ما بعد التعويم.. كمن نقضت غزلها من بعد قوة

بعد أن اتُخذ القرار، لم يعد هناك مجال لطرح أسئلة من نوعية «تعويم أم تثبيت»، و«الآن أم ننتظر قليلًا»، فالقرار اتُخذ بالفعل، وسعر الدولار ارتفع رسميًا بالفعل في البنوك من 8.88 إلى 13، ثم إلى 16 جنيهًا مصريًا بنهاية عمل اليوم في التاسعة مساء، وفقًا لتعليمات البنك المركزي للبنوك. الأمر المؤكد أن القرار كان حتميًا بعد ارتفاع الفارق بين السعر الرسمي للدولار مقابل الجنيه في البنوك، وسعره مقابل الجنيه في السوق الموازية، حتى أصبح سعره غير الرسمي أكثر من ضعف سعره في البنوك، في تشوه واضح للاقتصاد، يتعين معه التدخل الجراحي الفوري. ولقد تأخرنا!

أما لماذا كان القرار حتميًا، فالحقيقة أن وجود هذا الفارق الكبير بين السعرين يُحمّل المواطن المصري كل أعباء انخفاض قيمة عملته المحلية، ويحرمه في نفس الوقت من جني أي ثمار لهذا الانخفاض، إن وُجدت. فعلى سبيل المثال، يتحمل المواطن أعباء انخفاض قيمة عملته المحلية ممثلة في ارتفاع أسعار أغلب، إن لم يكن كل السلع الأساسية، إلا تلك التي تباع في إطار مبادرات، سواء من القوات المسلحة أو عمرو أديب أو حتى عمرو دياب، كما يتحمل المواطن مشقة اختفاء بعض السلع الأساسية التي يتعمد تجارها إخفاءها، انتظارًا لارتفاع سعرها بعد زيادة التكهنات برفع السعر الرسمي للدولار، كما حدث في أزمتي الأرز والسكر، وكانت أزمة الزيت في الطريق.

ويتحمل المواطن أيضًا، بصورة غير مباشرة، فاتورة الدعم الذي تقدمه الحكومة من أجل توفير بعض السلع بأسعار زهيدة، وكثيرًا ما يذهب لغير مستحقيه. فهذا الدعم يضغط على موازنة الدولة التي تعاني بدورها من عجز وصل بنهاية يونيو 2016 إلى 339.5 مليار جنيه، وبنسبة 12.2% من الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لجريدة الشروق بعدد الأربعاء 2 نوفمبر 2016. وغني عن البيان ما تؤدي إليه زيادة عجز الموازنة من ارتفاع التضخم وانخفاض مستوى معيشة المواطنين، وانخفاض إنفاق الدولة الاستثماري، خاصة في مجالي تعليم وصحة المواطن المصري وأولاده.

وفي مقابل تلك الأعباء، لم يستفد المواطن من أي ميزة يمكن توقعها من انخفاض قيمة العملة المحلية. فالاستثمارات الأجنبية – وهي مطلوبة لخلق فرص عمل في بلد تجاوزت نسبة البطالة فيه 13% وفقًا للإحصاءات الرسمية، لن تأتي إلا عندما ترتفع قيمة الدولار في البنك. لأن المستثمر الأجنبي لا يمكنه اللجوء للسوق السوداء لتغيير أمواله عند دخوله البلد للاستثمار، كما أنه لن يقبل، ومهما كانت الإغراءات والإعفاءات، التخلي عن نصف قيمة استثماراته قبل بداية أي مشروع، بتغيير أمواله بالسعر الرسمي (8.88).

ومن ناحية أخرى، فإن تثبيت سعر الدولار مقابل الجنيه في البنوك، بعيدًا عن سعره في السوق الموازية، يؤدي لانخفاض حصيلة الدولة من الجمارك على الواردات، والتي تُدفع بالجنيه المصري، وبالتالي تقل مساهمتها في سد عجز الموازنة، كما تضغط على ميزان المدفوعات في الدولة، وتلك هي مشكلة المشاكل، لكن ليس هذا مجال الحديث الآن.

إذن فقد كان القرار حتميًا، لكن لابد هنا من إلقاء الضوء على نقطتين في غاية الأهمية يتعين على صاحب القرار، من أجل تقليص عدد ضحايا التعويم، ألا يغفلهما:

النقطة الأولى تتعلق بالقرار الذي اتخذ أيضًا برفع أسعار الفائدة بمقدار 3%، والمتوقع أن يسري على أغلب المنتجات بالأسواق، بالإضافة إلى اقتراض الشركات من البنوك. فارتفاع تكلفة الاقتراض يقلل من قدرة تلك الشركات على التوسع وعلى زيادة الإنتاج ومعدلات التوظيف. والبلد الطيب مثل بلدنا – والذي يعاني من معدلات نمو منخفضة – يعمل دائمًا على تخفيض تكلفة الاقتراض. مفهوم أن رفع أسعار الفائدة يهدف لكبح تضخم يتوقعه البعض بعد تعويم/تخفيض الجنيه، ألا أني أعتقد أن توجيه الجهود نحو تحفيز النمو وزيادة معدلات الاستثمار كان ينبغي أن يكون واجب الوقت، وأن تكون له الأولوية عن محاربة التضخم، خاصة وأن الأسعار ارتفعت بالفعل بعد استخدام أغلب/كل التجار سعر 17-18 جنيه (غير الرسمي) في التسعير، بدلًا من سعر 8.88 الذي كان معلنًا خلال الفترة الماضية.

أعلم أن بعض المدارس الاقتصادية، ولدى اتخاذ قرارات تعويم أو تخفيض العملة، تستخدم رفع أسعار الفائدة للدفاع عن عُملتها المحلية، ويُحكى أن آخر من استخدم هذا الأسلوب كان أمنحتب الثالث الذي حكم مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والذي صحيح أن الجميع شهدوا ببراعته في الصيد، ولكن أحدًا لم يتحدث عن قدرته على إدارة الاقتصاد، كما أن فرص نجاح هذا الأسلوب تقل كثيرًا في اقتصاد تعرضت عملته لضغوط رهيبة طيلة ست سنوات، وتحدث فيه الجميع آخر سنة (بمن فيهم رئيس الدولة ورئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي) عن حتمية تخفيض قيمة عملته، وقدّر البعض فيه التخفيض بما لا يقل عن 30-40 بالمائة، وقد حدث أكثر من ذلك بالفعل يوم اتخاذ القرار، فكيف يساعد رفع سعر الفائدة على الجنيه 3% في توجيه المواطنين لشرائه وبيع ما في حوزتهم من دولارات؟

رفع الفائدة يحد إذن من النمو ويقلل معدلات الاستثمار، ويزيد الأعباء على موازنة الدولة، حتى أن بعض التقديرات تشير إلى تجاوز نصيب خدمة الدين الحكومي (أي الفائدة المدفوعة فقط بدون سداد الأقساط) 50% من إجمالي نفقات الدولة.

أي نعم.. أكثر من نصف إجمالي نفقات الدولة يُدفع كفائدة على الدين الحكومي!

أضف إلى ذلك أن فائدة العملة المحلية المرتفعة في حد ذاتها لا يمكنها أن تؤدي الغرض، لكن قد تساعد على زيادة فارق سعر الفائدة النسبي بين الجنيه والدولار، أما أن نفاجأ في نفس لحظة رفع سعر الفائدة على الجنيه برفع سعر فائدة الشهادات الدولارية 3 – 5 – 7 سنوات لتصل إلى 5.75% في بعض البنوك، فهذا يجعلنا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، ويتحمل المواطن مرة أخرى تكلفة الغزل!

النقطة المهمة الثانية بعد قرار التعويم هي توضيح أن القرار أدى إلى تخفيض القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور بأكثر من النصف. وكان الحد الأدنى قد أُقر بعد جهود كبيرة كأحد أهم مظاهر تحقيق مطلب هام من مطالب ثورة 25 يناير، وهو تحقيق العدالة الاجتماعية. فبعد رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه في منتصف 2014، أي بما يساوي وقتها تقريبًا 170 دولارًا (ولا أعلم إن كان القرار قد طُبق بالفعل أم لم يطبق)، لم يعد هذا الحد الأدنى يساوي أكثر من 75 دولارًا، وغني عن البيان ما لذلك من أثر على المواطن في بلد يدخل المستورد في تكلفة أكثر من ثلاثة أرباع ما يأكله ويلبسه ويركبه أغلب مواطنيه.

أعلم جيدًا أن الأيام القليلة القادمة قد تؤدي بالدولار إلى الاستقرار بعض الوقت عند مستويات أقل كثيرًا من السعر المعلن لحظة كتابة هذه السطور (وهو 15.50-16)، لكن الأهم من ذلك بالطبع هو كيفية حماية الجنيه من الانهيار مرة أخرى مستقبلًا، وكيفية حماية المواطن المصري عند اتخاذ القرارات الصعبة. فهل تراعي الحكومة في قراراتها بعد التعويم مصلحة المواطن المطحون، أم تظل قراراتها امتدادًا واضحًا للعصر المباركي وانحيازاته؟

اعلان
 
 
شريف عثمان 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن