو تاريخ عسكري، تاريخ لحرب تلو حرب، رغم أن كل حروب تلك الفترة لم تنته بانتصار عسكري واحد.

لقد قضيت ثلاثة شهور أجمع قصصًا من الناس الذين كانوا في بورسعيد أثناء الحصار الناجم عن العدوان الثلاثي في ما بين الحادي والثلاثين من أكتوبر والثالث والعشرين من ديسمبر. وها هي بعض القصص التي تكشفت لي.

سبع ليالي وصبحية

كانت مؤامرة إنجليزية، مدبرة وفرنسية

مع العصابة اليهودية، سبع ليالي وصبحية

بالطيارات والمدافع، فشل هجومهم مش نافع

واحنا ببنادق بندافع، سبع ليالي وصبحية

سدوا القنال ولا عدش مرور، قطعوا المياه وكمان النور

والعيشة بقت زور في زور، سبع ليالي وصبحية

محمد أبو يوسف «يا بورسعيد شباب ورجال» (1956)

عندما نقرأ مذكرات الجنود الفرنسيين والبريطانيين الذين تأذوا من تجربة بورسعيد، نرى البنية العامة لحرب ذلك الزمان. لقد جرى التخطيط لمرحلة الحرب الأولى كي تكون «حملة جوية سيكولوجية» تستمر ثمانية أيام وتكسر إرادة المقاومة وروحها.

واستمر القصف سبع ليال وصبحية على حد تعبير أغنيات السمسمية (وهي آلة شعبية خماسية الأوتار في المنطقة).

قسَّم الناس أنفسهم إلى العديد من جماعات المقاومة، فكان من بينها كتيبة دفاع جوي. وزَّع المدنيون أنفسهم على نقاط عديدة في المدينة ليطلقوا الرصاص على الطائرات من بنادقهم. ويقال إن رجلًا مات في موقعه على أحد الأسطح وهو يرمي الطائرات بشبشبه. كانت مجموعات أخرى مسؤولة عن دفن الموتى. وكان القصف ـ في ما يقال ـ يتوقف عادة بين الثالثة والخامسة عصرًا، فكان الناس يقولون إن «الإنجليز يتوقفون لتناول الشاي»، وفي ذلك الحين كان الناس يسارعون في محاولات مهتاجة لجمع الجثث المتناثرة في الشوارع ومحاولة دفنها. وبعدما توقفت حملة القصف في السابع من الشهر نُظّمت المزيد من أشكال المقاومة. فكانت مجموعة من النساء مسؤولة عن تهريب السلاح الذي ينقله الصيادون عبر بحيرة المنزلة وتوصيله لمجموعات المقاومة. وتكوَّنت لجان شعبية لحماية الجاليات والممتلكات وتوزيع ما في المدينة من إمدادات متضائلة. تدل منشورات هذه اللجان على أنها تشكلت من جاليات مختلفة في المدينة (كاليونانيين والطليان والسودانيين والنوبيين) في حين تشكلت أخرى من فصائل سياسية.

لا يفوح من قصص المقاومة عبق البسالة والشجاعة المألوف بذكريات الحروب. فالإحساس السائد لدى أغلب من تكلمت معهم هو أنهم وجدوا أنفسهم مدفوعين ولا خيار لهم. فقد كانت المدينة محاصرة، وكانوا يدافعون عن بيوتهم، في معركة يائسة، ففي أغلب الحالات ومنها حالة «كتيبة الدفاع الجوي» كان الناس يخرجون ليموتوا، وهذه الكتيبة بالذات مُسحت من على وجه الأرض في غضون ساعات.

كان الحصار يمنع وصول الجرائد أو الإذاعة إلى بورسعيد، فلم يكن الناس يعرفون أن العالم نهض يدعم قضيتهم ويعارض «حرب السويس». وهنا جاء دور منشورات العدو.

حرب المنشورات

بدأت حرب المنشورات بتلك التي ألقتها طائرات العدو خلال فترة الحصار. وكان أغلبها يلعب على إيمان الناس المفترض بمجلس قيادة الثورة.

هذا المنشور على سبيل المثال يحمل عنوان «ما أهملته إذاعة القاهرة من الأخبار»

ويصف اصطياد «قوات الحلفاء» (أي القوات البريطانية والفرنسية) أسلحة ألقتها قوات الجيش المصري عبر بحيرة المنزلة، ويتساءل المنشور إن كان معنى ذلك أن قوات الجيش تهمل في أداء واجبها أم أنها تستسلم، وتشير منشورات مماثلة إشارات واضحة إلى أنه يجري التخطيط لانقلاب ضد عبد الناصر في القاهرة، وتعلن منشورات أخرى أن القاهرة استسلمت وأن بورسعيد وحدها هي التي تخوض المعركة.

%d9%85%d9%86%d8%b4%d9%88%d8%b1-1

كان هذا أحد منشورات كثيرة حاولت أن توضح كيف أن «الثورة» لم تجلب غير الشقاء إلى بورسعيد. وهنا تلاعب سقيم باسم المدينة حيث النسر ـ وهو رمز مجلس القيادة الثوري ـ ينتزع كلمة «سعيد» ولا يبقي إلا على كلمة «بور» وهي الأرض القاحلة.

%d9%85%d9%86%d8%b4%d9%88%d8%b1-2

بعدما توقف القصف، صُمّمت منشورات قوات المقاومة وبدأ توزيعها لأسباب عديدة. بدا أن بعضها يركز على رفع الروح المعنوية، كهذا المنشور الذي يسرد كيفية مشاركة المرء في المعركة من خلال رفع المعنويات وفضح من يتواطؤون مع قوات العدو وكشف خططهم واستراتيجياتهم أثناء الغزو «وغدًا نرميهم في البحر من جديد».

%d9%85%d9%86%d8%b4%d9%88%d8%b1-3

ومن المنشورات ما استهدف القوات البريطانية والفرنسية التي جرى إنزالها، سعيًا إلى تحذيرها أو ترويعها.

%d9%85%d9%86%d8%b4%d9%88%d8%b1-4

وفي حين ركزت أغلب منشورات العدو على النيل من روح المدنيين المعنوية بتمزيقها أواصر علاقتهم مع السلطة الحاكمة و«الثورة» الكبرى، ركزت المنشورات المحلية على رفع المعنويات وإقامة التحالفات داخل المجتمع. وانبعثت قصص القتال والمقاومة والتضحية من بورسعيد، ليس حماية للـ«الثورة» بل حماية للوطن، مؤكدة في كثير من الحالات على أن الموت المحقق ثمن هزيل.

معجزة

رغم دعوات عديدة أطلقها مجلس الأمن ابتداء من الرابع من نوفمبر لوقف إطلاق النار، استمرّ القصف حتى السادس من الشهر حينما أُرسل المظليون إلى بورسعيد وأُنزلت القوات جوًا وبحرًا لبدء الغزو.

على مدار فترة القصف وفي ما بعد الغزو، كان دخول المدينة أو الخروج منها أقرب إلى المستحيل، وينطبق ذلك حتى على الصحفيين. في أول يومين حاول الناس الهروب من المدينة في مراكب الصيد عبر بحيرة المنزلة إلى دمياط. ثم لم يمض على القصف يومان إلا والبحيرة مشبعة بالجثث لدرجة أن مجاديف المراكب لم تعد تجد متسعًا تتحرك فيه داخل البحيرة.

في الخامس من نوفمبر بلغ القصف ذروته. وبات من المحتم أن يبدأ تفعيل وقف إطلاق النار قريبًا، فازدادت هجمات العدو شراسة مع استعداد القوات للإنزال. قصفت القوات البريطانية في ذلك اليوم محطات الكهرباء ومستودعات الوقود لدرجة أن حي عبادي وحي المناخ أضيئا بالكامل. وحكى لي كثير ممن تكلمت معهم أنهم بعدما توقف القصف في الخامسة مساء صعدوا إلى أسطح البيوت يشاهدون في ارتياع المدينة غارقة في اللهب. ولم يكن في أيديهم ما يفعلونه.

قال لي محمود: «صعدت إلى سطح بيتي، ومعي بندقيتي، راجيًا أن أرى عسكريًا يجري في هذا الاتجاه أو ذاك، فرأيت النار مشتعلة في شتى أرجاء بورسعيد. بدا وكأن حريقًا شب في المدينة كلها، إلا بيتنا. كنت أرى ألسنة اللهب تسري من كل اتجاه، فيشتعل المبنى بعد المبنى، وبدا أنها مسألة وقت فقط قبل أن يصل إلينا الحريق». ولما كانت المياه والكهرباء مقطوعة عن المدينة، لم يبد أن هناك وسيلة لوقف النار.

حكت لي جيزيل أن حماها القسيس صعد إلى سطح بيته وبدأ يصلي. كانوا يتفرجون هم أيضًا على المدينة التي تتعالى فيها ألسنة اللهب مثلما صعد آخرون إلى أسطح بيوتهم ليتفرجوا ويصلوا.

ثم وقعت المعجزة. بدأت السماء تمطر.

في البداية علا صوت انهمار المطر فبدأ الناس يهللون ويشكرون ومنهم من بدأ يكبِّر بينما هلّل البعض بـ«دعاء الرب أن يطفي النار»، وفي حين علا التهليل اشتد المطر، وفي حين اشتد المطر علا التهليل من فوق أسطح البيوت.

تتذكر جيزيل في حنين أن «صوت الدعوات كان يتزايد ويتعالى وتتردد أصداؤه في جنبات بورسعيد بينما المطر ينهمر غزيرًا مطفئًا النار، في منظر لا يمكن تخيله، ولا يمكن نسيانه. كان الناس يصيحون من كل مكان بالدعاء والبكاء والتهليل».

حكت جيزيل أنها جثت على ركبتيها وسط المطر المنصب مطفئًا ببطء نيران المدينة من حولهم.

روى الشاعر كامل عيد عن تجربة مماثلة مر بها خلال ذلك الحدث، مضيفًا بابتسامة ساخرة أن «هذه حكاية لن يحكيها التاريخ».

السمسمية بتدي حق اللي التاريخ نسي حقه

تتناقض حكايات حرب بورسعيد مع السردية العسكرية للحرب. فبدلًا من البسالة لدينا الخوف، وبدلًا من الاستراتيجية لدينا الصدفة، وبدلًا من النصر لدينا المعجزة. قصص محاولات القتال حمايةً للجاليات والأحياء زاخرةٌ بكل ما هو حقيقي بشأن المقاومة، زاخرة بالأمل الجامح والإحساس الطاغي باللاجدوى، وبلحظات النصر الذي ما هو بنصر إلا بأثر رجعي، حينما يتسنى وضع التجربة كلها تحت لافتة حرب، حرب كللت بالنصر.

وفي هذا يكمن جمال قراءة التاريخ عبر أغنيات الناس، والاستماع إليه في قصصهم، واستشعاره في ضحكاتهم ودموعهم. ذلك ما يمنحنا ما نعيش به. يمنحنا من السردية أقل مما يمنحنا من الكفاح من أجل حياة أفضل ودنيا أفضل. وليس الماضي حيًا إلا لأن بقاءنا نحن هو دافعنا الكامن وراء ما نعيشه الآن.

سيكون من السخف الزعم بأن النسيان طوى من حرب بورسعيد أي شيء. فحرب 1956 حجر زاوية، حرب أيقونية رسخت «ثورة 1952» ونقلت الضباط الأحرار من نزاعاتهم وليالي يأسهم في الزمالك في نوفمبر إلى المكانة التي يحتلونها اليوم في التاريخ. ولكن الصمت أحيانًا يكون أقوى، حينما يكون الحدث نفسه أصخب وأبرز وتمتزج فيه النغمات العسكرية بالأهمية الوطنية.

لقد فقدنا وسط ضجة المعركة كثيرًا من تفاصيل معنى المقاومة والكفاح ضد عدو مسلح؛ لقي 1360 من الرجال والنساء والأطفال مصرعهم في بورسعيد طوال شهري المعركة، بين 31 أكتوبر و23 ديسمبر، أي أن 1360 مدنيًا لقوا مصرعهم على يد جيشين خلال 54 يومًا، بل في الـ«سبع ليالي وصبحية» التي مات فيها أغلبهم.

لن تسمعوا عنهم في كتب التاريخ، ولن تظهر أسماؤهم في الأنصاب المقامة للجندي المجهول أو التقارير العسكرية الصادرة عن المعركة. لكنكم ستسمعون أسماءهم تتردد في أغاني السمسمية ودعوات أحبابهم في بورسعيد. وما هذه غير بعض أصوات المعركة، المعركة التي ما كانت لتنتهي بالنصر لولا هؤلاء.

____________

الشكر للأستاذ ضياء الدين القاضي على المنشورات المهداه من مجموعته الخاصة.

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
 
علياء مسلم