صورة مشوشة من أجل الملك
 
 

«الهولوجرام» هو صورة ثلاثية الأبعاد تتكون عبر تقاطع مجموعة من أشعة الليزر, فتبدو مشاهد حية طافية في الهواء تمامًا مثل المشاهد الشهيرة في سلسلة أفلام «حرب النجوم» حين يتواصل فرسان الجاداي عبر المجرة بمكالمات الهولوجرام (التي تشبه المكالمات المرئية في الفيس تايم مثلًا, لكنها بارزة ومتحركة وأكثر إبهارًا).

فيلم «هولوجرام من أجل الملك» أحد أحدث أفلام النجم الأمريكي «توم هانكس» الذي شهد عامًا نشيطًا هذا العام استمتع فيه متابعوه بثلاثة أفلام دفعة واحدة, تتضمن أيضًا فيلم «سولي» عن قصة الطيار الأمريكي الذي هبط بطائرته المعطوبة على نهر الهاديسون منقذًا جميع ركابها, وفيلم «إنفرنو» الذي يعود فيه هانكس للعب دور أستاذ الرموز التاريخية روبرت لانجدون، ليحل لغزًا جديدًا من ألغاز الروائي دان براون صاحب الجزأين الشهيرين من السلسلة: «شفرة دافينشي» و «ملائكة وشياطين».

وعلى عكس الفيلمين الأخيرين اللذين عرضا في دور السينما في مصر وشهدا إقبالًا جيدًا, لم يعرض «هولوجرام من أجل الملك» في مصر حتى الآن، رغم تصوير جزء كبير من أحداثه بمدينة الغردقة، ربما لكونه يتناول المملكة السعودية «الشقيقة» بمعالجة أثارت غضب وتحفظ السعوديين بعد عرض الإعلان الرسمي للفيلم على يوتيوب مباشرة في مارس الماضي.

يسرد الفيلم قصة رجل المبيعات متوسط الموهبة «آلان كلاي» الذي يمر بأزمة منتصف العمر, مع فشل زواجه وتعثر وظيفته ورغبته في توفير حياة أمريكية مثالية لابنته المقبلة على سنواتها الجامعية. يعمل كلاي في شركة تقدم حلول تقنية المعلومات المتطورة, ويجد في السفر إلى المملكة العربية السعودية فرصة لوضع الأمور في نصابها الصحيح, يعد مديره أنه سيبيع واحدًا من أحدث منتجات الشركة إلى العائلة المالكة السعودية الذي تجمعه بأحد أعضائها معرفة قديمة.

يصل كلاي إلى ما يفترض أنه مدينة اقتصادية كبرى جار تشييدها على مقربة من العاصمة الرياض, وينتظر مع فريقه زيارة متوقعة للملك ليقدموا له عرضًا حيًا لأحدث ما أنتجته التكنولوجيا الأمريكية في مجال الاتصالات, وهي المكالمات ثلاثية الأبعاد «الهولوجرام».

وفي خيمة سيئة التكييف وبدون اتصال بالإنترنت، يطول انتظار كلاي وفريقه أيامًا متعاقبة دون مجيء الملك, ودون ظهور أي شخص يوضح له موعد الزيارة بالضبط. يتابع أخبار الملك في الجرائد؛ هو إما في اليمن أو مشغول مع مساعديه في الرياض في ظل الأزمات العاصفة التي تمر بالشرق الأوسط.

وسواء بإرادته أو بدونها, يجد كلاي نفسه مضطرًا للتعرف أكثر على السعودية وثقافتها, أولًا عبر السائق السعودي, الشاب خفيف الظل يوسف، الذي يقله يوميًا من الفندق إلى الخيمة في المدينة الاقتصادية الوهمية التي يقف في حراستها فرد أمن ينقع قدميه طوال النهار في سطل من المياه، وثانيًا عبر الطبيبة السعودية «زهرة» التي تشرف على علاجه إثر أزمتين صحيتين محدودتين ألمتا به خلال فترة زيارته، وثالثًا عبر «هانا», موظفة إسكتلندية أربعينية تعمل لحساب مورِّد جاء ليعرض خدماته هو الآخر على السعوديين.

تبدو السعودية من وجهة النظر الفيلم مكانًا قاحلًا للغاية, وخياليًا للغاية، تجتمع فيه المتناقضات بشكل سيريالي زاعق, ويبدو شعبها مجموعة من الحمقى الذين امتلكوا المال فجأة ويحاولون بكل الوسائل اللحاق بركب الحداثة, فيفشلون أو ينتهون إلى محاولات هزلية مضحكة. يقيم كلاي في أفخم فندق بالعاصمة, وفي كل مرة يدخل فيها إلى اللوبي يحييه موظف الاستقبال بطريقة تليق بشخص متخلف عقليًا، السكرتيرة في المدينة الاقتصادية لا تستطيع التفرقة بين وجود مديرها في السعودية أو في نيويورك، السائق يوسف يصطحبه في شوارع المدينة فتبدو أبراج الرياض الحداثية الشاهقة, وبعد أمتار يمرون على مسجد يقام فيه الحدُّ بينما جماهير غفيرة تحتشد لمشاهدة تنفيذ العقوبة، يُمنع على الأجنبي مجرد النظر إلى الكعبة (ناهيك عن دخول مكة), بيما يُسهّل مرور الخمور لنفس الأجنبي داخل زجاجات زيت الزيتون، يسرع الناس إلى الصلاة جماعة بمجرد رفع الأذان, ثم يتشاجرون بشكل مضحك فيما بينهم بمجرد الانتهاء من التسليم، والسيدات يسبحن في شواطئهن الخاصة بمايوهات رجالية وبدون أي قطع علوية ليعتقد أي متلصص أنهن رجال!

hologram4-0

لدى الإخوة في السعودية الحق بالطبع في الغضب من صورتهم التي نُمطّت بشكل مخز في الفيلم، والتي لا تذكرني سوى بمشاهد مملكة خيالية تسمى «واديا» في فيلم ساشا بارون كوين, «الدكتاتور»، الذي كان ينتقد فيه القذافي بشكل مغرق في السخرية.

لكن في كل الأحوال، يمكننا تجاوز صورة «السعودي» إلى ما يهمنا أكثر وهو صورة «الأمريكي»، التي بدت في الحقيقة أكثر تشوشًا بكثير. حسنًا، اعتدنا على الصورة الذهنية للعرب كرعاة أغنام مقيمين في خيم في الصحراء تحيط بها حريم ومآذن ولصوص مغارة علي بابا، إلخ. لكننا اعتدنا أيضًا على صورة ذهنية للأمريكي كبطل وسيم يقود أسرع وأفخم سيارة ولا يتوقف عن إلقاء النكات وهو في طريقه لتحقيق الحلم الأمريكي، أليس كذلك؟

هذه المرة بدت صورة كلاي الأمريكي معاكسة تمامًا, وربما يكون هذا ما منح الفيلم قيمة حقيقية واتزانًا يغفر له ما اقترفه في حق السعوديين, فقد بدا الأمريكي شخصًا فاقدًا للبوصلة تمامًا, يحاول أن يعرض على الملك السعودي تكنولوجيا يعرف أن الملك لا يحتاجها أصلًا، فوفقًا لنظرية أمريكي آخر يدعى هنري كيسنجر، عليك الذهاب بنفسك إلى خيمة العربي إذا أردت إبرام صفقة, الهولوجرام لن يغني عن وجودك بشحمك ولحمك. لكن كلاي في عرضه التقديمي يحاول اللعب على زاوية «أمن الملك»؛ مع الهولوجرام ستستطيع الحديث مع أي شخص بشكل آمن تمامًا, لن يلمسك محدثك, لن يرمى عليك حجرًا, أو يطعنك بخنجر, أو يفجر فيك حزامًا ناسفًا.

وفي نفس الوقت الذي يستمر فيه الأمريكي في عرض خدماته على السعودي الحاكم، فإنه يتعرض لسؤال من السعودي المحكوم؛ يسأله يوسف بعد أن توطدت علاقتهما: «هل ستدعمنا أمريكا إذا ما قمنا بثورة ديمقراطية؟»، ويقصد هل ستدعم الشباب, فيجيبه كلاي: «بالطبع ستدعمكم»!

هل يحاول الأمريكي اللعب على الناحيتين؟ بحيث يكون الكل سعيدًا؟ حتى هذه فشل فيها.

يتابع يوسف أسئلته: «هل ستحاربون بجانبنا؟ هل ستمدوننا بجنود؟» يصمت كلاي ثم يجيب: «لا».

– «هل ستمدوننا بأسلحة؟»

– «لا».

– «قنابل صدمة ورعب؟»

– «لا».

– «هل ستأتي أنت لتدعمني؟»

يبتسم كلاي ويجيب كأنه يُسكت طفلًا صغيرًا لا يفقه شيئًا: «بالطبع نعم».

وإذا كان كلاي قد استطاع أن يبيع ليوسف بعض الوعود البراقة مؤقتًا، فهو لم يستطع إتمام بيعة الهولوجرام للملك الذي حضر أخيرًا للمدينة الاقتصادية، وذلك لأن منافسًا صينيًا استطاع إقناع الملك بشراء نفس الحل من الصين بنصف الثمن وبسرعة وكفاءة أكبر، وبجودة أفضل من صورة هولوجرام كلاي المشوشة!

يفقد الأمريكي قبضة أصابعه على الأشياء، وتتسرب قوته الاقتصادية شيئًا فشيئًا، مع قوته الجيوسياسية والثقافية، حتى أنه فضّل الاستماع إلى أغاني ماجد الراشد بدلًا من أغاني إلفيس بريسلي المعدودة من المقدسات.

يصاب كلاي بنوبة ذعر, يظن في البداية أنها نوبة قلبية، ويدخل على إثرها المستشفى. وتشرف على علاجه طبيبة سعودية تبدو في العقد الخامس من العمر، وبمجرد أن يشعر بالتحسن, يقع في غرام الطبيبة على الفور! هذا الكليشيه التقليدي جدًا لغرام المريض بالممرضة. لا تعلم إذا كانت أزمة كلاي هي ما أوقعته في حب أول أنثى تقدم له الرعاية, أم أنه عندما علم أن زهرة تمر بمشاكل قانونية مع زوجها السابق من أجل إتمام الطلاق, تعاطف مع أزمتها؟

من في أزمة, ومن يحتاج من؟

كلاي أم زهرة؟

أمريكا أم السعودية؟

ينتهي الفيلم بشكل هزلي بقرار كلاي القبول بعرض عمل في السعودية, والعيش مع زهرة، ليرتبط مصيرهما لمدى لا يعلمه إلا الله، وكأن الفيلم دعاية تروج لحتمية ارتباط مصير السعودية وأمريكا، مهما ساءت الظروف وكانت التحديات.

تبدو النهاية، بالضبط مثل صورة الهولوجرام، «مشوشة» وغير مقنعة وغير مشبعة وتدفع لمزيد من التفكير في المستقبل؛ إذا كانت صورة العلاقة بين أمريكا والمملكة على هذه الدرجة من عدم اليقين في عهد أوباما، صاحب خطاب التصالح على العالمين العربي والإسلامي الشهير الذي ألقاه تحت قبة جامعة القاهرة في 2008، فكيف ستكون الصورة في مطلع العام المقبل مع قدوم شخص جديد إلى البيت الأبيض, ترامب مثلًا، الذي يرى أن على السعودية دفع إتاوات مالية مقابل الحماية التي تقدمها لها أمريكا ضد أعداء مثل إيران، أو كلينتون التي تُظهر تسريبات برقياتها الدبلوماسية وقت كانت وزيرة للخارجية, أنها لا ترى في السعودية سوى «ماكينة كاش» لدعم الإرهابيين؟

لا أعلم.

ربما علينا أن ننتظر جزءًا ثانيًا من فيلم توم هانكس.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن